صفحة جزء
فصل وعلى السيد الإنفاق على رقيقه قدر كفايتهم وكسوتهم وتزويجهم إذا طلبوا ذلك . إلا الأمة إذا كان يستمتع بها ، ولا يكلفهم من العمل ما لا يطيقون . ويريحهم وقت القيلولة والنوم وأوقات الصلوات ويداويهم إذا مرضوا ويركبهم عقبة إذا سافر بهم ، وإذا ولي أحدهم طعامه أطعمه معه ، فإن أبى أطعمه منه ، ؛ ولا يسترضع الأمة لغير ولدها إلا أن يكون فيها فضل عن ريه ، ولا يجبر العبد على المخارجة . فإن اتفقا عليها جاز ، ومتى امتنع السيد من الواجب عليه فطلب العبد البيع لزمه بيعه وله تأديب رقيقه بما يؤدب به ولده وامرأته . وللعبد أن يتسرى بإذن سيده . وقيل : يبنى ذلك على الروايتين في ملك العبد بالتمليك ، ولو وهب له سيده أمة لم يكن له التسري بها إلا بإذنه .


فصل

( وعلى السيد الإنفاق على رقيقه ) عرفا ، ولو آبق وأمة ناشز ( قدر كفايتهم ) من غالب قوت البلد ، سواء كان قوت سيده ، أو دونه ، أو فوقه ، وأدم مثله بالمعروف ( وكسوتهم ) مطلقا ، أي : لأمثال الرقيق في ذلك البلد الذي هو فيه ، وكذا المسكن لما روى أبو هريرة مرفوعا ، قال : " للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق " رواه الشافعي ، والبيهقي بإسناد جيد . واتفقوا على وجوب ذلك على السيد ; لأنه أخص الناس به فوجبت نفقته عليه كبهيمته ، ومحله ما لم يكن للرقيق صنعة يتكسب بها ( و ) له ( تزويجهم إذا طلبوا ذلك ) كالنفقة لقوله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم [ النور : 32 ] والأمر يقتضي الوجوب ، ولأنه يخاف من ترك [ ص: 224 ] إعفافه الوقوع في المحظور ، وهو مخير بين تزويجه ، أو تمليكه أمة ، ولا يجوز تزويجه إلا باختياره إذا كان كبيرا ( إلا الأمة إذا كان يستمتع بها ) لأن المقصود قضاء الحاجة وإزالة ضرر الشهوة ، وإن شاء زوجها إذا طلبت ذلك ، وظاهره ولو مكاتبة بشرطه ، وفي " المستوعب " يلزمه تزويج المكاتبة بطلبها ، ولو وطئها وأبيح بالشرط ، ذكره ابن البنا لما فيه من اكتساب المهر فملكته كأنواع التكسب ، وظاهر كلامهم خلافه ، وهو أظهر لما فيه من إسقاط حق السيد وإلغاء الشرط ، وعلى الأول إن أبى أجبر عليه وتصدق في أنه لا يطأ على الأصح .

فرع : من غاب عن أم ولد ، زوجت ، نص عليه لحاجة نفقة ، وكذا أو وطء عند من جعله كنفقة ، وفي " الانتصار " يزوجها من يلي ماله أومأ إليه في رواية بكر ، وتلزمه نفقة ولد أمته الرقيق دون زوجها ، ويلزم حرة نفقة ولدها من عبد ، نص عليه ، ومكاتبة نفقة ولدها وكسبه لها وينفق على من بعضه حر بقدر رقه وبقيتها عليه ( ولا يكلفهم من العمل ما لا يطيقون ) لحديث أبي ذر ولا تكلفوهم ما يغلبهم ، فإن كلفتموهم فأعينوهم رواه البخاري ، ولأنه مما يشق عليه ، والمراد مشقة كثيرة ، ولا يجوز تكليف الأمة بالرعي ; لأن السفر مظنة الطمع لبعدها عن من يذب عنها ، وقد ذكر صاحب " المحرر " عن نقل أسماء النوى على رأسها للزبير من نحو ثلثي فرسخ من المدينة أنه حجة في سفر المرأة القصير بغير محرم ، ورعي جارية ابن الحكم - في معناه ، وأولى ، وقال غيره : يجوز ذلك قولا واحدا ; لأنه ليس بسفر شرعا ، ولا عرفا ، ولا يتأهب [ ص: 225 ] له أهبته .

