صفحة جزء
فصل

ويملك الموقوف عليه الوقف ، وعنه : لا يملكه ، ويملك صوفه ، ولبنه ، وثمرته ، ونفعه ، وليس له وطء الجارية ، فإن فعل فلا حد عليه ولا مهر ، وإن أتت بولد فهو حر وعليه قيمته ، ويشتري بها ما يقوم مقامه ، وتصير أم ولد له ، وتعتق بموته ، وتجب قيمتها في تركته ، ويشتري بها مثلها وتكون وقفا ، وإن وطئها أجنبي بشبهته فأتت بولد فالولد حر ، وعليه المهر لأهل الوقف وقيمة الولد ، وإن تلفت فعليه قيمتها يشتري بها مثلها ، ويحتمل أن يملك قيمة الولد هاهنا ، وله تزويج الجارية وأخذ مهرها ، وولدها وقف معها ، ويحتمل أن يملكه ، وإن جنى الوقف خطأ فالأرش على الموقوف عليه ، ويحتمل أن يكون في كسبه ، وإذا وقف على ثلاثة ثم على المساكين ، فمن مات منهم رجع نصيبه إلى الآخرين .


فصل

( ويملك الموقوف عليه الوقف ) في ظاهر المذهب ; لأنه سبب يزيل التصرف في الرقبة ، فملكه المنتقل إليه كالهبة ، إلا أن يكون مما لا يملك كالمسجد ونحوه ، فإن الملك فيه ينتقل إلى الله تعالى ( وعنه : لا يملكه ) الموقوف عليه ، ويكون [ ص: 329 ] تمليكا لله تعالى ، وهو اختيار ابن أبي موسى ; لأنه إزالة ملك عن العين ، والمنفعة على وجه القربة بتمليك المنفعة فلم ينتقل إلى صاحبها كالعتق ، ولأنه لو انتقل إليه لافتقر إلى قبوله كسائر الأملاك ، وعنه : أنه باق على ملك الواقف ؛ لقوله : إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ، ولأنه لا يوجب زوال الملك عنه ، فتلزمه الخصومة فيه ، والأول أولى ; لأنه سبب لم يخرج به الملك عن المالية ، فوجب أن ينتقل إليه كالهبة والبيع ، وفارق العتق من حيث إنه إخراج عن حكم المالية ، ولأنه لو كان تمليكا للمنفعة المجردة لم يلزم كالعارية والسكنى ، وقول أحمد : إنهم لا يملكون التصرف في الرقبة جمعا بينهما ، لا يقال : عدم ملكه التصرف فيها يدل على عدم ملكه لها ; لأنه ليس بلازم ، بدليل أم الولد ، فإنه يملكها ، ولا يملك التصرف في رقبتها . ( ويملك صوفه ، ولبنه ، وثمرته ، ونفعه ) بغير خلاف نعلمه ; لأنه نماء ملكه ، قاله في " الشرح " ، ومقتضاه أنه مبني على الملك ، وفيه شيء ، ويستوفيه بنفسه ، وبالإجارة ، والإعارة ، ونحوها ، إلا أن يعين في الوقف غير ذلك ، وينبني على الخلاف ما إذا كان الموقوف ماشية ، فإنه لا تجب زكاتها على الثانية والثالثة ؛ لضعف الملك أو انتفائه ، ووجبت على الموقوف عليه في ظاهر كلامه ، واختاره القاضي في " التعليق " ، والمجد ، وقيل : لا تجب ؛ لضعف الملك ، اختاره في " التلخيص " ، والأصح يخرج المعين فطرته على الأولى ، كعبد اشتري من غلة الوقف لخدمة الوقف ؛ لتمام التصرف فيه ، ذكره أبو المعالي ، والخلاف فيما يقصد به تملك الريع ، أما المسجد والمقبرة فلا خلاف أنه ينقطع عنه اختصاص الآدمي ، ويشبه ذلك الربط والمدارس .

[ ص: 330 ] ( وليس له وطء الجارية ) ؛ لأن ملكه ناقص ، ولا يؤمن حبلها فتنقص ، أو تتلف ، أو تخرج من الوقف بأن تبقى أم ولد ، ( فإن فعل فلا حد عليه ) ؛ للشبهة ، ( ولا مهر ) عليه ; لأنه لو وجب لوجب له ، ولا يجب للإنسان شيء على نفسه ، ( وإن أتت بولد فهو حر ) ؛ لأنه من وطء شبهة ، ( وعليه ) أي على الواطئ ( قيمته ) يوم الوضع ( ويشتري بها ما يقوم مقامه ) أي عبد مكانه ; لأنه فوت رقه ، ولأن القيمة بدل عن الوقف ، فوجب أن ترد في مثله ، ( وتصير أم ولد له ) ؛ لأنه أحبلها بحر في ملكه ، وإن قلنا : لا يملكها لم تصر أم ولد له ، صرح به في " المغني " و " الشرح " ; لأنها أجنبية ، ( وتعتق بموته ) كأم الولد ، ( وتجب قيمتها في تركته ) ؛ لأنه أتلفها على من بعده من البطون ( يشتري بها مثلها وتكون وقفا ) لينجبر على البطن الثاني ما فاتهم ، وقيل : يصرف إلى البطن الثاني إن تلقى الوقف من واقفه ، وهو ظاهر كلام جماعة ، فلهم اليمين مع شاهدهم ؛ لثبوت الوقف مع امتناع بعض البطن الأول منها ، فإن كان النصف طلقا فأعتقه مالكه لم يسر إلى الوقف ; لأنه لم يعتق بالمباشرة ، فبالسراية أولى ، ( وإن وطئها أجنبي بشبهة فأتت بولد فالولد حر ) ؛ لاعتقاده أنه وطئ في ملك ، وإن كان عبدا ، وظاهره أنه إذا وطئها مكرهة أو مطاوعة فعليه الحد ؛ لانتفاء الشبهة ، ( وعليه المهر لأهل الوقف ) ؛ لأنه وطئ جاريتهم في غير ملك ، أشبه الأمة المطلقة ، ولأنه عوض المنفعة ، وهي مستحقة لهم ( و ) عليه ( قيمة الولد ) ؛ لأن رقه فات بسبب من جهة ، وهو اعتقاد الحرية ، وتعتبر قيمته يوم تضعه حيا ; لأنه لا يمكن [ ص: 331 ] تقويمه قبل ذلك ، ويكون الولد وقفا معها تبعا لها ( وإن تلفت فعليه ) أي المتلف ، سواء كان أجنبيا أو الواقف ( قيمتها ) ؛ لأنه إتلاف حصل في مستحق الغير ، فوجبت القيمة كما لو أتلف غير الوقف ، وكذا إن كان المتلف الموقوف عليه ; لأنه لا يملك التصرف في الرقبة إنما له المنفعة ( يشتري بها مثلها ) ؛ لأنه أقرب إلى الوفاء بشرط الواقف ، يصير وقفا بالشراء ( ويحتمل أن يملك ) الموقوف عليه ( قيمة الولد ) ؛ لأنه يملك النماء وهو منه ( هاهنا ) يعني إذا وطئها أجنبي بشبهة ( ولا يلزمه قيمة الولد إن أولدها ) ؛ لأن ما تملك قيمته لا تلزمه قيمته .

