صفحة جزء
ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول ، إلا في الحيعلتين ، فإنه يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ويقول بعد فراغه : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة ، آت محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة ، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته ، إنك لا تخلف الميعاد ،


( ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول إلا في الحيعلتين فإنه يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله ) كذا في " المحرر " و " الوجيز " نص عليه ، ولا نعلم خلافا في استحبابه لما روى عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا قال : المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم : الله أكبر الله أكبر ، ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، ثم قال : أشهد أن محمدا رسول الله فقال : أشهد أن محمدا رسول الله ، ثم قال : حي على الصلاة فقال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال : حي على الفلاح قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال : الله أكبر الله أكبر قال : الله أكبر الله أكبر ، ثم قال : لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله ، مخلصا من قلبه ، دخل الجنة رواه مسلم . قال الأثرم : هذا من الأحاديث الجياد ، ولأنه خطاب فإعادته عبث ، بل سبيله الطاعة ، وسؤال الحول والقوة ، وتكون الإجابة عقيب كل كلمة أي : لا تقارن ، ولا تتأخر ، وقيل : يوافقه في الحيعلة مع قول ذلك ، ليجمع بينهما ، وقال الخرقي ، وغيره : يقول كما يقول لما روى أبو سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول متفق عليه . قال الزركشي : وهو المذهب ، وفيه نظر ، ولا فرق بين المؤذن [ ص: 330 ] والسامع ، نص عليهما ، ولا الجنب والحائض للخبر ، وظاهره ولو في طواف وقراءة ، لأن ذلك يفوت بخلافهما ، ويستثنى منه المصلي ، ولو نفلا ، وتبطل بالحيعلة ، قال أبو المعالي : إن لم يعلم أنها دعاء إلى الصلاة ، فروايتا ساه ، ولكن يجيبه إذا فرغ ، قاله في " الكافي " وكذا المتخلي ، قاله أبو المعالي ، ومقتضى كلامه أن المؤذن لا يجيب نفسه ، وهو ظاهر كلام جماعة ، وصرح آخرون باستحبابه كالسامع ، وأن يقولا ذلك خفية ، نص عليه ، قال في " الفروع " : ويتوجه احتمال : تجب إجابته للأمر ، وظاهر كلامهم : أنه يجيب ثانيا ، وثالثا حيث سن ، واختاره الشيخ تقي الدين ، لكن لو سمع المؤذن وأجابه ، وصلى في جماعة لا يجيب الثاني ، لأنه غير مدعو بهذا الأذان ، زاد المؤلف ( العلي العظيم ) وتتبعت ذلك فوجدته في المسند من حديث أبي رافع : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سمع المؤذن قال مثل ما يقول ، حتى إذا بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح قال : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ورواه الطبراني في معجمه الكبير ، وإسناده فيه لين ، ويقول في التثويب : صدقت وبررت ، وفي الإقامة عند لفظها : أقامها الله وأدامها ، زاد في " المستوعب " و " التلخيص " ما دامت السماوات والأرض ، ويقول ذلك خفية .

فائدة : معنى لا حول ولا قوة إلا بالله : إظهار الفقر ، وطلب المعونة منه في كل الأمور ، وهو حقيقة العبودية ، وقال أبو الهيثم : أصل لا حول ولا قوة [ ص: 331 ] من حال الشيء ، إذا تحرك ، يقول : لا حركة ولا استطاعة إلا بالله ، وقال ابن مسعود : معناه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته ، قال الخطابي : هذا أحسن ما جاء فيه ، ويقال : لا حيل لغة ، حكاه الجوهري ، وعبر عنها الأزهري بالحوقلة ، وتبعه في " الوجيز " على أخذ الحاء من حول ، والقاف من قوة ، واللام من اسم الله تعالى .