( ويريحهم وقت القيلولة والنوم ، وأوقات الصلوات ) لأن العادة جارية بذلك ( ويداويهم إذا مرضوا ) وجوبا ، قاله جماعة : لأن نفقتهم تجب بالملك ، ولهذا تجب مع الصغر ، وظاهر كلام آخرين : يستحب ، قال في " الفروع " : وهو أظهر ، قال ابن شهاب في كفن الزوجة : العبد لا مال له ، فالسيد أحق بنفقته ومؤنته ، ولهذا النفقة المختصة بالمرض تلزمه من الدواء وأجرة الطبيب ، بخلاف الزوجة ( ويركبهم عقبة ) بوزن غرفة ، وهي النوبة ( إذا سافر بهم ) لئلا يكلفهم ما لا يطيقون ، ومعناه يركبه تارة ويمشيه أخرى ( وإذا ولي أحدهم طعامه أطعمه معه ، فإن أبى أطعمه منه ) لما روى أبو هريرة مرفوعا إذا كفى أحدكم خادمه طعامه حره ودخانه فليجلسه معه ، فإن أبى فليروغ له اللقمة ، واللقمتين ومعنى الترويغ غمسها في المرق ، والدسم ودفعها إليه ، ولأن الحاضر تتوق نفسه إلى ذلك ، ولكن لا يأكل إلا بإذنه . نص عليه ( ولا يسترضع الأمة لغير ولدها ) لأن فيه إضرارا بولدها للنقص من كفايته وصرف اللبن المخلوق له إلى غيره مع حاجته إليه كنقص الكبير عن كفايته ( إلا أن يكون فيها فضل عن ريه ) لأنه ملكه ، وقد استغنى عنه الولد ، فكان له استيفاؤه كما لو مات ولدها وبقي لبنها ، ولا يجوز له إجارتها بلا إذن زوج ، قال المؤلف : لاشتغالها عنه برضاع وحضانة ، وهذا إنما يجيء إذا آجرها في مدة حق الزوج ، فلو آجرها في غيره توجه الجواز وإطلاقه مقيد بتعليله ، وقد يحتمل ألا يلزم تقييده به ، فأما إن ضر ذلك بها لم يجز ( ولا يجبر العبد على المخارجة ) ومعناه أن يضرب عليه خراجا معلوما يؤديه إلى سيده ، وما فضل للعبد ; لأن ذلك عقد بينهما ، فلا يجبر عليه [ ص: 226 ] كالكتابة ( فإن اتفقا عليها جاز ) بشرط أن يكون قدر كسبه فأقل بعد نفقته لما روي أن أبا طيبة حجم النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه أجره وأمر مواليه أن يخففوا عنه من خراجه ، وكان كثير من الصحابة يضربون على رقيقهم خراجا ، وروي أن الزبير كان له ألف مملوك على كل واحد منهم درهم كل يوم ، وجاء أبو لؤلؤة إلى عمر بن الخطاب فسأله أن يسأل المغيرة بن شعبة أن يخفف عنه من خراجه ، فإن لم يكن له كسب ، أو وضع عليه أكثر من كسبه لم يجز ، وفي " الترغيب " : إن قدر خراجا بقدر كسبه لم يعارض ، وهو كعبد مأذون له في التصرف في هدية طعام وإعارة متاع وعمل دعوة ، وظاهر كلام جماعة : لا يملك ذلك ، وإن فائدة المخارجة ترك العمل بعد الضريبة

( ومتى امتنع السيد من الواجب عليه فطلب العبد البيع لزمه بيعه ) نص عليه كزوجة ، وقاله في " عيون المسائل " وغيرها في أم الولد ، وهو ظاهر كلامهم ، سواء امتنع السيد من ذلك لعجز ، أو غيره ; لأن بقاء ملكه عليه مع الإخلال بسد أمره إضرار به ، وإزالة الضرر واجبة ، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : جاريتك تقول أطعمني واستعملني إلى من تتركني رواه أحمد ، والدارقطني بإسناد صحيح ، ورواه البخاري من قول أبي هريرة ، ونقل أبو داود عنه : أتباع الجارية وهو يكسوها ويطعمها ؛ قال : لا إلا أن تحتاج إلى زوج ; لأن الملك للسيد ، فلا يجبر على إزالته من غير ضرر كما لا يجبر على طلاق زوجته مع القيام بما يجب لها ، ولا على بيع بهيمة مع الإنفاق عليها . ( وله تأديب رقيقه ) عبدا كان ، أو أمة ( بما يؤدب به ولده وامرأته ) أي : له تأديبهما بالتوبيخ ، والضرب كما يؤدب ولده وامرأته في النشوز [ ص: 227 ] ولا بأس بالزيادة على ذلك للأخبار الصحيحة ، وليس له ضربه على غير ذنب ، ولا أن يضربه ضربا مبرحا إن أذنب ، ولا لطمه في وجهه ; لما روى ابن عمر مرفوعا : من لطم غلامه فكفارته عتقه رواه مسلم ، ونقل حرب : لا يضرب إلا في ذنب بعد عفوه مرة ، أو مرتين ، ولا يضربه شديدا ، ونقل حنبل : لا يضربه إلا في ذنب عظيم لقوله - عليه السلام - إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ويقيده إذا خاف عليه ، ويضربه غير مبرح ، فإن وافقه ، وإلا باعه لقوله عليه السلام لا تعذبوا عباد الله .

