صفحة جزء
فإن جاوز أكثر الحيض ، فهي مستحاضة ، فإن كان دمها متميزا بعضه ثخين أسود منتن ، وبعضه رقيق أحمر ، فحيضها زمن الدم الأسود ، وما عداه استحاضة ، وإن لم يكن متميزا ، قعدت من كل شهر غالب الحيض . وعنه : أقله ، وعنه : أكثر ، وعنه : عادة نسائها ، كأمها وأختها وعمتها وخالتها ، وذكر أبو الخطاب في المبتدأة أول ما ترى الدم الروايات الأربع ،


( فإن جاوز ) الدم ( أكثر الحيض فهي مستحاضة ) لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : إنما ذلك عرق ، وليس بالحيضة متفق عليه . ولأن الدم كله لا يصلح أن يكون حيضا . والاستحاضة : سيلان الدم في غير وقته من العرق العاذل - بالذال المعجمة - وقيل : المهملة حكاهما ابن سيده ، والعاذر لغة فيه : من أدنى الرحم دون قعره ، إذ المرأة لها فرجان ، داخل بمنزلة الدبر ، منه الحيض ، وخارج كالأليتين ، منه الاستحاضة ، وظاهره أنها لا تحتاج إلى تكرار ، صححه في " الشرح " لظاهر حديث حمنة ، والمنصوص أنه لا يثبت حكمها قبل تكرارها ثلاثا أو مرتين على الخلاف ، ثم هي لا تخلو من حالين : إما أن يكون متميزا أو غيره ، فقال : ( فإن كان دمها متميزا بعضه ثخين أسود منتن ، وبعضه رقيق أحمر ، فحيضها زمن الدم الأسود ) ما لم يزد على أكثر الحيض ، ولم ينقص عن أقله ، قال ابن تميم : ولا ينقص غيره عن أقل الطهر ، لما روت عائشة قالت : [ ص: 275 ] جاءت فاطمة بنت أبي حبيش فقالت : يا رسول الله إني أستحاض فلا أطهر ، أفأدع الصلاة ؛ فقال : إنما ذلك عرق ، وليس بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ، وصلي متفق عليه . وفي لفظ النسائي : إذا كان الحيض ، فإنه أسود يعرف ، فأمسكي عن الصلاة ، وإذا كان الآخر فتوضئي ، وصلي ، فإنما هو دم عرق ولأنه خارج من الفرج يوجب الغسل فرجع إلى صفته عند الاشتباه كالمني ، والمذي ، وظاهره : أنها إذا عرفت التمييز جلست من غير تكرار ، وهو ظاهر كلام أحمد ، والخرقي ، واختاره ابن عقيل ، لأن معناه أن يتميز أحد الدمين عن الآخر في الصفة ، وهذا يوجد بأول مرة ، والتمييز يحصل بأحد أمور ثلاثة ، واعتبر أبو المعالي اللون فقط ، فالأسود أقوى ، ثم الأحمر ، ثم الأشقر ، وكريه الرائحة أقوى ، والثخين أقوى من الرقيق ، فإن تعارضت الصفات ، فذكر بعض الشافعية أنه يرجح بالكثرة ، فإن استوت ، رجح بالسبق .

( وما عداه استحاضة ) فيصير حكمها حكم الطاهرات ، لما ذكرناه ، فتغتسل عند انقطاع الأول وتصوم ، وتتوضأ لكل صلاة كما يأتي .

تنبيه : تقدم أن دلالة التمييز لا تحتاج إلى تكرار ، وقال القاضي ، وأبو الحسن الآمدي : تجلس المميزة من التمييز ما تكرر ، فعلى هذا إذا رأت في كل شهر خمسة أحمر ، ثم خمسة أسود ، ثم أحمر ، واتصل ، جلست زمان الأسود ، وهل تجلسه في الشهر الثاني أو الثالث أو الرابع ؛ يخرج على الخلاف ، ولا يعتبر أن لا تزيد مدة الدمين على شهر في وجه ، فلو رأت عشرة أسود ، [ ص: 276 ] ثم ثلاثين أحمر ، فحيضها زمن الأسود ، وفي آخر : متى زادت مدتهما على شهر ، بطلت دلالة التمييز ، ولا يلتفت إلى الأسود ، فإن نقص التمييز عن الأكثر ، فطهرها بعده إلى الأكثر مشكوك فيه ، تفعل فيه كالمعتاد ، ولا قضاء عليها .

وهل يباح وطؤها ؛ فيه روايتان . قال ابن تميم : والصحيح أنه طهر ، بيقين فإن رأت ستة عشر يوما أحمر ، ثم باقي الشهر أسود ، فحيضها زمن الأسود في الأصح ، والثاني : تجلس من الأحمر يوما وليلة ، ثم تجلس الأسود ، ومتى بطلت دلالة التمييز ، فهل تجلس ما تجلسه منه أو من أول الدم ؛ فيه وجهان ، وعنه : لا تسقط دلالة التمييز ، وإن عبر الأكثر . قال ابن تميم : فعلى هذا ينبغي أن لا تجلس زيادة على الأكثر ، وتأولها القاضي .

( فإن لم يكن متميزا قعدت من كل شهر غالب الحيض ) في ظاهر المذهب ، واختاره الخرقي ، وابن أبي موسى ، والقاضي ، وجزم به في " الوجيز " لما روي أن حمنة بنت جحش قالت : يا رسول الله إني أستحاض حيضة شديدة كبيرة ، قد منعتني الصوم والصلاة ، فقال : تحيضي في علم الله ستا أو سبعا ، ثم اغتسلي رواه أحمد ، وغيره ، وعملا بالغالب ، ولأنها ترد إلى غالب الحيض وقتا ، فكذا قدرا فعلى هذا تجتهد في الست والسبع ، وقيل : تخير ، وتفارق المبتدأة في جلوسها الأول من حيث أنها أول ما ترى الدم ترجو انكشاف أمرها عن قرب ، ولم يتبين لها دم فاسد ، وإذا علم استحاضتها فقد اختلط الحيض بالفاسد يقينا ، وليس قرينة ، فلذلك ردت إلى الغالب عملا بالظاهر ( وعنه : أقله ) اختارها أبو بكر ، وابن عقيل [ ص: 277 ] في " التذكرة " ، لأنه اليقين ، وكحالة الابتداء ( وعنه : أكثره ) اختاره في " المغني " لأنه زمان الحيض ، فإذا رأت الدم فيه جلسته كالمعتادة ( وعنه : عادة نسائها كأمها ، وأختها ، وعمتها ، وخالتها ) لأن الغالب شبهها بهن ، وقياسا على المهر ، وتقدم القربى ، فالقربى ، فإن اختلفت عادتهن جلست الأقل ، وقيل : الأكثر ، وقيل : تتحرى ، فإن عدم الأقارب اعتبر الغالب . زاد ابن حمدان : من نساء بلدها ( وذكر أبو الخطاب ) في " هدايته " وتبعه في " الكافي " ( في المبتدأة أول ما ترى الدم الروايات الأربع ) الأولى : أنها تجلس الأقل ، لأنه اليقين ، والثانية : تجلس ستا أو سبعا ، لأنه الغالب ، والثالثة : تجلس عادة نسائها ، لأن الظاهر شبهها بهن ، والرابعة : تجلس ما تراه من الدم ، ما لم يجاوز أكثره قياسا على أقله ، ولما فرغ من الكلام على المستحاضة المبتدأة ، شرع في أقسام المستحاضة المعتادة ، ولها أربعة أحوال فأشار بقوله :

التالي السابق


الخدمات العلمية