( ويقول بعد فراغه ) كل من المؤذن وسامعه ( اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة ، آت محمدا الوسيلة والفضيلة ، والدرجة الرفيعة ، وابعثه المقام المحمود الذي ، وعدته ، إنك لا تخلف الميعاد ) لما روى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة ، آت محمدا الوسيلة والفضيلة ، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ، حلت له شفاعتي يوم القيامة رواه البخاري ، ورواه النسائي ، وأبو حاتم ، والبيهقي ، وابعثه المقام المحمود معرفين كما ذكره المؤلف ، ولم يثبت فيه الدرجة الرفيعة ، وروى البيهقي في سننه في آخره إنك لا تخلف الميعاد ، وظاهره أنه لا يستحب غير ذلك ، وفي " الرعاية " أنه يرفع بصره إلى السماء ، ويدعو بما ورد ، فقال أحمد : إذا سألتم الله حاجة ، فقولوا : في عافية ، ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - لما روى عبد الله بن عمرو مرفوعا إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن ، ثم صلوا علي ، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ، ثم سلوا الله لي الوسيلة ، فإنها منزلة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو فمن [ ص: 332 ] سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة رواه مسلم ، ولم يذكر السلام معه ، فظاهره أنه لا يكره بدونه ، وقد ذكر النووي أنه يكره للنص .

تذنيب : ( اللهم ) أصله يا الله ، والميم بدل من يا ، قاله الخليل وسيبويه ، وقال الفراء : أصله يا الله أمنا بخير ، فحذف حرف النداء ، ولا يجوز الجمع بينهما ، إلا في الضرورة ، والدعوة بفتح الدال هي دعوة الأذان ، سميت تامة لكمالها ، وعظم موقعها ، وسلامتها من نقص يتطرق إليها ، وقال الخطابي : وصفها بالتمام ، لأنها ذكر الله يدعى بها إلى طاعته ، وهذه الأمور التي تستحق صفة الكمال والتمام ، وما سواها من أمور الدنيا فإنه معرض للنقص والفساد ، وكان الإمام أحمد يستدل بهذا على أن القرآن غير مخلوق ، قال : لأنه ما من مخلوق إلا وفيه نقص ، والصلاة القائمة التي ستقوم بصلاتها ، ويفعل بصلاتها ، والوسيلة منزلة عند الملك ، وهي منزلة في الجنة ، والمقام المحمود الشفاعة العظمى في موقف القيامة ، لأنه يحمده فيها الأولون والآخرون ، والحكمة في سؤال ذلك مع كونه واجب الوقوع بوعد الله تعالى إظهار كرامته وعظيم منزلته ، وقد وقع منكرا في الصحيح تأدبا مع القرآن فيكون قوله الذي وعدته منصوبا على البدلية ، أو على إضمار فعل ، أو مرفوعا على أنه خبر لمبتدأ محذوف .

مسائل : الأولى : إذا دخل المسجد لم يركع حتى يفرغ ، نص عليه ، ليجمع بين الفضيلتين ، وعنه : لا بأس ، قال في " الفروع " : ولعل المراد غير أذان الجمعة ، [ ص: 333 ] لأن سماع الخطبة أهم ، واختاره صاحب النظم ، ولا يقوم القاعد حتى يفرغ ، أو يقرب فراغه ، نص على معنى ذلك ، لأن الشيطان ينفر حين يسمع النداء .

الثانية : يعمل بالأذان في دارنا ، وكذا دار حرب إن علم إسلامه .

الثالثة : لا يؤذن غير الراتب إلا بإذنه ، إلا أن يخاف فوات الوقت فيؤذن غيره .

الرابعة : يستحب الدعاء بين الأذان والإقامة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة رواه أحمد ، والترمذي ، وحسنه ، وعند الإقامة ، فعله أحمد ، ورفع يديه ، وعن ابن عمر مرفوعا تفتح أبواب السماء لقراءة القرآن ، وللقاء الزحف ، ولنزول القطر ، ولدعوة المظلوم ، وللأذان رواه الحاكم بإسناد ضعيف .

التالي السابق


الخدمات العلمية