صفحة جزء
الرابع : معرفة قدر الغرض طوله ، وعرضه ، وسمكه ، وارتفاعه من الأرض ، وإن تشاحا في المبتدئ بالرمي أقرع بينهما ، وقيل : يقدم من له مزية بإخراج السبق . وإذا بدأ أحدهما في وجه بدأ الآخر في الثاني ، والسنة أن يكون لهما غرضان إذا بدأ أحدهما بغرض بدأ الآخر بالثاني ، وإذا أطارت الريح الغرض فوقع السهم موضعه فإن كان شرطهم خواصل احتسب به ، وإن كان خواسق لم يحتسب له به ولا عليه . وإن عرض عارض من كسر قوس ، أو قطع وتر ، أو ريح شديدة لم يحتسب عليه بالسهم ، وإن عرض مطر أو ظلمة جاز تأخير الرمي ، ويكره للأمين والشهود مدح أحدهما لما فيه من كسر قلب صاحبه .


( الرابع : معرفة قدر الغرض طوله ، وعرضه ، وسمكه ، وارتفاعه من الأرض ) لأن الإصابة تختلف باختلاف ذلك ، فوجب العلم به ، أشبه تعيين النوع ، والغرض ما تقصد إصابته من قرطاس ، أو جلد ، أو خشب ، وسمي غرضا ; لأنه يقصد ، وقال الأزهري : ما نصب في الهدف فهو القرطاس ، وما نصب في الهواء فهو الغرض ، وفسره الجوهري بالهدف الذي يرمي فيه ، وفي بعض النسخ " وطوله " بالواو ، والصواب حذفها ، وفي " المحرر " ولا بد من معرفة الغرض صفة ، وقدرا ; لأن قدر الغرض هو طوله ، وعرضه ، وسمكه ( وإن تشاحا في المبتدئ بالرمي أقرع بينهما ) في قول الأكثر لأنهما متساويان في الاستحقاق ، فيصار إليهما كما لو تنازع المتقاسمان في استحقاق سهم معين ( وقيل : يقدم من له مزية بإخراج السبق ) لأن له نوعا من الترجح ، فيجب أن يقدم به ، فعلى هذا [ ص: 135 ] إن كان العوض من أحدهما قدم صاحبه ، وإن كان من أجنبي قدم من يختاره منهما ، فإن لم يختر أقرع وصحح صاحب النهاية أنه لا يبتدئ أحدهما إلا بقرعة ; لأن العقد موضوع على أن لا يفضل صاحب السبق على صاحبه ، واختار في " الترغيب " يعتبر ذكر المبتدئ به ( وإذا بدأ أحدهما في وجه بدأ الآخر في الثاني ) تعديلا بينهما ، فإن شرطا البداءة لأحدهما في كل الوجوه لم يصح ، فإن فعلا ذلك بغير شرط برضاهما جاز ، وإن شرطا أن يبدأ كل واحد منهما من وجهين متواليين جاز ، ويحتمل أن يكون اشتراط البداءة في كل موضع غير لازم ولا يؤثر في العقد ( والسنة أن يكون لهما غرضان إذا بدأ أحدهما بغرض بدأ الآخر بالثاني ) لفعل الصحابة رضي الله عنهم ، وقد روي مرفوعا : ما بين الغرضين روضة من رياض الجنة ، ويروى أن الصحابة كانوا يشتدون بين الأغراض يضحك بعضهم إلى بعض ، فإذا جاء الليل كانوا رهبانا ، ويكفي غرض واحد ; لأن المقصود يحصل به وهو عادة أهل عصرنا .

فرع : إذا تشاحا في الوقوف كأن يستقبل أحدهما الشمس والآخر يستدبرها قدم قول من يستدبرها ; لأنه العرف إلا أن يكون بينهما شرط ، فيعمل به ، ولو قصد أحدهما التطويل منع منه ( وإذا أطارت الريح الغرض فوقع السهم موضعه فإن كان شرطهم خواصل احتسب به ) لأنه لو بقي الغرض موضعه لأصابه ( وإن كان خواسق لم يحتسب له به ولا عليه ) في قول أبي الخطاب لأنا لا ندري هل يثبت في الغرض لو كان موجودا أو لا ، وقال القاضي : ينظر فإن كانت صلابة الهدف كصلابة الغرض ، فثبت في الهدف احتسب له به ، وإن لم يثبت [ ص: 136 ] فيه مع التساوي لم يحتسب ، وإن كان الهدف أصلب فلم يثبت فيه لو كان رخوا لم يحتسب السهم له ولا عليه ، فإن وقع السهم في غير موضع الغرض احتسب به على راميه ، وكذا الحكم إذا ألقت الريح الغرض على ، وجهه ( وإن عرض عارض من كسر قوس ، أو قطع وتر ، أو ريح شديدة لم يحتسب عليه بالسهم ) لأن خطأه لعارض لا لسوء رميه ، وفيه وجه ، والأشهر : ولا له ، قاله في " المغني " تبعا للقاضي ، ولو أصاب ; لأن الريح الشديدة كما يجوز أن تصرف الرمي الشديد فيخطئ يجوز أن يصرف السهم المخطئ عن خطئه فيصيب فتكون إصابته بالريح لا بحذق رميه ، فأما إن وقع السهم من حائل فخرقه ، وأصاب الغرض حسب له ; لأن إصابته لسداد رميه فهو أولى ، فلو كانت الريح لينة لا ترد السهم عادة لم تمنع ; لأن الجو لا يخلو من ريح مع أنها لا تؤثر إلا في الرمي الرخو ( وإن عرض مطر أو ظلمة جاز تأخير الرمي ) لأن المطر يرخي الوتر ، والظلمة عذر لا يمكن معه فعل المعقود عليه ، ولأن العادة الرمي نهارا إلا أن يشترطاه ليلا ( ويكره للأمين والشهود مدح أحدهما ) أي مدح المصيب ( لما فيه من كسر قلب صاحبه ) أي المخطئ ، وحرمه ابن عقيل ، قال في " الفروع " : ويتوجه يجوز مدح المصيب ، ويكره عيب غيره ، ويتوجه في شيخ العلم وغيره مدح المصيب من الطلبة وعيب غيره كذلك .

التالي السابق


الخدمات العلمية