صفحة جزء
باب .

قسم الصدقات .

اعلم أن الإمام الرافعي - رحمه الله - أخر هذا الباب إلى آخر ربع المعاملات فعطفه على قسم الفيء والغنيمة ، وهناك ذكره المزني - رحمه الله - والأكثرون . وذكره هاهنا الإمام الشافعي - رضي الله عنه - في ( الأم ) وتابعه عليه جماعات ، فرأيت هذا أنسب وأحسن فقدمته . والله أعلم .

[ ص: 308 ] أصناف الزكاة ثمانية .

الأول : الفقير ، وهو الذي لا مال له ولا كسب ، يقع موقعا من حاجته ، فالذي لا يقع موقعا ، كمن يحتاج عشرة ولا يملك إلا درهمين أو ثلاثة ، فلا يسلبه ذلك اسم الفقير .

وكذا الدار التي يسكنها ، والثوب الذي يلبسه متجملا به ، ذكره صاحب " التهذيب " وغيره . ولم يتعرضوا لعبده الذي يحتاج إلى خدمته ، وهو في سائر الأمور ملحق بالمسكن .

قلت : قد صرح ابن كج في كتابه " التجريد " : بأنه كالمسكن وهو متعين . والله أعلم .

ولو كان عليه دين ، فيمكن أن يقال : القدر الذي يؤدى به الدين لا عبرة به في منع الاستحقاق ، كما لا عبرة له في وجوب نفقة القريب ، وكذا في الفطرة كما سبق .

وفي فتاوى صاحب " التهذيب " : أنه لا يعطى سهم الفقراء حتى يصرف ما عنده إلى الدين . قال : ويجوز أخذ الزكاة - لمن ماله على مسافة القصر - إلى أن يصل إلى ماله . ولو كان له دين مؤجل ، فله أخذ كفايته إلى حلول الأجل . وقد يتردد الناظر في اشتراط مسافة القصر .

فرع

المعتبر في عجزه عن الكسب ، عجزه عن كسب يقع موقعا من حاجته ، لا عن أصل الكسب . والمعتبر كسب يليق بحاله ومروءته .

ولو قدر على الكسب ، إلا أنه مشتغل ببعض العلوم الشرعية ، ولو أقبل على الكسب ، لانقطع عن التحصيل ، حلت له الزكاة . أما المعطل المعتكف في المدرسة ، ومن لا يتأتى منه التحصيل ، فلا تحل لهما الزكاة مع القدرة على الكسب .

[ ص: 309 ] قلت : هذا الذي ذكره في المشتغل بالعلم ، هو المعروف في كتب أصحابنا . وذكر الدارمي فيه ثلاثة أوجه . أحدها : يستحق ، والثاني : لا ، والثالث : إن كان نجيبا يرجى تفقهه ونفع الناس به ، استحق ، وإلا ، فلا . والله أعلم .

ومن أقبل على نوافل العبادات ، والكسب يمنعه منها ، أو استغراق الوقت بها ، لا تحل له الصدقة ، وإذا لم يجد الكسوب من يستعمله ، حلت الزكاة له .

فرع

لا يشترط في الفقر الزمانة والتعفف عن السؤال على المذهب ، وبه قطع المعتبرون . وقيل : قولان . الجديد : كذلك ، والقديم : يشترط .

فرع

المكفي بنفقة أبيه أو غيره ، ممن تلزمه نفقته ، والفقيرة التي ينفق عليها زوج غني ، هل يعطيان من سهم الفقراء ؟ يبنى على مسألة ، وهي لو وقف على فقراء أقاربه ، أو أوصى لهم ، وكانا في أقاربه ، هل يستحقان سهما من الوقف والوصية ؟ فيه أربعة أوجه .

أصحها : لا ، قاله أبو زيد والخضري ، وصححه الشيخ أبو علي وغيره ، والثاني : نعم ، قاله ابن الحداد ، والثالث : يستحق القريب دون الزوجة ، لأنها تستحق عوضها ، وتستقر في ذمة الزوج ، قاله الأودني ، والرابع : عكسه ، والفرق أن القريب تلزم كفايته من كل وجه ، حتى الدواء وأجرة الطبيب ، فاندفعت حاجاته ، والزوجة ليس لها إلا مقدر ، وربما لا يكفيها .