( وللعبد أن يتسرى بإذن سيده ) نص عليه ، وهو قول قدماء الأصحاب من غير بناء على روايتي الملك وعدمه ، بل الخرقي وجماعة قالوا : إنه لا يملك ويباح له التسري ، نقل أبو طالب : أيتسرى العبد ؛ قال : نعم ، قال ذلك ابن عمر ، وابن عباس ، وغير واحد من التابعين ، وعطاء ، ومجاهد ، وأهل المدينة على هذا ، قيل لأبي عبد الله : فمن احتج بهذه الرواية والذين هم لفروجهم حافظون الآية ، [ المؤمنون : 5 ] فأي ملك للعبد ؛ قال : إذا ملكه ملك ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : من اشترى عبدا وله مال فقد جعل له ملكا وابن عمر ، وابن عباس أعلم بكتاب الله ممن احتج بهذه الآية ، ولأنه يملك في النكاح فملك التسري كالحر ، ولأنه آدمي فيملك المال كالحر ، وذلك لأنه بآدميته يتمهد لأهلية الملك إذا كان الله تعالى خلق الأموال للآدميين ليستعينوا بها على القيام بوظائف التكاليف ، وإذا ثبت الملك للجنين مع كونه نطفة لا حياة فيها - باعتبار مآله إلى الآدمية ، فالعبد الذي هو آدمي مكلف أولى ، وظاهره أنه إذا تسرى بغير إذنه أن الولد ملك للسيد ، فإن أذن له فيه وأطلق تسرى بواحدة فقط كالتزويج ، وإن أذن له في [ ص: 228 ] أكثر من واحدة فله التسري بما شاء . نص عليه ; لأن من جاز له التسري جاز له بغير حصر كالحر ( وقيل : يبنى ذلك على الروايتين في ملك العبد بالتمليك ) كذا بناه القاضي وعامة من بعده . احتج المانع بأن العبد لا يملك المال ، والوطء لا يكون إلا في نكاح ، أو ملك يمين للنص . واحتج المجيز بما سلف إذ الشارع يثبت من الملك ما فيه مصلحة العباد ويمنع ما فيه فسادهم ، والعبد محتاج إلى النكاح ، فالمصلحة تقتضي ثبوت ملك البضع له ، وإلا فكون العبد يملك مطلقا إضرار بالسيد ، ومنعه مطلقا إضرار به ، فالعدل ثبوت قدر الحاجة ، وقولهم إنه لا يملك المال - ممنوع ( ولو وهب له سيده أمة لم يكن له التسري بها إلا بإذنه ) لأن الهبة إن لم تصح فظاهر ، وإن صحت فالعبد محجور عليه ; لأنه لا يملك هبة ما في يده ، ولا شك أن ذلك يؤدي إلى تنقيص المال مرة ، وإلى الإعدام أخرى ; لأنها ربما حملت ، وذلك تنقيص ، ولذلك جعل عيبا في المبيع ، وربما ماتت منه ، وذلك إعدام ، فإن أذن له في التسري لم يصح رجوعه فيه . نص عليه في رواية محمد بن ماهان ، وإبراهيم بن هانئ كالنكاح ، قال ابن حمدان : حيث يجب إعفافه ، ولأنه ملكه بضعا أبيح له وطؤه كما لو زوجه .

فرع : إذا ملك المعتق بعضه بجزئه الحر فله وطؤها بلا إذن سيده في الأقيس ، ولا يتزوج إلا بإذنه .

التالي السابق


الخدمات العلمية