صفحة جزء
فصل الضرب الثاني : المحجور عليه لحظه ، وهو الصبي ، والمجنون ، والسفيه ، فلا يصح تصرفهم قبل الإذن ، ومن دفع إليهم ماله ببيع ، أو قرض رجع فيه ما كان باقيا ، وإن تلف فهو من ضمان مالكه علم بالحجر ، أو لم يعلم ، وإن جنوا فعليهم أرش جنايتهم ومتى عقل المجنون وبلغ الصبي ورشدا انفك الحجر عنهما بغير حكم حاكم ، نص عليه ودفع إليهما مالهما ، ولا ينفك قبل ذلك بحال والبلوغ يحصل بالاحتلام ، أو بلوغ خمس عشرة سنة ، أو نبات الشعر الخشن حول القبل وتزيد الجارية بالحيض والحمل ، والرشد : الصلاح في المال ولا يدفع إليه ماله حتى يختبر ، فإن كان من أولاد التجار فبأن يتكرر منه البيع والشراء فلا يغبن ، وإن كان من أولاد الرؤساء والكتاب فبأن يستوفي على وكيله فيما وكله فيه ، والجارية بشرائها القطن واستجادته ودفعها الأجرة إلى الغزالات ، والاستيفاء عليهن ، وأن يحفظ ما في يده عن صرفه فيما لا فائدة فيه كالغناء ، والقمار وشراء المحرمات ونحوه وعنه : لا يدفع إلى الجارية مالها بعد رشدها حتى تتزوج وتلد ، أو تقيم في بيت الزوج سنة ووقت الاختبار قبل البلوغ وعنه : بعده .


فصل

( الضرب الثاني : المحجور عليه لحظه ) ، إذ المصلحة تعود عليه بخلاف المفلس ( وهو الصبي ، والمجنون ، والسفيه ) ، إذ الحجر على هؤلاء حجر عام ، لأنهم يمنعون التصرف في أموالهم وذممهم ( فلا يصح تصرفهم قبل الإذن ) ، لأن تصحيح تصرفهم يفضي إلى ضياع مالهم ، وفيه ضرر عليهم ( ومن دفع إليهم ) ، أو إلى أحدهم ( ماله ببيع ، أو قرض رجع فيه ما كان باقيا ) ، لأنه عين ماله ( وإن تلف ) ، أو أتلفه ( فهو من ضمان مالكه ) ، لأنه سلطه عليه برضاه ، وقيل : يضمن مجنون ( علم بالحجر ) ، لأنه فرط ( أو لم يعلم ) لتفريطه لكونه في مظنة الشهرة ، وقيل : يضمن سفيه جهل حجره هذا إذا كان صاحبه سلطه عليه ، فأما إن حصل في يده باختيار مالكه من غير تسليط كالوديعة ، والعارية فوجهان فيه . ومن أعطوه مالا ضمنه حتى يأخذه وليه ، وإن أخذه ليحفظه لم يضمنه في الأصح ، وكذا إن أخذ مغصوبا ليحفظه لربه ( وإن جنوا فعليهم أرش جنايتهم ) ، لأنه لا تفريط من المالك ، والإتلاف يستوي فيه الأهل وغيره ، وكذا حكم المغصوب لحصوله في يده بغير اختيار المالك ( ومتى عقل المجنون وبلغ الصبي ورشدا انفك الحجر عنهما ) فأما المجنون [ ص: 331 ] فبالاتفاق ، لأن الحجر عليه لجنونه ، فإذا زال وجب زوال الحجر لزوال علته ، وأما الصبي فلقوله تعالى : فإن آنستم منهم رشدا [ النساء : 6 ] الآية ( بغير حكم حاكم ، نص عليه ) ، وفي " المغني " ، و " الشرح " بغير خلاف في المجنون ، وفيه وجه أنه يفتقر إليه كالسفيه ، لأنه موضع اجتهاد فاحتيج في معرفة ذلك إليه ، وأما الصبي فلأن اشتراط ذلك زيادة على النص ، ولأنه محجور عليه بغير حكم حاكم فيزول بغير حكمه كالحجر على المجنون ، وفيه وجه . وسواء رشده الولي أو لا قال الشيخ تقي الدين : فلو نوزع في الرشد فشهد شاهدان قبل ، لأنه قد يعلم بالاستفاضة ومع عدمها له اليمين على وليه أنه لا يعلم رشده ، ولو تبرع وهو تحت الحجر فقامت بينة برشده نفذ ( ودفع إليهما مالهما ) ، لأن المانع من الدفع هو الحجر ، وقد زال ، وحكاه ابن المنذر اتفاقا ، لأن منعه من التصرف إنما كان لعجزه عنه وحفظا لماله ، فإذا صار أهلا للتصرف زال الحجر لزوال سببه ( ولا ينفك قبل ذلك بحال ) ، ولو صار شيخا ، وروى الجوزجاني في المترجم قال : كان القاسم بن محمد يلي أمر شيخ من قريش ذي أهل ومال لضعف ، ولأن المجنون الحجر عليه لجنونه ، فوجب استمراره عليه ، والصبي علق الله تعالى الدفع إليه بشرطين ، والحكم المعلق بهما منتف بانتفاء أحدهما ، قال ابن المنذر : وأكثر علماء الأمصار من أهل الحجاز ، والشام ، والعراق - الحجر على كل مضيع لماله صغيرا كان أو كبيرا .

فرع : إذا كان لرجل مال ، وهو يقتر على نفسه ويضيق على عياله ويمنعهم من تناول الأشياء التي يتناولها أدنى الناس فيحجر الحاكم عليه بمعنى أنه ينصب له وليا ينفق عليه ، وعلى عياله بالمعروف ، وفيه احتمال ، وهو المذهب .

[ ص: 332 ] ( والبلوغ يحصل بالاحتلام ) ، وهو خروج المني من القبل بغير خلاف لقوله تعالى : وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا [ النور : 59 ] ولقوله عليه السلام : وعن الصبي حتى يحتلم . قال ابن المنذر : أجمعوا على أن الفرائض ، والأحكام تجب على المحتلم العاقل ( أو بلوغ خمس عشرة سنة ) أي : استكمالها لما روى ابن عمر قال : عرضت على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد ، وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني وعرضت عليه يوم الخندق ، وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني . متفق عليه ولمسلم فاستصغرني وردني مع الغلمان ، فإن قلت : بين أحد ، والخندق سنتان ، وجوابه أن عرضه يوم أحد كان في أول سنة أربع عشرة ويوم الخندق عند استكمال خمس عشرة سنة لا يقال : إجازته يوم الخندق لقوته لا لبلوغه ، لأنه صرح به في الخبر السابق مع أن رواية البيهقي بإسناد حسن ، " ولم يرني بلغت " رافعة للسؤال ، يؤيده ما روى الشافعي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله أن لا يفرضوا إلا لمن بلغ خمس عشرة سنة ( أو نبات الشعر الخشن حول القبل ) ، لأنه عليه السلام لما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة فحكم بقتلهم وسبي ذراريهم وأمر أن يكشف عن مؤتزريهم ، فمن أنبت فهو من المقاتلة ، ومن لم ينبت فهو من الذرية فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : لقد حكم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة . متفق عليه ، وقضية عطية القرظي شاهدة بذلك [ ص: 333 ] رواه الخمسة ، والحاكم ، وقال : على شرطهما ، ولأن الإنبات يلازمه البلوغ غالبا ويستوي فيه الذكر ، والأنثى كالاحتلام ، والخنثى يعتبر فيه الإنبات حول الفرجين وتقييده الشعر بالخشن ليخرج الزغب الضعيف ، فإنه ينبت للصغير ( وتزيد الجارية ) على الذكر ( بالحيض ) بغير خلاف نعلمه لقوله عليه السلام : لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار . رواه الترمذي وحسنه ، وعنه : لا يحكم ببلوغها بغيره نقلها جماعة ، قال أبو بكر : هي قول أول ( والحمل ) ، لأنه دليل إنزالها ، ولأن الله تعالى أجرى العادة بخلق الولد من ماءيهما لقوله تعالى : فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب [ الطارق : 5 - 7 ] ، فعلى هذا يحكم ببلوغها في الوقت الذي حملت فيه . قاله في " الشرح " ، والمذهب أنه يحكم ببلوغها إذا ولدت منذ ستة أشهر ، لأنه اليقين ، وفي " التلخيص " ، فإن كانت ممن لا يوطأ كأن طلقها زوجها وأتت بولد لأكثر مدة الحمل من حين طلاقها فيحكم ببلوغها قبل المفارقة .

تنبيه : إذا حاض خنثى مشكل من فرجه ، وأنزل من ذكره ، وقيل : أو وجد أحدهما أو وجدا من مخرج واحد ، فقد بلغ ، فإن أمنى وحاض من مخرج واحد ، فلا ذكر ولا أنثى ، وفي البلوغ وجهان ، وقيل : لا يحكم بأن الخنثى ذكر بإنزاله من فرجه ، ولا بأنه أنثى بحيضه ، ولا ببلوغه بهما معا ، ولا بأحدهما ، والصحيح أن الإنزال علامة البلوغ مطلقا .

( والرشد : الصلاح في المال ) في قول أكثر العلماء لقوله تعالى : فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم [ النساء : 6 ] قال ابن عباس : يعني [ ص: 334 ] صلاحا في أموالهم ، وقال مجاهد : إذا كان عاقلا ، ولأن العدالة لا تعتبر في الرشد في الدوام ، فلا تعتبر في الابتداء كالزهد في الدنيا ، وهو مصلح لماله ، أشبه العدل ، فعلى هذا يدفع إليه ماله ، وإن كان مفسدا لدينه كمن يترك الصلاة ويمنع الزكاة ونحو ذلك ، اختاره ابن عقيل ، وقال : هو الأليق بمذهبنا ، قال في " التلخيص " : نص عليه ، لأن الفاسق غير رشيد واستدل ابن عقيل بالآية الكريمة ، فإنها نكرة في سياق الامتنان ، فتعم ( ولا يدفع إليه ماله حتى يختبر ) لقوله تعالى : وابتلوا اليتامى [ النساء : 6 ] أي : اختبروهم فعلق الدفع على الاختبار والبلوغ وإيناس الرشد ، فوجب اختباره بتفويض التصرف إليه ، وهو يختلف ( فإن كان من أولاد التجار فبأن يتكرر منه البيع والشراء ، فلا يغبن ) غالبا غبنا فاحشا ( وإن كان من أولاد الرؤساء والكتاب ) ، وهو المراد من قوله : في " المغني " ، و " الشرح " ، وإن كان من أولاد الدهاقين والكبراء الذين يصان أمثالهم عن الأسواق ( فبأن يستوفي على وكيله فيما وكله فيه ) ، وزاد أبان : يدفع إليه نفقة مدة لينفقها في مصالحه ، فإن صرفها في مواقعها ومصارفها فهو رشيد ( والجارية بشرائها القطن واستجادته ) ، وكذا الكتان ، والإبريسم ( ودفعها الأجرة إلى الغزالات ، والاستيفاء عليهن ) ، فإذا وجدت ضابطة لما في يدها مستوفية من وكيلها دل على رشدها ( و ) يشترط مع ما ذكرنا ( أن يحفظ ما في يده عن صرفه فيما لا فائدة فيه كالغناء ، والقمار وشراء المحرمات ونحوه ) كالخمر ، وآلات اللهو ، لأن من صرف ماله في ذلك عد سفيها مبذرا عرفا ، فكذا شرعا ، ولأن الشخص قد يحكم بسفهه بصرف ماله في المباح فلأن يحكم بسفهه في صرف ماله في المحرم بطريق [ ص: 335 ] الأولى . قاله ابن المنجا ، وفيه نظر ، فإن ابن عقيل وجماعة ذكروا أن ظاهر كلام أحمد أن التبذير والإسراف ما أخرجه في الحرام لقوله : لو أن الدنيا لقمة فوضعها الرجل في في أخيه لم يكن إسرافا ، لكن قال الشيخ تقي الدين : إذا أصرفه في مباح قدرا زائدا على المصلحة ، وقال ابن الجوزي : في التبذير قولان أحدهما : إنفاق المال في غير حق . الثاني : الإسراف المتلف للمال لقوله تعالى : إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين [ الإسراء : 27 ] ، وظاهره أنه إذا أصرفه فيما فيه فائدة ، أو ليس بحرام لا يكون قادحا فيه ، وفي " النهاية " يقدح إذا تصدق بحيث يضر بعياله ، أو كان وحده ، ولم يثق بإمانة ( وعنه ) : نقلها أبو طالب عنه ( لا يدفع إلى الجارية مالها بعد رشدها حتى تتزوج وتلد ، أو تقيم في بيت الزوج سنة ) ، اختارها أبو بكر ، والقاضي ، والشيرازي ، وابن عقيل لما روى شريح قال : عهد إلي عمر بن الخطاب أن لا أجيز لجارية عطية حتى تحول في بيت زوجها حولا ، أو تلد . رواه سعيد في سننه ، ولم نعرف له مخالفا ، والأول أشهر وأصح ، وهو أنها إذا بلغت ورشدت دفع إليها مالها وكالرجل وكالتي دخل بها ، وحديث عمر لم يعلم انتشاره في الصحابة ، فلا يترك به عموم الكتاب مع أنه خاص في منع العطية ، فلم يمنع من تسليم مالها ، فعلى هذه الرواية إذا لم تتزوج دفع إليها إذا عنست أي : كبرت وبرزت للرجال ، وقيل : يدوم عليها ( ووقت الاختبار قبل البلوغ ) على الأصح لقوله تعالى : وابتلوا اليتامى [ النساء : 6 ] الآية فظاهرها أن ابتلاءهم قبل البلوغ ، لأنه سماهم يتامى ، وإنما يكون ذلك قبل البلوغ ومد اختبارهم إلى البلوغ بلفظ حتى ، فدل على أنه قبله ، ولأن تأخيره إلى البلوغ يقتضي الحجر على البالغ الرشيد لكونه ممتدا حتى يختبر ويعلم رشده ، واختباره يمنع ذلك ، وقيل : يمنعه في [ ص: 336 ] الجارية لنقص خبرتها بالخفر ، وبالجملة هو مخصوص بالمراهق الذي يعرف المعاملة ، والمصلحة ( وعنه : بعده ) فيهما أومأ إليه أحمد ، لأن تصرفه قبل ذلك تصرف ممن لم يوجد فيه مظنة العقل وبيع الاختبار وشراؤه صحيح .

التالي السابق


الخدمات العلمية