صفحة جزء
وإن أقر إنسان أنه ولده ألحق به ، مسلما كان أو كافرا ، رجلا كان أو امرأة ، حيا كان الملتقط أو ميتا ، ولا يتبع الكافر في دينه إلا أن يقيم بينة تشهد أنه ولد على فراشه ، وعنه : لا يلحق بامرأة ذات زوج ، وعنه : إن كان لها إخوة أو نسب معروف لم يلحق بها وإلا لحق ، وإن ادعاه اثنان أو أكثر لأحدهم بينة قدم بها ، فإن تساووا في البينة أو عدمها عرض معها على القافة أو مع أقاربهما إن ماتا ، فإن ألحقته بأحدهما لحق به ، وإن ألحقته بهما لحق بهما ، ولا يلحق بأكثر من أم واحدة ، وإن ادعاه أكثر من اثنين فألحق بهم - لحق بهم وإن كثروا . وقال ابن حامد : لا يلحق بأكثر من اثنين ، وإن نفته القافة عنهم ، أو أشكل عليهم ، أو لم توجد قافة - ضاع نسبه في أحد الوجهين ، وفي الآخر يترك حتى يبلغ فينتسب إلى من شاء منهما ، أومأ إليه أحمد ، وكذلك الحكم إن وطئ اثنان امرأة بشبهة أو جارية مشتركة بينهما في طهر واحد ، أو وطئت زوجة رجل أو أم ولده بشبهة وأتت بولد يمكن أن يكون منه ، فادعى الزوج أنه من الواطئ - أري القافة معهما