وأما مسألة الزكاة ، فإن قلنا : لا حق لهما في الوقف والوصية ، فالزكاة أولى ، وإلا فيعطيان على الأصح . [ ص: 310 ] وقيل : لا يعطيان ، وبه قال ابن الحداد . والفرق أن الاستحقاق في الوقف ، باسم الفقر ، ولا يزول اسم الفقر بقيام غيره بأمره .

وفي الزكاة الحاجة ، ولا حاجة مع توجه النفقة ، فأشبه من يكسب كل يوم كفايته ، حيث لا يجوز له الأخذ من الزكاة ، وإن كان معدودا في الفقراء .

والخلاف في مسألة القريب إذا أعطاه غير من تلزمه نفقته من سهم الفقراء أو المساكين ، ويجوز أن يعطيه من غيرهما بلا خلاف .

وأما المنفق عليه ، فلا يجوز أن يعطيه من سهم الفقراء والمساكين ، لغناه بنفقته ، ولأنه يدفع عن نفسه النفقة ، وله أن يعطيه من سهم العامل ، والغارم ، والغازي ، والمكاتب ، إذا كان بتلك الصفة ، وكذا من سهم المؤلفة ، إلا أن يكون فقيرا ، فلا يعطيه ، لأنه يسقط النفقة عن نفسه .

ويجوز أن يعطيه من سهم ابن السبيل مؤنة السفر دون ما يحتاج إليه سفرا وحضرا ، فإن هذا القدر هو المستحق عليه .

وأما في مسألة الزوجة ، فالوجهان يجريان في الزوج كغيره ، لأنه بالصرف إليها لا يدفع عن نفسه النفقة ، بل نفقتها عوض لازم ، غنية كانت أم فقيرة ، فصار كمن استأجر فقيرا ، فله دفع الزكاة إليه مع الأجرة .

فإن منعنا ، فلو كانت ناشزة ، ففي " التهذيب " . أنه يجوز إعطاؤها ، لأنه لا نفقة لها .

والصحيح الذي قطع به الشيخ أبو حامد والأكثرون : المنع ، لأنها قادرة على النفقة بترك النشوز ، فأشبهت القادر على الكسب . وللزوج أن يعطيها من سهم المكاتب والغارم قطعا ، ومن سهم المؤلفة على الأصح ، وبه قطع في " التتمة " . .

وقال الشيخ أبو حامد : لا تكون المرأة من المؤلفة ، وهو ضعيف ، ولا تكون المرأة عاملة ولا غازية . وأما سهم ابن السبيل ، فإن سافرت مع الزوج ، لم تعط منه ، سواء سافرت بإذنه أو بغير إذنه ، لأن نفقتها عليه في الحالين ، لأنها في قبضته ، ولا تعطى مؤنة السفر إن سافرت معه بغير إذنه ، لأنها عاصية .

قلت : قال أصحابنا : مؤنة سفرها معه إن كان بإذنه ، فهي عليه ، فلا تعطى ، [ ص: 311 ] وإن كان بغير إذنه ، فلا تعطى الحمولة على الأصح ، لأنها عاصية . وقال الشيخ أبو حامد : تعطى . والله أعلم .

وإن سافرت وحدها ، فإن كان بإذنه ، وأوجبنا نفقتها ، أعطيت مؤنة السفر فقط من سهم ابن السبيل ، وإن لم نوجبها ، أعطيت جميع كفايتها ، وإن خرجت بغير إذنه ، لم تعط منه ، لأنها عاصية . ويجوز أن تعطى هذه من سهم الفقراء والمساكين ، بخلاف الناشزة ، لأنها تقدر على العود إلى طاعته ، والمسافرة لا تقدر . فإن تركت سفرها وعزمت على العود إليه ، أعطيت من سهم ابن السبيل .

التالي السابق


الخدمات العلمية