صفحة جزء
ويجوز عقد الأمان للرسول والمستأمن ، ويقيمون مدة الهدنة بغير جزية ، وقال أبو الخطاب : لا يقيمون سنة إلا بجزية ومن دخل دار الإسلام بغير أمان ، فادعى أنه رسول ، أو تاجر ومعه متاع يبيعه قبل منه ، وإن كان جاسوسا ، خير الإمام فيه كالأسير ، وإن كان ممن ضل الطريق ، أو حملته الريح في مركب إلينا ، فهو لمن أخذه . وعنه : يكون فيئا للمسلمين وإذا أودع المستأمن ماله مسلما ، أو أقرضه إياه ، ثم عاد إلى دار الحرب ، بقي الأمان في ماله ويبعث إليه إن طلبه ، فإن مات ، فهو لوارثه ، فإن لم يكن له وارث ، فهو فيء وإن أسر الكفار مسلما ، فأطلقوه بشرط أن يقيم عندهم مدة ، لزمه الوفاء لهم ، وإن لم يشرطوا شيئا ، أو شرطوا كونه رقيقا ، فله أن يقتل ويسرق ويهرب ، وإن أطلقوه بشرط أن يبعث إليهم مالا وإن عجز عنه عاد إليهم ، لزمه الوفاء لهم إلا أن يكون امرأة فلا ترجع إليهم وقال الخرقي : لا يرجع الرجل أيضا .


( ويجوز عقد الأمان للرسول والمستأمن ) لأنه - عليه السلام - كان يؤمن رسل المشركين ، ولما جاءه رسل مسيلمة قال : لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم ولأن الحاجة داعية إلى ذلك ، إذ لو قتل ، لفاتت مصلحة المراسلة . وظاهره جواز عقد الأمان لكل منها مطلقا ، ومقيدا بمدة قصيرة ، وطويلة بخلاف الهدنة ، فإنها لا تجوز إلا مقيدة ؛ لأن في جوازها مطلقا تركا للجهاد . ( ويقيمون مدة الهدنة ) أي : الأمان ( بغير جزية ) ، نص عليه ، وقاله القاضي ، وجزم به في " الوجيز " ؛ لأنه كافر أبيح له الإقامة في دارنا من غير التزام جزية ، فلم يلزمه كالنساء ( وقال أبو الخطاب : لا يقيمون سنة إلا بجزية ) . واختاره الشيخ تقي الدين ، لقوله تعالى : حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون [ التوبة : 29 ] .

وأجيب بأن معناه ، أي : يلتزمونها ، ولم يرد حقيقة الإعطاء ، ولأنها تخصصت بما دون الحول اتفاقا ، فيقاس على المحل المخصوص .

[ ص: 394 ] ( ومن دخل دار الإسلام بغير أمان فادعى أنه رسول أو تاجر ومعه متاع يبيعه قبل منه ) لأن ما ادعاه ممكن ، فيكون شبهة في درء القتل ، ولأنه يتعذر إقامة البينة على ذلك ، وفيه دلالة على أنه لا يتعرض إليه ، وصرح به الأصحاب . أما الرسول فلما سبق ، وأما التاجر ، فلأنه إذا جاء بماله ، ولا سلاح معه ، دل على قصده الأمان ، ولم يشترط المؤلف هنا أن تكون العادة جارية به ، والمذهب اشترطه ؛ لأن العادة جارية مجرى الشرط . فإذا انتفت ، ودخل بغير أمان ، وجب بقاؤه على ما كان عليه من عدم العصمة . وظاهره أنه إذا لم يكن معه تجارة ، لا يقبل منه إذا قال : جئت مستأمنا ، لأنه غير صادق . ( وإن كان جاسوسا ) وهو صاحب سر الشر ، وعكسه الناموس ( خير الإمام فيه كالأسير ) وهو قول الأوزاعي ؛ لأنه كافر قصد نكاية المسلمين ، فخير الإمام فيه بعد القدرة عليه . ( وإن كان ممن ضل الطريق أو حملته الريح في مركب إلينا ، فهو لمن أخذه ) على المذهب ؛ لأنه مباح ظهر عليه بغير قتال في دار الإسلام ، فكان لآخذه كالصيد ، وكذا لو شرد إلينا دابة من دوابهم أو أبق رقيق . وظاهره أنه لآخذه غير مخموس ، وصرح به في " المحرر " ( وعنه : يكون فيئا للمسلمين ) لأنه مال مشرك ظهر عليه بغير قتال ، أشبه ما لو تركوه فزعا ، وعنه : إن دخل قرية وأخذوه ، فهو لأهلها ؛ لأنه إنما تمكن بأخذه بقوتهم .

