صفحة جزء
الخامس : الخروج عن شبهة القمار بأن لا يخرج جميعهم ، فإن كان الجعل من الإمام أو من أحد غيرهما ، أو من أحدهما على أن من سبق أخذه جاز ، وإن جاءا معا فلا شيء لهما ، وإن سبق المخرج أحرز سبقه ولم يأخذ من الآخر شيئا ، وإن سبق الآخر أحرز سبق صاحبه ، فإن أخرجا معا لم يجز إلا أن يدخلا بينهما محللا يكافئ فرسه فرسيهما ، أو بعيره بعيريهما ، أو رميه رمييهما ، فإن سبق أحرز سبقيهما ، وإن سبقاه أحرزا سبقيهما ولم يأخذا منه شيئا ، وإن سبق أحدهما أحرز السبقين ، وإن سبق معه المحلل فسبق الآخر بينهما ، وإن قال المخرج : من سبق فله عشرة ، ومن صلى فله كذلك لم يصح ، وإن قال : من صلى فله خمسة صح ، وإن شرطا أن السابق يطعم السبق أصحابه أو غيرهم لم يصح الشرط ، وفي صحة المسابقة وجهان .


( الخامس : الخروج عن شبهة القمار ) لأن القمار محرم ، فشبهه مثله ( بأن لا يخرج جميعهم ) لأنه إذا أخرج كل واحد منهم فهو قمار ; لأنه لا يخلو إما أن يغنم [ ص: 125 ] أو يغرم . ومن لم يخرج بقي سالما من الغرم ( فإن كان الجعل من الإمام ) صح سواء كان من ماله ، أو من بيت المال ; لأن فيه مصلحة ، وحثا على تعليم الجهاد ، ونفعا للمسلمين ، ونص على أنه مختص به لتوليه الولايات ( أو من أحد غيرهما ، أو من أحدهما على أن من سبق أخذه جاز ) لأنه إذا جاز من غيرهما ، فلأن يجوز من أحدهما بطريق الأولى ، ويشترط في غير الإمام بذل العوض من ماله ، فيقول : إن سبقتني ، فلك عشرة ، وإن سبقتك فلا شيء عليك ( وإن جاءا معا فلا شيء لهما ) لأنه لا سابق فيهما ( وإن سبق المخرج أحرز سبقه ) أي سبق نفسه ( ولم يأخذ من الآخر شيئا ) لأنه لو أخذ منه شيئا كان قمارا ( وإن سبق الآخر أحرز سبق صاحبه ) أي سبق المخرج ; لأنه سبقه ، فملك المال الذي جعله عوضا في الجعالة كالعوض المجعول في رد الضالة ، فإن كان العوض في الذمة فهو دين يقضى به عليه ، ويجبر على تسليمه إن كان موسرا ، وإن أفلس ضرب به مع الغرماء .

تنبيه : السبق بفتح الباء الجعل الذي يسابق عليه ، يقال : سبق إذا أخذ وأعطى فهو من الأضداد .

( فإن أخرجا معا ) أي العوض ( لم يجز ) وكان قمارا ( إلا أن يدخلا بينهما محللا ) فإنه يجوز أن يخرجا سواء أخرجاه متساويا ، أو متفاضلا ، ولم يجز أن يخرج المحلل شيئا ، وهو قول سعيد بن المسيب ، والزهري ، والأوزاعي لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس قمارا ، ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن [ ص: 126 ] أن يسبق فهو قمار رواه أبو داود ، فجعله قمارا إذا أمن السبق ; لأنه لا يخلو كل واحد منهما أن يغنم أو يغرم ، وإذا لم يأمن أن يسبق لم يكن قمارا ; لأن كل واحد منهما يجوز أن يخلو عن ذلك ويشترط في المحلل أن ( يكافئ فرسه فرسيهما ، أو بعيره بعيريهما ، أو رميه رمييهما ) للخبر السابق ( فإن سبق أحرز سبقيهما ) اتفاقا ; لأنه جعل لمن سبق ( وإن سبقاه أحرزا سبقيهما ) لأن المحلل لم يسبقهما ( ولم يأخذا منه ) أي من المحلل ( شيئا ) لأنه لم يشترط عليه لمن سبقه شيئا ( وإن سبق أحدهما أحرز السبقين ) لأنهما قد جعلاه لمن سبق ، وقد وجد ( وإن سبق معه المحلل فسبق الآخر بينهما ) أي بين السابق والمحلل نصفين لأنهما قد اشتركا فيه فوجب أن يشتركا في عوضه ، وسواء كان المستبقون اثنين أو أكثر ، وظاهره أنه يكفي محلل واحد ، وقال الآمدي : لا يجوز أكثر لدفع الحاجة ، وقيل : بل أكثر ، وجزم به في " الشرح " ، واختار الشيخ تقي الدين لا محلل ، وأنه أولى بالعدل من كون السبق من أحدهما ، وأبلغ في تحصيل مقصود كل منهما ، وهو بيان عجز الآخر .

