صفحة جزء
باب

التأويل في الحلف

ومعنى التأويل : أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره فإن كان الحالف ظالما ، لم ينفعه تأويله ؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يمينك على ما يصدقك به صاحبك فإذا أكلا تمرا ، فحلف : لتخبرني بعدد ما أكلت ، أو لتميزن نوى ما أكلت ، فإنها تفرد كل نواة وحدها ، وتعد من واحد إلى عدد يتحقق دخول ما أكل فيه ، وإن حلف ليقعدن على بارية في بيته ، ولا تدخله بارية ، فإنه يدخل قصبا وينسجه فيه .

وإن حلف ليطبخن قدرا برطل ملح ويأكل منه فلا يجد طعم الملح ، فإنه يسلق فيه بيضا ، وإن حلف لا يأكل بيضا ولا تفاحا ، وليأكلن مما في هذا الوعاء ، فوجده بيضا وتفاحا ، فإنه يعمل من البيض ناطفا ، ومن التفاح شرابا .

وإن كان على سلم ، فحلف : لا صعدت إليك ، ولا نزلت إلى هذه ، ولا أقمت مكاني ساعة ، فلتنزل العليا ، ولتصعد السفلى ، فتنحل يمينه ، وإن حلف : لا أقمت عليه ، ولا نزلت منه ، ولا صعدت فيه ، فإنه ينتقل إلى سلم آخر ، وإن حلف : لا أقمت في هذا الماء ، ولا خرجت منه ، فإن كان جاريا لم يحنث ، إذا نوى ذلك الماء بعينه ، وإن كان واقفا ، حمل منه مكرها .

وإن استحلفه ظالم : ما لفلان عندك وديعة ؛ ، وكانت له عنده وديعة ، فإنه يعني بـ " ما " : الذي ، ويبر في يمينه .

وإن حلف : ما فلان هاهنا ، وعنى موضعا معينا - بر في يمينه ، وإن حلف على امرأته : لا سرقت مني شيئا ، فخانته في وديعته - لم يحنث ، إلا أن ينوي .


باب

التأويل في الحلف

( ومعنى التأويل : أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره ) مثل أن يحلف أنه أخي يريد أخوة الإسلام ، وبالسقف والبناء : السماء ، وبالبساط والفراش : الأرض ، وبالأوتاد : الجبال ، وباللباس : الليل ، أو يقول : ما رأيت فلانا ، أي : ما ضربت رئته ، وما ذكرته ، أي : ما قطعت ذكره ، وكقوله : جواري أحرار ، يعني : سفنه ، ونسائي طوالق ، أي : أقاربه ، أو يقول : ما كاتبت فلانا ، ولا عرفته ، ولا علمته ، ولا سألته حاجة ، ولا أكلت له دجاجة ولا فروجة ، ولا شربت له ماء ، ولا في بيتي فراش ، ولا حصير ، ولا بارية ، ويعني بالمكاتبة : مكاتبة الرقيق ، وبالتعريف : جعله عريفا ، وبالإعلام : جعله أعلم الشفة ، والحاجة : الشجرة الصغيرة ، والدجاجة : الكبة من الغزل ، والفروجة : الدراعة ، والفرش : صغار الإبل ، والحصير : الجيش ، والبارية : السكين التي يبرى بها ، فهذا وأشباهه مما يسبق إلى فهم السامع خلافه ، إذا عناه بيمينه فهو تأويل ؛ لأنه خلاف الظاهر .

[ ص: 375 ] ( فإن كان الحالف ظالما ، لم ينفعه تأويله ) بغير خلاف نعلمه ( لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يمينك على ما يصدقك به صاحبك ) وفي لفظ : اليمين على نية المستحلف رواهما مسلم ، وعلم منه أنه إذا كان مظلوما فله تأويله ، نص عليه ، لحديث سويد بن حنظلة قال : خرجنا نريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعنا وائل بن حجر ، فأخذه عدو له ، فتحرج القوم أن يحلفوا ، فحلفت أنه أخي ، فخلي سبيله ، فأتينا النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرنا له ذلك ، فقال : كنت أبرهم وأصدقهم ، المسلم أخو المسلم رواه أبو داود ، .

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب رواه الترمذي ، قال محمد بن سيرين : الكلام أوسع من أن يكذب ظريف ، خص الظريف بذلك ، يعني به : الكيس الفطن ، فإنه يفطن التأويل ، فلا حاجة إلى الكذب ، فإن كان لا ظالما ولا مظلوما ، فظاهر كلام أحمد : أن له تأويله ؛ لأنه - عليه السلام - كان يمزح ولا يقول إلا حقا ومزاحه أن يوهم السامع بكلامه غير ما عناه ، وهو التأويل ، فقال - عليه السلام - لعجوز : لا تدخل الجنة عجوز يعني : أن الله تعالى ينشئهن أبكارا عربا أترابا .