تنبيه : يحرم دخوله إلينا بلا إذن ، وعنه : يجوز رسولا وتاجرا ، اختاره أبو بكر ، وفي " الترغيب " دخوله لسفارة ، أو لسماع قرآن ، أمن بلا عقد ، لا لتجارة على الأصح فيها بلا عادة ، فإذا دخل إلينا بأمان ، فجار ، انتقض أمانه ؛ لأن [ ص: 395 ] ذلك غدر ، ولا يصلح في ديننا ، ولو دخل دار الحرب رسول أو تاجر بأمانهم عليه ، وإن لم يذكر ؛ لأن المعنى يدل .

( وإذا أودع المستأمن ماله مسلما ، أو أقرضه إياه ، ثم عاد إلى دار الحرب ) مقيما أو نقض ذمي عهده ، ولحق بدار الحرب ، أو لم يلحق ( بقي الأمان في ماله ) هذا هو المشهور ؛ لأنه لما دخل دار الإسلام بأمان ، ثبت لماله ، فإذا بطل في نفسه بدخوله إليها ، بقي في ماله الذي لم يدخل الاختصاص المبطل بنفسه .

لا يقال : إذا بطل في المتبوع ، فالتابع كذلك ؛ لأنه لم يثبت فيه تبعا ، وإنما ثبت فيهما جميعا ، فإذا بطل في إحداهما : بقي الآخر ، ولو سلم فيجوز بقاء حكم التبع ، وإن زال في المتبوع ؛ لأن أم الولد ثبت لولدها حكم الاستيلاء تبعا لها ، ويبقى حكمه له بعد موتها ، وقيل : ينتقض فيه ، ويصير فيئا ، قدمه في " المحرر " ؛ لأنه مال حربي قدر عليه بغير حرب ، فيكون فيئا ، كمال من لا وارث له منهم . وظاهر كلام أحمد أنه ينتقض في مال الذمي دون الحربي ، وصححه في " المحرر " ؛ لأن الأمان ثبت في مال الحربي بدخوله معه ، فالأمان ثابت فيه على وجه الأصالة كما لو بعثه مع وكيل أو مضارب ، بخلاف مال الذمي فإنه يثبت له تبعا ؛ لأنه مكتسب بعد عقد ذمة . وقولنا : " مقيما " يخرج به ما لو خرج إليها لتجارة أو رسالة ، فإن أمانه باق ؛ لأنه لم يخرج به عن نية الإقامة بدار الإسلام . ( و ) على الأول ( يبعث إليه إن طلبه ) لأنه ملكه ، فلو تصرف فيه ، صح ( فإن مات ) بدار الحرب ( فهو لوارثه ) لأن الأمان لم يبطل فيه ، وينتقل إليه على صفته من تأجيل ورهن ، فكذا هنا ( فإن لم يكن له وارث ، فهو فيء ) [ ص: 396 ] ؛ لأنه مال كافر لا مستحق له ، فصار فيئا ، كما لو مات في دارنا ، وذكر القاضي أنه إذا كان له وارث في دار الإسلام ، لم يرثه ، لاختلاف الدارين ، فلو لم يمت حتى أسر واسترق ، فقيل : يصير فيئا ، اختاره المجد ، والأشهر أنه يوقف فإن عتق ، أخذه ؛ لأنه مال لمالك لم يوجد فيه سبب الانتقال ، فيتوقف حتى يتحقق السبب ، وإن مات قنا ، ففيء ؛ لأن الرقيق لا يورث ، وقيل : لوارثه ؛ لأن بموته على الرق تبينا بطلان ملكه من حين استرقاقه ، فيكون لورثته .

