صفحة جزء
فصل : ولا يستوفى القصاص إلا بحضرة السلطان . وعليه تفقد الآلة التي يستوفى بها القصاص ، فإن كانت كالة منعه الاستيفاء بها وينظر في الولي ، فإن كان يحسن الاستيفاء ويقدر عليه أمكنه منه وإلا أمره بالتوكيل ، فإن احتاج إلى أجرة فمن مال الجاني . والولي مخير بين الاستيفاء بنفسه إن كان يحسن وبين التوكيل ، وقيل : ليس له أن يستوفي في الطرف بنفسه بحال ، وإن تشاح أولياء المقتول في الاستيفاء قدم أحدهم بالقرعة .


فصل

( ولا يستوفى القصاص إلا بحضرة السلطان ) أو نائبه لأنه يفتقر إلى اجتهاده ، ولا يؤمن فيه الحيف مع قصد التشفي ، فلو خالف وقع الموقع ; لأنه [ ص: 289 ] استوفى حقه ، وفي " المغني " ، و " الشرح " يعزره لافتئاته على السلطان ، وفي " عيون المسائل " : لا يعزره ; لأنه حق له كالمال ، ويحتمل جوازه بغير حضرته إذا كان القصاص في النفس ; لأنه - عليه السلام - أتاه رجل يقود آخر ، فقال : إن هذا قتل أخي فاعترف بقتله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اذهب فاقتله رواه مسلم . ولأن اشتراط حضوره لا يثبت إلا بدليل ، ولم يوجد ويستحب حضور شاهدين لئلا ينكر المقتص الاستيفاء ( وعليه تفقد الآلة التي يستوفى بها القصاص ) لأن منها ما لا يجوز الاستيفاء به ( فإن كانت كالة ) أو مسمومة ( منعه الاستيفاء بها ) لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا قتلتم فأحسنوا القتلة رواه مسلم من حديث شداد ، ولئلا يعذب المقتول ، ولأن المسمومة تفسد البدن وربما منعت غسله ، وإن عجل فاستوفى بذلك عزر لفعله ما لا يجوز ( وينظر في الولي ، فإن كان يحسن الاستيفاء ويقدر عليه ) بالقوة ، والمعرفة ( أمكنه منه ) لقوله تعالى : ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا [ الإسراء : 33 ] وللخبر ، وكسائر حقوقه ، ولأن المقصود التشفي ، وتمكينه منه أبلغ في ذلك ، فإن ادعى المعرفة بالاستيفاء فأمكنه السلطان منه بضرب عنقه فأبانه فقد استوفى حقه ، وإن أصاب غيره وأقر بتعمد ذلك عزر ، فإن قال أخطأت ، وكانت الضربة في موضع قريب من العنق قبل قوله مع يمينه ، ثم إن أراد العود فقيل : لا يمكن ; لأنه ظهر منه أنه لا يحسن ، وقيل : بلى ، واختاره القاضي ; لأن الظاهر أنه يحترز عن مثل ذلك ثانيا ( وإلا أمره بالتوكيل ) لأنه عاجز عن استيفائه فيوكل فيه من يحسنه ; لأنه قائم مقامه ( فإن احتاج إلى أجرة فمن مال الجاني ) كالحد [ ص: 290 ] ولأنها أجرة لإيفاء ما عليه من الحق ، فكانت لازمة له كأجرة الكيال ، وقال أبو بكر : تكون من الفيء ، فإن لم تكن فمن الجاني ، وذكر المؤلف في " الكافي " أن بدل العوض من بيت المال ، فإن لم تكن فمن الجاني ، والذي ذكره أبو بكر ، والقاضي في " خلافيهما " أن الأجرة على الجاني ، قال في " الشرح " وذهب بعض أصحابنا أنه يرزق من بيت المال رجل يستوفي الحدود ، والقصاص ; لأن هذا من المصالح العامة ، فإن لم يحصل ، فعلى الجاني لأن الحق عليه فيلزمه أجرة الاستيفاء كأجرة الوزان ويتوجه لو قال : أنا أقتص من نفسي ، ولا أؤدي أجرة ، هل يقبل منه أم لا ؛ وقيل : على المقتص ; لأنه وكيله ، فكانت الأجرة على موكله كسائر المواضع ، والذي على الجاني التمكين دون الفعل ، ولو كانت عليه أجرة الوكيل للزمه أجرة الولي إذا استوفى بنفسه ( والولي مخير بين الاستيفاء بنفسه إن كان يحسن وبين التوكيل ) هذا المذهب ; لأن التوكيل حق له ، فكان الخيرة فيه كسائر حقوقه ( وقيل : ليس له أن يستوفي في الطرف بنفسه بحال ) قدمه في " الكافي " ; لأنه لا يؤمن أن يجنى عليه بما لا يمكن تلافيه ، وقيل : يمنع منه فيهما كجهله ، واختاره ابن عقيل ، والأول أولى ، قال القاضي : ظاهر كلام أحمد أنه يمكن منه ; لأنه أحد نوعي القصاص فيمكن منه كالقصاص في النفس ( وإن تشاح أولياء المقتول في الاستيفاء قدم أحدهم ) لأنه لا يجوز اجتماعهم على القتل لما فيه من تعذيب الجاني وتعدد أفعالهم ، ولا مزية لأحدهم فوجب التقديم ( بالقرعة ) كما لو تشاحوا في تزويج موليتهم فمن خرجت له القرعة استأذن شركاءه في الاستيفاء ، ولا يجوز بغير إذنهم ; لأن الحق لهم [ ص: 291 ] فإن لم يتفقوا على توكيل أحد لم يستوف حتى يوكلوا ، وقال ابن أبي موسى : إذا تشاحوا أمر الإمام من شاء باستيفائه .

تنبيه : إذا اقتص جان من نفسه برضا ولي جاز ، قدمه في " المحرر " ، و " الرعاية " ، وجزم به في " الوجيز " ، وفي " المغني " ، و " الشرح " خلافه ، وأطلقهما في " الفروع " وصحح في " الترغيب " : لا يقع قودا ، وفي " البلغة " ‌‌‌‌‌‌‌‌‌يقع ، قال في " الرعاية " : ولو أقام حد زنا ، أو قذف على نفسه بإذن لم يسقط ، بخلاف قطع سرقة وله أن يختن نفسه إن قوي عليه وأحسنه . نص عليه ; لأنه يسير ، لا قطع في سرقة لفوات الردع ، وقال القاضي : على أنه لا يمتنع القطع بنفسه ، وإن منعناه فلأنه ربما اضطربت يده فجنى على نفسه ، ولم يعتبر على جوازه إذنا ، قال في " الفروع " : ويتوجه اعتباره ، وهل يقع الموقع ؛ يتوجه على الوجهين في القود ، ويتوجه احتمال في حد زنا ، وقذف وشرب كحد سرقة وبينهما فرق لحصول المقصود في القطع في السرقة ، وهو قطع العضو الواجب قطعه وعدم حصول الردع ، والزجر بجلده نفسه .

التالي السابق


الخدمات العلمية