( وله ) أي للموقوف عليه - ( تزويج الجارية ) في الأصح ; لأنه عقد على منفعتها أشبه الإجارة ، والثاني لا يجوز تزويجها ; لأنه عقد على منفعتها في العمر ، فيفضي إلى تفويت منفعتها في حق من يأتي من البطون ، وهذا الخلاف مبني على الملك ، وحينئذ ليس له أن يتزوجها ، وإن قلنا : هو ملك لله ، فيزوجها حاكم ، ويتزوجها ( وأخذ مهرها ) ؛ لأنه بدل المنفعة ، وهل يستحقها كالأجرة ( وولدها وقف معها ) أي إذا ولدت من زوج أو زنا ; لأن ولد كل ذات رحم حكمه حكمها ، كأم الولد والمكاتبة ( ويحتمل أن يملكه ) ؛ لأنه من نمائها ، كثمرة الشجرة .

فرع : إذا طلبت التزويج لزمه إجابتها ; لأنه حق لها طلبته ، فتعينت الإجابة ، وما فات من الحق به يفوت نفعا ، فلا يصلح أن يكون مانعا كغير الموقوفة .

( وإن جنى الوقف ) جناية موجبة للمال ( خطأ فالأرش على الموقوف عليه ) [ ص: 332 ] جزم به الشيخان وفي " الوجيز " ، ومرادهم إذا كان معينا ; لأنه ملكه ، فكانت عليه كجناية أم الولد ولم يتعلق أرشها برقبة الوقف ؛ لأنه لا يمكن بيعه ولا يلزمه أكثر من قيمته كأم الولد ( ويحتمل أن يكون في كسبه ) كما لو يكن معينا كالوقف على المساكين ؛ لأنه ليس له مستحق معين يمكن إيجاب الأرش عليه ، والمذهب إن قلنا : هو ملك لله فالأرش في كسبه لتعذر تعلقه برقبته ؛ لكونه لا يباع ، وبالموقوف عليه لكونه لا يملكه ، وقيل : هو في بيت المال ، وحكاه في " التبصرة " رواية ، كأرش جناية الحر المعسر ، وضعفه في " المغني " بأن الجناية إنما تكون في بيت المال في صورة تحملها العاقلة عند عدمها ، وجناية العبد لا تحملها .

تنبيه : لم يتعرض المؤلف إذا جنى جناية موجبة للقود والقطع أنه يجب ، فإن قتل يبطل الوقف لا بقطعه ، ويكون باقيه وقفا كتلفه بفعل الله تعالى ، فإن قتل فالظاهر لا يجب القود كعبد مشترك وتجب القيمة ، وليس للموقوف عليه العفو عنها ؛ لأنه لا يختص بها ، ويشتري بها مثلها يكون وقفا ، ويتوجه اختصاص الموقوف عليه بها إن قلنا : يملكه . وإن قطع طرفه فللعبد القود ، وإن عفا فأرشه يصرف في مثله ، وفي " الترغيب " احتمال كنفعه كجناية بلا تلف طرف ، ويعايا بمملوك لا مالك له ، وهو عبد وقف على خدمة الكعبة ، قاله ابن عقيل في " المنثور " .

( وإذا وقف على ثلاثة ) كزيد ، وعمر ، وبكر ( ثم على المساكين ، فمن مات منهم ) أو رد ( رجع نصيبه إلى الآخرين ) ؛ لأنهما من الموقوف عليهم أولا ، وعوده [ ص: 333 ] إلى المساكين مشروط بانقراضهم ، إذ استحقاق المساكين مرتب ثم ، فإذا مات الثلاثة أو ردوا فللمساكين عملا بشرطه ، فلو وقف على ثلاثة ، ولم يذكر له مآلا ، فمن مات منهم فحكم نصيبه حكم المنقطع كما لو ماتوا جميعا ، قاله الحارثي ، واختار في " القواعد " أنه إلى الباقي ، وهو أظهر .

التالي السابق


الخدمات العلمية