مسائل : الأولى : إذا حلف ليقسمن بين ثلاث نسوة ثلاثين قارورة ، عشر مملوءة ، وعشر فرغ ، وعشر منصف ، قلب كل منصفة في أخرى ، فلكل واحدة خمس مملوءة ، وخمس فرغ .

الثانية : إذا كان له ثلاثون نعجة ، عشر ولدت كل واحدة سخلة ، وعشر اثنتين ، وعشرة ثلاثا ، وحلف ليجعلن لكل امرأة ثلاثا ، ولا يفرق بين سخلة وأمها ، أعطى الكبرى عشرة نتجت عشرين ، والوسطى نصف ما نتج سخلة ، [ ص: 376 ] ونصف ما نتج ثلاثا بسخالها ، وكذا الصغرى .

الثالثة : إذا حلف أنه رأى ثلاث إخوة لأبوين ، أحدهم عبد ، والآخر مولى ، والآخر عربي ، لا ولاء عليه ، هذا رجل تزوج بأمة ، فولدت ابنا فهو عبد ، ثم كوتبت ، فأدت وهي حامل ، فأتت بابن فتبعها ، فهو مولى ، ثم ولدت بعد الأداء ابنا ، فهو عربي بلا ولاء .

الرابعة : إذا حلف أن خمسة زنوا بامرأة ، فلزم الأول القتل ، والثاني الرجم ، والثالث الجلد ، والرابع نصف الحر ، ولم يلزم الخامس شيء ، فالأول ذمي ، والثاني محصن ، والثالث بكر ، والرابع عبد ، والخامس حربي .

الخامسة : إذا حلف ليخبرنه بشيء رأسه في عذاب ، وأسفله في شراب ، وأوسطه في طعام ، وحوله سلاسل وأغلال ، وحبسه في بيت ضيق ، فهو فتيلة القنديل .

السادسة : إذا حلف أنه يحب الفتنة ، ويكره الحق ، ويشهد بما لم يره وهو بصير ، ولا يخاف من الله ، ولا رسول الله ، وهو مؤمن عدل - فجوابه : أنه يحب المال والولد ، ويكره الموت ، ويشهد بالغيب والحساب ، ولا يخاف من الله ولا رسوله الظلم والجور .

السابعة : لو سئل عن طعم نجو الآدمي ، قيل : إنه - أولا - حلو لسقوط الذباب عليه ، ثم حامض لأنه يدود ، ثم مر لأنه يلدح .

( فإذا أكلا تمرا ، فحلف : لتخبرني بعدد ما أكلت ، أو لتميزن نوى ما أكلت ، فإنها تفرد كل نواة وحدها ، وتعد من واحد إلى عدد يتحقق دخول ما أكل فيه ) ولا يحنث إذا كان نيته ذلك ، وإن نوى الإخبار بكميته من غير زيادة ولا نقص [ ص: 377 ] لم يبرأ إلا بذلك ، وإن أطلق ، فقياس المذهب أنه كذلك ؛ لأن الأيمان تنبني على المقاصد ، إلا أن تكون حيلة فيحنث .

فرع : لو كان في فيها تمرة ، فقال : أنت طالق إن أكلتها ، أو ألقيتها ، أو أمسكتها ، فأكلت بعضها ، وألقت بعضها - انبنى على فعل عليه .

( وإن حلف ليقعدن على بارية في بيته ، ولا تدخله بارية ، فإنه يدخل قصبا وينسجه فيه ) ويجلس عليها في البيت ، ولا يحنث ؛ لأنه لم يدخله بارية ، وإنما أدخله قصبا . وفي " المحرر " : وإن حلف لا يدخل بيته بارية ، فأدخل قصبا لذلك ، فنسجت فيه - حنث ، وإن طرأ قصده والقصب فيها فوجهان ( وإن حلف ليطبخن قدرا برطل ملح ويأكل منه فلا يجد طعم الملح ، فإنه يسلق فيه بيضا ) ؛ لأن الصفة وجدت لكون أن الملح لا يدخل في البيض .

( وإن حلف لا يأكل بيضا ولا تفاحا ، وليأكلن مما في هذا الوعاء ، فوجده بيضا وتفاحا ، فإنه يعمل من البيض ناطفا ، ومن التفاح شرابا ) ويأكل منه بغير حنث ؛ لأن ذلك ليس ببيض ولا تفاح ، وقيل : يحنث مع التعيين .

( وإن كان على سلم ، فحلف : لا صعدت إليك ، ولا نزلت إلى هذه ، ولا أقمت مكاني ساعة ، فلتنزل العليا ، وتصعد السفلى ، فتنحل يمينه ) ؛ لأن ما فعله سبب إلى عدم حنثه ، وأما كونه تنحل يمينه ، فلأنه لم يبق حنثه ممكنا لزوال الصورة المحلوف عليها .

( وإن حلف : لا أقمت عليه ، ولا نزلت منه ، ولا صعدت فيه ، فإنه ينتقل [ ص: 378 ] إلى سلم آخر ) فتنحل يمينه ؛ لأنه إنما نزل أو صعد من غيره .