( وإن قال المخرج ) أي من غير المتسابقين ( من سبق فله عشرة ، ومن صلى فله كذلك لم يصح ) إذا كانا اثنين ; لأنه لا فائدة في طلب السبق فلا يحرص عليه ; لأنه سواء بينهما ، وإن كانوا أكثر من ثلاثة فقال ذلك صح ; لأن كل واحد منهم يطلب أن يكون سابقا أو مصليا ( وإن قال : من صلى فله خمسة صح ) لأن كلا منهما يجتهد أن يكون سابقا ليحرز أكثر العوضين ، والمصلي هو الثاني ; لأن رأسه عند صلا الآخر ، والصلوان هما العظمان [ ص: 127 ] النائبان من جانب الذنب ، وفي الأثر عن علي قال : سبق أبو بكر ، وصلى عمر ، وخبطتنا فتنة ، قال الشاعر :


إن تبتدر غاية يوما لمكرمة تلق السوابق فينا والمصلينا

فإن قال : للمجلي - وهو الأول - مائة ، وللمصلي وهو الثاني تسعون ، وللتالي وهو الثالث ثمانون ، وللبارع وهو الرابع سبعون ، وللمرتاح وهو الخامس ستون ، وللحظي وهو السادس خمسون ، وللعاطف وهو السابع أربعون ، وللمؤمل وهو الثامن ثلاثون ، وللطيم وهو التاسع عشرون ، وللسكيت وهو العاشر عشرة ، وللفسكل وهو الآخر خمسة ، صح ; لأن كل واحد يطلب السبق ، أو ما يليه ، وذكر الثعالبي في " فقه اللغة " أن المجلي هو الثاني ، والمصلي هو الثالث ، فلو جعل للمصلي أكثر من المجلي أو جعل لما بعده أكثر منه أو لم يجعل للمصلي شيئا لم يصح لأنه يفضي إلى أن لا يقصد السبق بل يقصد التأخر ، فيفوت المقصود .

مسألة : إذا قال لعشرة : من سبق منكم فله عشرة ، فسبق اثنان ، فهي بينهما ، وإن سبق تسعة وتأخر واحد ، فالعشرة للتسعة ، وقيل : لكل من السابقين عشرة ، كما لو قال : من رد عبدي فله عشرة ، فرد كل واحد عبدا ، وفارق ما لو قال : من رد عبدي فرده تسعة ; لأن كل واحد منهم لم يرده ، وإنما رده حصل من الكل .

( وإن شرطا أن السابق يطعم السبق أصحابه ) أو بعضهم ( أو غيرهم ) أو إن [ ص: 128 ] سبقتني فلك كذا ولا أرمي أبدا أو أشهرا ( لم يصح الشرط ) لأنه عوض على عمل فلا يستحقه غير العامل كالعوض في رد الآبق ، واختار الشيخ تقي الدين صحة شرطه لأستاذه ، وشراء قوس ، وكراء حانوت ، وإطعام الجماعة ; لأنه مما يعين على الرمي ( وفي صحة المسابقة وجهان ) أشهرهما أنه لا يفسد ، ونصره في " الشرح " ; لأنها عقد لا يتوقف صحتها على تسمية بدل فلم يفسد بالشرط الفاسد كالنكاح ، والثاني : يفسد ; لأنه بدل العوض لهذا الغرض ، فإذا لم يحصل له غرضه لا يلزمه العوض فعليه إن كان المخرج السابق أحرز سبقه ، وإن كان الآخر فله أجر عمله ; لأنه عمل بعوض لم يسلم له فاستحق أجر المثل كالإجارة الفاسدة .

التالي السابق


الخدمات العلمية