فصل

( وإن أقر إنسان أنه ولده ألحق به ) ؛ لأن الإقرار به محض مصلحة الطفل ؛ لاتصال نسبه ، ولا مضرة على غيره فيه ، فقبل ، كما لو أقر له بمال ، وشرطه أن ينفرد بدعوته ، وأن يمكن كونه منه ، ثم إن كان المقر به ملتقطه أقر في يده ، وإن كان غيره فله أن ينتزعه من الملتقط ; لأنه قد ثبت أنه أبوه فيكون أحق به ، كما لو قامت به بينة ، ( مسلما كان ) المدعي ( أو كافرا ) ؛ لأن الكافر يثبت له النكاح والفراش فيلحق به كالمسلم حرا كان أو عبدا ; لأن له حرمة ، فيلحق به كالحر ، لكن لا تثبت له حضانة ، ولا تجب نفقته عليه ولا على سيده ; لأن الطفل محكوم بحريته ، فعلى هذا تجب في بيت المال ( رجلا كان أو امرأة ) على المذهب ; لأن المرأة أحد الأبوين ، فيثبت النسب بدعواها كالأب ، وإذن يلحقها نسبه دون زوجها ، وكذا إذا ادعى الرجل نسبه لم يلحق بزوجته ، وقيل : لا يثبت النسب بدعوتها بحال ، وحكاه ابن المنذر ، إجماع من يحفظه عنه من أهل العلم ، وجوابه بأنها تدعي حقا [ ص: 306 ] لا منازع فيه ، ولا مضرة على أحد فقبل كدعوى المال ( حيا كان الملتقط أو ميتا ) ؛ لأنهما سواء معنى ، فوجب استواؤهما حكما ( ولا يتبع الكافر في دينه إلا أن يقيم بينة تشهد أنه ولد على فراشه ) ذكره بعض أصحابنا ؛ لأن اللقيط محكوم بإسلامه بظاهر الدار ، فلا يقبل قول الكافر في كفره بغير بينة كما لو كان معروف النسب ؛ ولأنها دعوى تخالف الظاهر فلم تقبل بمجردها كدعوى الرق ، وإذا قبل في النسب لعدم الضرر والكفر بخلافه فإن فيه ضررا عظيما ; لأنه سبب الخزي في الدنيا والآخرة ، فإذا أقام بينة بما ذكر لحقه نسبا ودينا ؛ لتحقق الولادة ، والولد المحقق يتبع مطلقا ، وقياس المذهب أنه لا يلحقه في الدين إلا أن تشهد البينة أنه ولد كافرين حيين; لأن الطفل يحكم بإسلامه بإسلام أحد أبويه أو موته ، ( وعنه : لا يلحق بامرأة ذات زوج ) لإفضائه إلى إلحاق النسب بزوجها بغير إقراره ولا رضاه ، وظاهره أنها إذا لم تكن ذات زوج أنه يلحقها لعدم الضرر ( وعنه : إن كان لها إخوة أو نسب معروف لم يلحق بها ) ، نقلها الكوسج ; لأنه يلزم من لحوق النسب بها لحوق النسب بالإخوة والنسب المعروف ، ولأنه إذا كان لها أهل ونسب معروف لم تخف ولادتها عليهم ، ويتضررون بإلحاق النسب بها ؛ لما فيه من تعييرهم بولادتها من غير زوجها ( وإلا ) أي إذا لم يكن كذلك ( لحق ) لعدم الضرر ( وإن ادعاه اثنان أو أكثر ) سمعت ; لأن كل واحد لو انفرد صحت دعوته ، فإذا تنازعوا تساووا في الدعوى ، ولا فرق بين المسلم والكافر ، والحر والعبد ( لأحدهم بينة قدم بها ) ؛ لأنها تظهر الحق وتثبته [ ص: 307 ] ( فإن تساووا في البينة ) أي أقام كل منهما بينة - تعارضتا وسقطتا ; لأنه لا يمكن استعمالهما هنا بخلاف المال ، فإنه يقسم بينهما أو بالقرعة ، والقرعة لا تثبت النسب ، لا يقال : إنما يثبت هنا بالبينة لا بالقرعة ، وإنما هي مرجحة ; لأنه يلزم إذا اشترك رجلان في وطء امرأة ، وأتت بولد أن يقرع بينهما ، ويكون لحوقه بالوطء لا بالقرعة ( أو عدمها ) ، أي لم يكن لهما بينة ( عرض معهما ) - أي مع المدعيين ( على القافة ) ، وهم قوم يعرفون الأنساب بالشبه ، ولا يختص ذلك بقبيلة معينة ، بل من عرف منه المعرفة بذلك وتكررت منه الإصابة فهو قائف ، وقيل : أكثر ما يكون في بني مدلج رهط مجزز ، وكان إياس بن معاوية قائفا ، وكذا شريح ( أو مع أقاربهما ) ، وفي " الكافي " و " الشرح " : عصبتهما ( إن ماتا ، فإن ألحقته بأحدهما لحق به ) في قول الجماهير ، وقال أصحاب الرأي : لا حكم للقافة ، ويلحق بالمدعين جميعا ; لأن الحكم بها مبني على الشبه والظن ، فإن الشبه يوجد بين الأجانب وينتفي بين الأقارب ، وبدليل الرجل الذي ولد له غلام أسود ، وقوله عليه السلام : لعله نزعه عرق ولو كان الشبه كافيا لاكتفى به في ولد الملاعنة ، وحجتنا ما رواه الشيخان عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها تبرق أسارير وجهه ، فقال : ألم تري أن مجززا المدلجي نظر آنفا إلى زيد وأسامة ، وقد غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما ، فقال : إن هذه الأقدام بعضها من بعض . وقضى به عمر بحضرة الصحابة ، فكان إجماعا ؛ ولأنه يرجع لقولها كالبينة ، ويدل عليه قوله عليه السلام في ولد الملاعنة : لولا الأيمان لكان لي ولها شأن . فحكم عليه السلام به للذي أشبهه منهما ، وحينئذ فإن انتفى المانع [ ص: 308 ] وجب العمل به ؛ لوجود مقتضيه ، ( وإن ألحقته بهما لحق بهما ) ؛ لما روى سعيد ثنا سفيان ، عن يحيى بن سعيد ، عن سليمان بن يسار ، عن عمر ، في امرأة وطئها رجلان في طهر ، فقال القائف : قد اشتركا فيه جميعا ، فجعله بينهما ، وبإسناده عن الشعبي قال : وعلي يقول : هو ابنهما ، وهما أبواه يرثهما ويرثانه . ورواه الزبير بن بكار عن عمر ، فعلى هذا يرثهما ميراث ابن ، ويرثانه جميعا ميراث أب واحد ، وإن مات أحدهما فله إرث أب كامل ، ونسبه من الأول قائم ، نص عليه ، كما أن الجدة إذا انفردت ، أخذت ما تأخذه الجدات ، والزوجة كالزوجات .

فرع : إذا ألحقته القافة بكافر أو أمة لم يحكم برقه ولا كفره ; لأنه ثبت إسلامه وحريته بظاهر الدار ، فلا يزول ذلك بظن ولا شبهة .