( وإن أسر الكفار مسلما فأطلقوه بشرط أن يقيم عندهم مدة ) أو أبدا قاله في " المحرر " و " الفروع " ( لزمه الوفاء لهم ) ، نص عليه ، لقوله تعالى : وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم [ النحل : 91 ] ولقوله - عليه السلام - المسلمون على شروطهم فعليه : ليس له أن يهرب ، وقيل : بلى ( وإن ) أطلقوه و ( لم يشرطوا شيئا أو شرطوا كونه رقيقا ) ولم يأمنوه ( له أن يقتل ويسرق ويهرب ) نص عليه ؛ لأنه لم يصدر منه ما يثبت به الأمان ؛ لأن الإطلاق من الوثاق لا يكون أمانا ، ومع الرق ينتفي الأمان ، لكن قال أحمد : إذا أطلقوه فقد أمنوه ، فلو أحلفوه مكرها ، لم ينعقد . وفي " الشرح " احتمال : لا يلزمه الإقامة فإن أطلقوه ، وأمنوه فله الهرب لا الخيانة ، ويرد ما أخذ منهم لأنهم صاروا بأمانه في أمان منه ، فإذا خالف فهو غادر ( وإن أطلقوه بشرط أن يبعث إليهم مالا ) باختياره ، لزمه إنفاذ المال إليهم إذا قدر عليه ؛ لأنه عاهدهم على أداء مال ، فلزمه الوفاء به كثمن البيع . ( وإن عجز عنه ، عاد إليهم ، لزمه الوفاء لهم ) نص عليهما ، ولأن في الوفاء مصلحة للأسارى ، وفي الغدر مفسدة في حقهم ، لكونهم لا يأمنون بعده ، والحاجة داعية إليه ( إلا أن يكون [ ص: 397 ] امرأة فلا يرجع إليهم ) لقوله تعالى : فلا ترجعوهن إلى الكفار [ الممتحنة : 10 ] ولأن في رجوعها تسليطا لهم على وطئها حراما ( وقال الخرقي : لا يرجع الرجل أيضا ) وهو رواية عن أحمد ، وقاله الحسن والنخعي والثوري ؛ لأن الرجوع إليهم ، والبقاء في أيديهم معصية ، فلم يلزم بالشرط كالمرأة ، وكما لو شرط قتل مسلم ، والأول المذهب ؛ لأنه - عليه السلام - لما عاهد قريشا على رد من جاء مسلما ، فرد أبا جندل إلى أبيه سهيل ، ولم يأت أحد من الرجال في تلك المدة إلا رده . فإن تعارض فداء عالم ، وجاهل بدئ بالجاهل ، للخوف عليه ، وقيل : بالعالم لشرفه ، وحاجتنا إليه ، وكثرة الضرر بفتنته . ولو جاء العلج بأسير على أن يفادي بنفسه ، فلم يجد قال أحمد : يفديه المسلمون إن لم يفد من بيت المال ، ولا يرد .

مسألة : إذا اشتراه مسلم بإذنه ، لزمه ما اشتراه به ؛ لأنه كنائبه في شراء نفسه ، وكذا إن كان بغير إذنه ، والمراد : ما لم ينو التبرع ، فلو اختلفا في قدر الثمن ، قدم قول الأسير بالأصل ، ويجب فداء أسارى المسلمين مع الإمكان لقوله : وفكوا العاني ، وكذا شراء أسرى أهل الذمة ، وقاله الخرقي ، لأنا قد التزمنا حفظهم بأخذ جزيتهم ، فلزمنا الدفع من ورائهم ، وقال القاضي : لا يجب إلا إذا استعان بهم الإمام في قتالهم ، فيبدأ بفداء أسارى المسلمين قبلهم لحرمتهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية