صفحة جزء
ولا يصح إلا من جائز التصرف ، ولا يصح من صبي ، ولا يصح من مجنون ، ولا سفيه ولا من عبد بغير إذن سيده ، ويحتمل أن يصح ويتبع به بعد العتق ، وإن ضمن بإذن سيده ، صح وهل يتعلق برقبته ، أو ذمة سيده ؛ على روايتين ولا يصح إلا برضى الضامن ، ولا يعتبر رضى المضمون له ، ولا المضمون عنه ، ولا معرفة الضامن لهما ، ولا كون الحق معلوما ، ولا واجبا إذا كان مآله إلى الوجوب ولو قال : ضمنت لك ما على فلان ، أو ما تداينه به ، صح .


( ولا يصح إلا من جائز التصرف ) أي : ممن يصح تصرفه في ماله ؛ لأنه إيجاب مال بعقد ، فلم يصح من غير جائز التصرف كالبيع رجلا كان ، أو امرأة ، فإن كان مريضا مخوفا فمن ثلثه ، وإلا فهو كالصحيح ، والأخرس إن فهمت إشارته ، صح ضمانه ( ولا يصح من صبي ) غير مميز بلا خلاف ، وكذا المميز ، وعنه : يصح ، قال في " الشرح " : وخرج أصحابنا صحته على الروايتين في صحة إقراره وتصرفه بإذن وليه ( ولا يصح من مجنون ، ولا سفيه ) لعدم صحة تصرفهما ، وقيل : يصح من سفيه ويتبع به بعد فك حجره ؛ لأن إقراره صحيح [ ص: 251 ] ويتبع به بعد فك حجره كذا ، وظاهره أن المحجور عليه لفلس يصح ضمانه ، وصرح به المؤلف في الحجر ؛ لأنه من أهل التصرف ويتبع به بعده من ماله ، وعنه : لا يصح ، ذكرها في " التبصرة " قال في " الفروع " : فيتوجه عليها عدم تصرفه في ذمته .

فرع : لو قال : ضمنت وأنا صبي ، وأنكره المضمون له قدم قوله ، وذكره القاضي قياس قول أحمد ، لأن معه سلامة العقد ، أشبه ما لو اختلفا في شرط فاسد ، وقيل : يقدم قول الضامن ؛ لأن الأصل عدم البلوغ وعدم وجوب الحق ، والحكم فيمن عرف له حال جنون كذلك ، وإن لم يعرف له حال جنون فالقول قول المضمون له ؛ لأن الأصل عدمه ( ولا من عبد بغير إذن سيده ) ؛ لأنه إيجاب مال ، فلم يصح بغير إذن السيد كالنكاح ، وسواء كان مأذونا له في التجارة ، أو لا ، صرح به في " الشرح " ، وظاهره ولو مكاتبا ؛ لأنه تبرع بالتزام مال ، أشبه نذر الصدقة بمال معين ( ويحتمل أن يصح ويتبع به بعد العتق ) هذا رواية عن أحمد ، لأنه لا ضرر على السيد فيه ، فصح منه ، ولزمه بعد العتق كالإقرار بالإتلاف ( وإن ضمن بإذن سيده ، صح ) ؛ لأنه لو أذن له في التصرف لصح ، فكذا هنا ، لكن في المكاتب وجه بالمنع ؛ لأنه ربما أدى إلى تفويت الحرية ( وهل يتعلق برقبته ، أو ذمة سيده ؛ على روايتين ) كذا ، ذكره أبو الخطاب كاستدانته بإذنه ، قال القاضي : قياس المذهب تعلق المال برقبته ؛ لأنه دين لزمه بفعله فتعلق برقبته كأرش جنايته ، وقال ابن عقيل : ظاهر المذهب أنه يتعلق بذمة السيد ، فإن أذن له سيده في الضمان ، ليكون القضاء من المال الذي [ ص: 252 ] في يده ، صح ، ويكون ما في ذمته متعلقا بالمال الذي في يد العبد كتعلق حق الجناية برقبة الجاني ، كما لو قال لحر : ضمنت لك هذا الدين على أن تأخذ من مالي هذا ، صح .

( ولا يصح إلا برضى الضامن ) ؛ لأنه التزام حق فاعتبر رضاه كسائر العقود التي يلزم العاقد منها حق ، وظاهره أنه لا يصح ضمان المكره ، صرح به في " المغني " ، و " الشرح " ؛ لأنه التزام مال ، فلم يصح بغير رضى الملتزم كالنذر ( ولا يعتبر رضى المضمون له ) ؛ لأن أبا قتادة ضمن من غير رضى المضمون له وأقره الشارع عليه السلام ، ولأنه وثيقة لا يعتبر فيها قبض كالشهادة ، ولأنه ضمان دين ، أشبه ضمان بعض الورثة دين الميت ( ولا المضمون عنه ) بغير خلاف نعلمه ، لحديث أبي قتادة ، ولأنه لو قضى الدين عنه بغير إذنه ورضاه ، صح ، فكذا إذا ضمن عنه ( ولا معرفة الضامن لهما ) ؛ لأنه لا يعتبر رضاهما ، فكذا معرفتهما ، وقال القاضي : تعتبر معرفتهما ليعلم هل المضمون عنه أهل لاصطناع المعروف إليه أم لا ؛ ولأنه تبرع ، فلا بد من معرفة من يتبرع عنه ، والمضمون له فيؤدي إليه ، وذكر وجها آخر أنه يعتبر معرفة المضمون له فقط ، وجوابه الخبر ( ولا ) يعتبر ( كون الحق معلوما ) لقوله تعالى : ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم [ يوسف : 72 ] وهو غير معلوم ؛ لأنه يختلف مع أنه التزام حق في الذمة معاوضة ، فصح في المجهول كالإقرار ، ولأنه يصح تعليقه بغرر وخطر ، وهو ضمان العهدة وإذا قال : ألق متاعك في البحر ، وعلي ضمانه ، فيصح في المجهول كالعتاق ، والطلاق ، وفي ضمان بعض الدين وجهان أصحهما لا يصح ( ولا واجبا إذا كان مآله إلى الوجوب ) [ ص: 253 ] بل يصح ضمان ما لم يجب ، إذ الآية الكريمة دلت على ضمان حمل بعير مع أنه لم يكن وجب . لا يقال الضمان ضم ذمة إلى ذمة ، فإذا لم يكن على المضمون عنه شيء ، فلا ضم ؛ لأنه قد ضم ذمته إلى ذمة المضمون عنه في أنه يلزمه ما يلزمه ويثبت في ذمته ما يثبت فيها ، وهذا كاف وله إبطاله قبل وجوبه في الأصح ، وظاهره أنه إذا لم يكن واجبا ، ولا مآله إلى الوجوب لا يوجد فيه ضم ذمة إلى ذمة مطلقا ( ولو قال : ضمنت لك ما على فلان ) مثال المجهول . ومثله ما نقله في " المغني " ، و " الشرح " أنا ضامن لك ما تقوم به البينة ، أو ما يقر به لك ، أو ما يقضي به عليه ( أو ما تداينه به ، صح ) أي : ما تعطيه في المستقبل ، وإن قال : أنا وركبان السفينة ضامنون وأطلق ، ضمن وحده بالحصة ، وفي " الترغيب " وجهان بها ، أو الجميع ، وإن رضوا لزمهم ، ويتوجه الوجهان ، وإن قالوا ضمناه لك فبالحصة ، وإن قال : كل واحد منا ضامنه لك فالجميع .

تنبيه : يصح ضمان السوق ، وهو أن يضمن ما يلزم التاجر من دين ، وما يقبضه من عين مضمونة وتجوز كتابته ، والشهادة به لمن يرى جوازه ؛ لأنه محل اجتهاد . قاله الشيخ تقي الدين قال : ويصح ضمان حارس ونحوه وتجار حرب ما يذهب من البر ، أو البحر ، وهو شبيه بضمان ما لم يجب .

التالي السابق


الخدمات العلمية