( ولا يلحق بأكثر من أم واحدة ) ، يعني إذا ادعت امرأتان نسب اللقيط فهو مبني على قبول الدعوى منهما ، فإن كانت إحداهما ممن تقبل دعواها دون الأخرى فهو ابنها ، كالمنفردة ، وإن كانتا ممن لا تقبل دعواهما فوجودهما كعدمهما ، وإن كانتا جميعا ممن تسمع دعواهما فهما كالرجلين ، لكن لا يلحق بأكثر من أم واحدة ، فإن ألحقته بأمين سقط قولها .

فرع : إذا ادعى نسبه رجل وامرأة فلا تنافي بينهما ؛ لإمكان كونه منهما بنكاح أو وطء شبهة ، فيلحق بهما جميعا ، ويكون ابنهما بمجرد دعواهما كالانفراد ( وإن ادعاه أكثر من اثنين فألحق بهم لحق بهم ، وإن كثروا ) نص عليه في رواية مهنا أنه لا يلحق بثلاثة ; لأن المعنى الذي لأجله ألحق باثنين موجود فيما زاد عليه قياسا ، [ ص: 309 ] وقولهم : إن إلحاقه باثنين على خلاف الأصل ممنوع ، وإن سلمناه ، لكن ثبت لمعنى موجود في غيره ، فيجب تعدية الحكم به كإباحة الميتة في المخمصة ، أبيح على خلاف الأصل ، ويقاس عليه مال الغير ، وقال القاضي : لا يلحق بأكثر من ثلاثة ، ورد بأنه تحكم ، فإنه لم يقتصر على المنصوص ، ولا عدى الحكم إلى ما في معناه ، ( وقال ابن حامد : لا يلحق بأكثر من اثنين ) ؛ للأثر ، فيقتصر عليه ، فعلى هذا يكون كمن ادعاه اثنان ولا قافة ، ( وإن نفته القافة عنهم ، أو أشكل عليهم ، أو لم توجد قافة ضاع نسبه في أحد الوجهين ) ، وهو قول أبي بكر ، وجزم به في " الوجيز " ، وفي " المغني " أنه أقرب ; لأنه لا دليل لأحدهم ، أشبه من لم يدع نسبه ، فعلى هذا لا يرجح أحدهم بذكر علامة في جسده ; لأنه لا يرجح به في سائر الدعاوى سوى الالتقاط في المال ، وكذا إذا اختلف قائفان أو اثنان وثلاثة ، وإن اتفق اثنان وخالفا ثالثا أخذ بقولهما ، نص عليه ، ومثله بيطاران وطبيبان في عيب ، ولو رجعا ، ( وفي الآخر ) وهو قول ابن حامد ( يترك حتى يبلغ فينتسب إلى من شاء منهما ) ؛ لأن الإنسان يميل طبعه إلى قريبه دون غيره ، ولأنه مجهول النسب أقر به من هو أهل الإقرار ، فيثبت نسبه كما لو انفرد . ( أومأ إليه أحمد ) ، حكاه القاضي عنه في رجلين وقعا على امرأة في طهر واحد ، فعلى قوله لو انتسب إلى أحدهما ثم عاد فانتسب إلى الآخر ، أو نفى نسبه من الأول ولم ينتسب إلى الآخر - لم يقبل منه ; لأنه قد ثبت نسبه فلا يقبل رجوعه عنه ، فلو ألحقته القافة بغير من انتسب إليه بطل انتسابه ; لأنها أقوى كالبينة مع القافة ، ( وكذلك الحكم إن وطئ اثنان امرأة بشبهة أو جارية مشتركة بينهما في طهر [ ص: 310 ] واحد ، أو وطئت زوجة رجل ، أو أم ولده بشبهة ، وأتت بولد يمكن أن يكون منه ، فادعى الزوج أنه من الواطئ أري القافة معهما ) كاللقيط ، فألحق بمن ألحقوه به منهما ، سواء ادعياه أو جحداه أو أحدهما ، وقد ثبت الفراش ، ذكره القاضي ، وشرط أبو الخطاب في وطء الزوجة أن يدعي الزوج أنه من الشبهة ، فعلى قوله إن ادعاه لنفسه اختص به لقوة جانبه ، ذكره في " المحرر " . وفي ثالث يكون صاحب الفراش أولى به عند عدم القافة ؛ لثبوت فراشه ، ذكره في " الواضح " ، وكذلك إن تزوجها كل منهما تزويجا فاسدا ، أو كان أحدهما صحيحا والآخر فاسدا ، أو باع أمته فوطئها المشتري قبل الاستبراء ، لكن متى ألحق بالقافة أو الانتساب ، وهو ينكره ، فهل له نفيه باللعان ؛ على روايتين .

التالي السابق


الخدمات العلمية