( وإن حلف : لا أقمت في هذا الماء ، ولا خرجت منه ، فإن كان جاريا لم يحنث ) ؛ لأن الماء المحلوف عليه جرى ، وصار في غيره ، فلم يحنث ، سواء أقام أو خرج ؛ لأنه إنما يقف في غيره أو يخرج منه ، ذكره القاضي في " المجرد " ؛ لأن الأيمان تنبني على اللفظ لا على القصد ، وقال في موضع آخر : قياس المذهب أنه لا يحنث ( إذا نوى ذلك الماء بعينه ) ؛ لأن ذلك الماء بعينه يصدق أنه ما أقام فيه ولا خرج منه ضرورة كونه جاريا ، فلم تحصل المخالفة في المحلوف عليه ( وإن كان واقفا ، حمل منه مكرها ) لئلا ينسب إليه فعل .

فرع : إذا حلف : لا لبست أنت هذا القميص ، ولا وطئتك إلا فيه ، فلبسته ووطئها - لم يحنث .

وإن حلف ليجامعن على رأس رمح ، فنقب السقف ، وأخرج منه رأس الرمح يسيرا ، وجامع عليه - بر في الأشهر .

( وإن استحلفه ظالم : ما لفلان عندك وديعة ؛ ، وكانت له عنده وديعة ، فإنه يعني بـ " ما " : الذي ) أي : الموصولة ، أو ينوي غير الوديعة ، أو غير مكانها ، أو يستثنى بقلبه ( ويبر في يمينه ) ؛ لأنه صادق .

مسألة : إذا حلف لتصدقني : هل سرقت مني شيئا أم لا ؛ وخافت أن تصدقه ، فتقول : سرقت منك ، ما سرقت منك ، وتعني بـ " ما " : الذي .

( وإن حلف له : ما فلان هاهنا ، وعنى موضعا معينا - بر في يمينه ) لصدقه في ذلك ، وروي أن مهنا والمروذي كانا عند أحمد ، فجاء رجل يطلب المروذي ، ولم يرد المروذي أن [ ص: 379 ] يكلمه ، فوضع مهنا إصبعه في كفه ، وقال : ليس المروذي هاهنا ، يريد : ليس هو في كفه ، فلم ينكره أحمد .

( وإن حلف على امرأته : لا سرقت مني شيئا ، فخانته في وديعته - لم يحنث ) ؛ لأن الخيانة ليست بسرقة ( إلا أن ينوي ) ذلك ، فيحنث ؛ لأن اللفظ صالح أن يراد به ذلك ، وقد نواه ، فوجب الحنث ضرورة المخالفة في المحلوف عليه ، أو يكون له سبب .

فرع : إذا استحلفه ظالم : هل رأيت فلانا أو لا ؛ وكان قد رآه ، فإنه يعني برأيت : ما ضربت رئته ، وإن قال : إن كانت امرأتي في السوق فعبدي حر ، وإن كان عبدي في السوق فامرأته طالق ، وكانا في السوق - عتق العبد ولم تطلق ؛ لأنه عتق باللفظ الأول ، فلما عتق لم يبق له في السوق عبد ، ويحتمل أن يحنث إن أراد عبدا بعينه ، بناء على من حلف على معين تعلق اليمين بعينه دون صفته .

مسائل : إذا حلف أنه يطأ في يوم ، ولا يغتسل فيه ، مع قدرته على استعمال الماء ، ولا تفوته صلاة مع الجماعة ، فإنه يصلي الفجر ، والظهر ، والعصر ، ويطأ بعدها ، ويغتسل بعد المغرب ، ويصلي معه .

إذا قال : أنت طالق إن لم أطأك في رمضان ، ثم سافر ثلاثة أيام ، ثم وطئ ، فقال أحمد : لا يعجبني ؛ لأنها حيلة ، وقال في رواية بكر بن محمد : إذا حلف على فعل شيء ، ثم احتال بحيلة فصار إليها ، فقد صار إلى ذلك الذي حلف عليه بعينه ، وقال القاضي : الصحيح أنها تنحل به اليمين ، ويباح به الفطر ؛ لأن إرادة حل اليمين من المقاصد الصحيحة .

إذا حلف في شعبان : ليجامعن امرأته في شهرين متتابعين ، فدخل [ ص: 380 ] رمضان ، سافر بها ، فإن حاضت فوطئ فيه ، كفر عن كل وطء في الحيض كفارته ، وعنه : لا يطأ ، وتطلق كمن حلف : ليسقين ولده خمرا ، نص عليه .

سئل أحمد عن رجل حلف : لا يفطر في رمضان ، فقال للسائل : اذهب إلى بشر بن الوليد ، فاسأله ، ثم ائتني فأخبرني ، فذهب فسأله ، فقال له بشر : إذا أفطر أهلك فاقعد معهم ولا تفطر ، فإذا كان السحر فكل ، واحتج بقوله - عليه السلام - : هلموا إلى الغداء المبارك فاستحسنه أحمد - رضي الله عنه - .

التالي السابق


الخدمات العلمية