صفحة جزء
باب الهدي

يستحب لمن قصد مكة بحج أو عمرة ، أن يهدي إليها شيئا من النعم ، ولا يجب ذلك إلا بالنذر . وإذا ساق هديا تطوعا أو منذورا ، فإن كان بدنة أو بقرة ، استحب أن يقلدها نعلين ، وليكن لهما قيمة ليتصدق بهما ، وأن يشعرها أيضا ، والإشعار الإعلام . والمراد هنا : أن يضرب صفحة سنامها الأيمن بحديدة وهي مستقبلة القبلة فيدميها ويلطخها بالدم ، ليعلم من رآها أنها هدي ، فلا يتعرض لها . وإن ساق غنما ، استحب تقليدها بخرب القرب ، وهي عراها وآذانها ، لا بالنعل ، ولا يشعرها .

[ ص: 190 ] قلت : وفي الأفضل مما يقدم من الإشعار والتقليد ، وجهان : أحدهما : يقدم الإشعار ، وقد صح فيه حديث في " صحيح مسلم " . والثاني : يقدم التقليد ، وهو المنصوص . وصح ذلك من فعل ابن عمر رضي الله عنهما . قال صاحب " البحر " : وإن قرن هديين في حبل ، أشعر أحدهما في سنامه الأيمن ، والآخر في الأيسر ، ليشاهدا ، وفيما قاله احتمال . والله أعلم .

وإذا قلد النعم وأشعرها ، لم تصر هديا واجبا على المشهور ، كما لو كتب الوقف على باب داره . وإذا عطب الهدي في الطريق ، فإن كان تطوعا ، فعل به ما شاء من بيع أو أكل وغيرهما . وإن كان واجبا ، لزمه ذبحه . فلو تركه حتى هلك ضمنه . وإذا ذبحه ، غمس النعل التي قلده في دمه ، وضرب بها سنامه ، وتركه ليعلم من مر به أنه هدي ، يأكل منه . وهل تتوقف الإباحة على قوله : [ ص: 191 ] أبحته لمن يأكل منه ؟ قولان . أظهرهما : لا تتوقف ؛ لأنه بالنذر زال ملكه وصار للمساكين . ولا يجوز للمهدي ، ولا لأغنياء الرفقة ، الأكل منه قطعا ، ولا لفقراء الرفقة على الصحيح .

قلت : الأصح الذي يقتضيه ظاهر الحديث وقول الأصحاب : أن المراد بالرفقة : جميع القافلة . وحكى الروياني في " البحر " وجها استحسنه : أنهم الذين يخالطونه في الأكل وغيره ، دون باقي القافلة . والله أعلم .

وفي وقت ذبح الهدي ، وجهان : الصحيح ، أنه يختص بيوم النحر وأيام التشريق ، كالأضحية . وبهذا قطع العراقيون وغيرهم . والثاني : لا يختص بزمن ، كدماء الجبران . فعلى الأول ، لو أخر الذبح حتى مضت مدة هذه الأيام ، فإن كان الهدي واجبا ، ذبحه قضاء ، وإن كان تطوعا ، فقد فات . فإن ذبحه ، قال الشافعي رحمه الله : كان شاة لحم .

قلت : وإذا عطب هدي التطوع ، فذبحه ، قال صاحب " " الشامل " وغيره : لا يصير مباحا للفقراء إلا بلفظه ، وهو أن يقول : أبحته للفقراء أو المساكين . قال : ويجوز لمن سمعه الأكل . وفي غيره ، قولان . قال في " الإملاء " : لا يحل حتى يعلم الإذن . وقال في " القديم " و " الأم " : يحل ، وهو الأظهر . والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية