صفحة جزء
[ ص: 62 ] باب الإجارة وهي عقد على المنافع تنعقد بلفظ الإجارة والكراء وما في معناهما ، وفي لفظ البيع وجهان


باب الإجارة

هي مشتقة من الأجر وهو العوض ، ومنه سمي الثواب أجرا ; لأن الله تعالى يعوض العبد به على طاعته أو صبره على معصيته ، وهي ثابتة بالإجماع ، ولا عبرة بمخالفة عبد الرحمن الأصم ، وسنده قوله تعالى فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن [ الطلاق 6 ] و قالت إحداهما يا أبت استأجره [ القصص 26 ] الآية ، و قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا [ الكهف 77 ] وعن عائشة في حديث الهجرة قالت : واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا ، والخريت الماهر بالهداية ، رواه البخاري ، وعن عتبة بن الندر قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقرأ طسم حتى بلغ قصة موسى عليه السلام ، فقال : 32 إن موسى آجر نفسه ثمان سنين ، أو عشر سنين على عفة فرجه ، وطعام بطنه 32 رواه ابن ماجه من رواية مسلمة بن علي ، وقد ضعفه جماعة ، والحاجة داعية إليها إذ كل أحد لا يقدر على عقار يسكنه ، ولا على حيوان يركبه ، ولا على صنعة يعملها ، وهم لا يبذلون ذلك مجانا ، فجوزت طلبا لتحصيل الرزق ، وحدها في " الوجيز " بأنها عوض معلوم في منفعة معلومة من عين معينة ، أو موصوفة في الذمة ، أو في عمل معلوم ، ويرد عليه دخول الممر ، وعلو بيت ونحوه ، والمنافع المحرمة ، وما فتح عنوة ولم يقسم فيما فعله عمر رضي الله عنه .

( وهي عقد على المنافع ) في قول أكثر العلماء ، وذكر بعض أن المعقود عليه العين ; لأنها الموجودة ، والعقد يضاف إليها ، فتقول : أجرتك داري ، ورد [ ص: 63 ] بأن المعقود عليه هو المستوفى بالعقد ، ذلك هو المنافع دون الأعيان ، إذ الأجر في مقابلة المنفعة بدليل أنه يضمن دون العين ، وإضافة العقد إلى العين ; لأنها محل المنفعة كما يضاف عقد المساقاة إلى البستان ، والمعقود عليه الثمرة فتؤخذ المنافع شيئا فشيئا ، وانتفاعه تابع له ، وقد قيل : هي خلاف القياس ، والأصح لا ; لأن من لا يخصص العلة لا يتصور عنده مخالفة قياس صحيح ، ومن خصصها فإنما يكون الشيء خلاف القياس إذا كان المعنى المقتضي للحكم موجودا فيه ، وتخلف الحكم عنه ، وفي " البلغة " لها خمسة أركان : الصيغة ، والأجرة ، والمتعاقدان ، والمنفعة .

( تنعقد بلفظ الإجارة والكراء ) لأنهما موضوعان لها ( وما في معناهما ) لحصول المقصود به إن أضافه إلى العين ، فإن أضافه إلى المنفعة بأن قال : أجرتك منفعة داري شهرا صح في الأصح ( وفي لفظ البيع وجهان ) كذا في " الفروع " أحدهما تنعقد به ; لأنها بيع فانعقدت بلفظه كالصرف ، والثاني : لا ; لأن فيها معنى خاصا فافتقرت إلى لفظ يدل على ذلك المعنى ، ولأنها تضاف إلى العين التي يضاف إليها البيع إضافة واحدة ، فافتقرت إلى لفظ يفرق بينهما كالعقود المتباينة ، وبناه الشيخ تقي الدين على أن هذه المعاوضة نوع من البيع ، أو شبيه به ، وفي " التلخيص " مضافا إلى النفع كبعتك نفع هذه الدار شهرا ، وإلا لم يصح نحو : بعتكها شهرا ، ولا تنعقد إلا من جائز التصرف كالبيع .

التالي السابق


الخدمات العلمية