صفحة جزء
فرع

إذا مات في سفينة ، إن كان بقرب الساحل ، أو بقرب جزيرة ، انتظروا ليدفنوه في البر ، وإلا شدوه بين لوحين لئلا ينتفخ وألقوه في البحر ليلقيه البحر إلى الساحل لعله يقع إلى قوم يدفنونه ، فإن كان أهل الساحل كفارا ، ثقل بشيء ليرسب .

قلت : العجب من الإمام الرافعي مع جلالته ، كيف حكى هذه المسألة على هذا الوجه ، وكأنه قلد فيه صاحبي ( المهذب ) و ( المستظهري ) في قولهما : إن كان أهل الساحل كفارا ، ثقل ليرسب ، وهذا خلاف نص الشافعي ، وإنما هو مذهب المزني ، لأن الشافعي - رحمه الله - قال : يلقى بين لوحين ليقذفه البحر . قال [ ص: 142 ] المزني : هذا الذي قاله الشافعي ، إذا كان أهل الساحل مسلمين ، فإن كانوا كفارا ، ثقل بشيء لينزل إلى القرار . قال أصحابنا : الذي قاله الشافعي أولى ، لأنه يحتمل أن يجده مسلم فيدفنه إلى القبلة . وعلى قول المزني : يتيقن ترك الدفن . هذا الذي ذكرته هو المشهور في كتب الأصحاب ، وذكر الشيخ أبو حامد ، وصاحب ( الشامل ) وغيرهما : أن المزني ذكرها في ( جامعه ) الكبير ، وأنكر القاضي أبو الطيب عليهم وقال : إنما ذكرها المزني في ( جامعه ) كما قالها الشافعي في ( الأم ) . قال الشافعي : فإن لم يجعلوه بين لوحتين ليقذفه الساحل ، بل ثقلوه وألقوه في البحر ، رجوت أن يسعهم ، كذا رأيته في ( الأم ) . ونقل الأصحاب أنه قال : لم يأثموا ، وهو بمعناه . وإذا ألقوه بين لوحين ، أو في البحر ، وجب عليهم قبل ذلك غسله وتكفينه ، والصلاة عليه بلا خلاف ، وقد أوضحت المسألة في ( شرح المهذب ) بأبسط من هذا ، وقد بقيت من باب الدفن بقايا . قال الشافعي والأصحاب - رحمهم الله - : يستحب أن يجمع الأقارب في موضع واحد من المقبرة . ومن سبق إلى موضع من المقبرة المسبلة ليحفره ، فهو أحق من غيره . قال أصحابنا : ويحرم أن يدفن في موضع فيه ميت حتى يبلى ولا يبقى عظم ولا غيره . قالوا : فإن حفر فوجد عظامه ، أعاد القبر ولم يتم الحفر . قال الشافعي - رحمه الله - : فإن فرغ من القبر فظهر شيء من العظام ، جاز أن تجعل في جانب القبر ويدفن الثاني معه . قال الشافعي والأصحاب : ولو مات له أقارب دفعة ، وأمكنه دفن كل واحد في قبر ، بدأ بمن يخشى تغيره ، ثم الذي يليه في التغير . فإن لم يخش تغير ، بدأ بأبيه ، ثم أمه ، ثم الأقرب فالأقرب . فإن كانا أخوين ، فأكبرهما . فإن كانتا زوجتين ، أقرع بينهما . ولا يدفن مسلم في مقبرة الكفار ، ولا كافر في مقبرة المسلمين . قال أصحابنا : ولا يكره الدفن بالليل . قالوا : وهو مذهب العلماء كافة ، إلا الحسن البصري . قالوا : لكن المستحب ، أن يدفن نهارا . قال الشافعي في ( الأم ) والأصحاب : ولا يكره الدفن في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها .

[ ص: 143 ] ونقل الشيخ أبو حامد ، وصاحب ( الحاوي ) ، والشيخ نصر ، وغيرهم ، الإجماع عليه ، وبه أجابوا عن حديث عقبة بن عامر في ( صحيح مسلم ) : ( ثلاث ساعات نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة فيهن ، وأن نقبر فيهن موتانا ) وذكر وقت الاستواء ، والطلوع ، والغروب . وأجاب القاضي أبو الطيب ، ثم صاحب ( التتمة ) ، بأن الحديث محمول على تحري ذلك وقصده . ويكره المبيت في المقبرة . وأما نقل الميت من بلد إلى بلد قبل دفنه ، فقال صاحب ( الحاوي ) قال الشافعي : لا أحبه إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة ، أو بيت المقدس ، فنختار أن ينقل إليها لفضل الدفن فيها . وقال صاحب ( التهذيب ) ، والشيخ أبو نصر البندنيجي من العراقيين : يكره نقله . وقال القاضي حسين ، وأبو الفرج الدارمي ، وصاحب ( التتمة ) : يحرم نقله . قال القاضي وصاحب ( التتمة ) : ولو أوصى به ، لم تنفذ وصيته ، وهذا أصح ، فإن في نقله تأخير دفنه وتعريضه لهتك حرمته من وجوه . ولو ماتت امرأة في جوفها جنين حي ، قال أصحابنا : إن كان يرجى حياته ، شق جوفها وأخرج ثم دفنت ، وإلا فثلاثة أوجه . الصحيح : لا يشق جوفها ، بل يترك حتى يموت الجنين ثم تدفن . والثاني : يشق . والثالث : يوضع عليه شيء ليموت ثم تدفن ، وهذا غلط وإن كان قد حكاه جماعة ، وإنما ذكرته لأبين بطلانه . قال صاحب ( الحاوي ) : قال الشافعي - رحمه الله - : لو أن رفقة في سفر مات أحدهم فلم يدفنوه ، نظر ، إن كان بطريق يخترقه المارة ، أو بقرب قرية للمسلمين ، فقد أساءوا ، وعلى من بقربه من المسلمين دفنه . وإن كان بصحراء ، أو موضع لا يمر به أحد ، أثموا وعلى السلطان معاقبتهم ، إلا أن يخافوا - لو اشتغلوا به - عدوا ، فيختار أن يواروه ما أمكنهم . فإن تركوه ، لم يأثموا ، لأنه موضع ضرورة . قال الشافعي : لو أن مجتازين مروا بميت في صحراء ، لزمهم القيام به رجلا كان أو امرأة . فإن تركوه أثموا . ثم إن كان بثيابه ليس عليه أثر غسل ولا تكفين ، وجب عليهم غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه . وإن كان عليه أثر الغسل والكفن والحنوط ، دفنوه .

[ ص: 144 ] فإن أرادوا الصلاة عليه ، صلوا بعد دفنه على قبره ، لأن الظاهر أنه صلي عليه . وقد ألحقت في هذا الباب أشياء كثيرة ، وبقيت منها نفائس ومتممات استقصيتها في ( شرح المهذب ) تركتها لكثرة الإطالة . - والله أعلم - .

التالي السابق


الخدمات العلمية