صفحة جزء
فصل : الثالث : إرسال الآلة قاصدا للصيد ، فإن استرسل الكلب ، أو غيره بنفسه ، لم يبح صيده وإن زجره ، إلا أن يزيد عدوه بزجره ، فيحل . وإن أرسل كلبه أو سهمه إلى هدف فقتل صيدا ، أو أرسله يريد الصيد ، ولا يرى صيدا ، لم يحل صيده إذا قتله ، وإن رمى حجرا يظنه صيدا ، فأصاب صيدا ، لم يحل ، ويحتمل أن يحل . وإن رمى صيدا ، فأصاب غيره حل ، وإن رمى صيدا فقتل جماعة حل ، وإن أرسل سهمه على صيد فأعانته الريح فقتلته ، ولولاها ما وصل - حل ، وإن رمى صيدا فأثبته ملكه ، فإن تحامل فأخذه غيره لزمه رده ، وإن لم يثبته ، فدخل خيمة إنسان فأخذه ، فهو لآخذه ، ولو وقع في شبكته صيد ، فإن خرقها ، وذهب بها ، فصاده آخر ، فهو للثاني ، وإن كان في سفينة ، فوثبت سمكة فوقعت في حجره ، فهي له دون صاحب السفينة . وإن صنع بركة ليصيد بها السمك ، فما حصل فيها ملكه ، وإن لم يقصد بها ذلك لم يملكه ، وكذلك إن حصل في أرضه سمك ، أو عشش فيها طائر ، لم يملكه ولغيره أخذه ، ويكره صيد السمك بالنجاسة ، وصيد الطير بالشباش . وإذا أرسل الصيد ، وقال : أعتقتك ، لم يزل ملكه عنه ، ويحتمل أن يزول ، ويملكه من أخذه .


( الثالث : إرسال الآلة قاصدا للصيد ) فعلى هذا لو سقط سيف من يده عليه ، فعقره ، أو احتكت شاة بشفرة في يده ، لم تحل ( فإن استرسل الكلب ، أو غيره بنفسه ، لم يبح صيده ) في قول أكثرهم ، وقال عطاء والأوزاعي : يؤكل إذا جرحه الصائد ، وقال إسحاق : إذا سمى عند انفلاته أبيح ، وروي بإسناده عن ابن عمر أنه سئل عن الكلاب تنفلت من مرابطها ، فتصيد الصيد ، قال : إذا سمى فكل ، قال الخلال : هذا على معنى قول أبي عبد الله ، وجوابه : قوله عليه السلام : إذا أرسلت كلبك المعلم ، وذكرت اسم الله عليه فكل . متفق عليه . ولأن إرسال الجارحة جعل بمنزلة الذبح ، ولهذا اعتبرت التسمية معه ( وإن زجره ) أي : لم يحل ، لأن الزجر لم يزد شيئا عن استرسال الصائد بنفسه ( إلا أن يزيد عدوه بزجره فيحل ) لأن زجره له أثر في عدوه ، فصار كما لو أرسله ، لأن فعل الآدمي إذا انضاف إلى فعل البهيمة ، كان الاعتبار بفعل الآدمي ، بدليل ما لو عدا على إنسان ، فأغراه آدمي فأصابه ، ضمن ، فلو أرسله بغير تسمية ، ثم [ ص: 246 ] سمى وزجره ، فزاد عدوه ، فظاهر كلام أحمد : إباحته ، لأنه انزجر بتسميته وزجره ، أشبه التي قبلها ، وقال القاضي : لا ، لأن الحكم تعلق بالإرسال الأول ، بخلاف ما إذا استرسل بنفسه ، ونقل حرب : إن صاد من غير أن يرسله لا يعجبني ، واحتج بأنه لم يذكر اسم الله عليه ، وفي الروضة : إن استرسل الطائر بنفسه فصاد وقتل ، حل وأكل منه ، بخلاف الكلب ( وإن أرسل كلبه ، أو سهمه إلى هدف ) وهو كل مرتفع من بناء ، أو كثيب رمل ، أو جبل ( فقتل صيدا ، أو أرسله يريد الصيد ، ولا يرى صيدا ، لم يحل صيده إذا قتله ) لأن قصد الصيد شرط ، ولم يوجد ، وقيل : لا يحرم في السهم ( وإن رمى حجرا يظنه صيدا ، فأصاب صيدا ، لم يحل ) قدمه السامري ، وجزم به في الوجيز ، لأنه لم يقصد صيدا على الحقيقة ، وكما لو أرسله على غير شيء ، أو ظنه أو علمه غير صيد ، فأصاب صيدا ( ويحتمل أن يحل ) اختاره في المغني ، لأن صحة القصد تنبني على الظن ، وقد وجد وصح ، وكما لو رمى غيره ، أو هو وغيره ، نص عليه ، فإن شك ، هل هو صيد أم لا ؛ لم يبح ، لأن صحة القصد تنبني على العلم ، ولم يوجد .

تتمة : إذا قصد إنسانا أو حجرا ، أو رمى عبثا غير قاصد صيدا فقتله ، لم يحل ، لأنه لم يقصد صيدا ، لكون القصد لا يتحقق إلا بعلمه ، وإن ظنه صيدا ، فإذا هو صيد حل ، وإن ظنه كلبا أو خنزيرا ، لم يبح ، قال في الرعاية : وإن رمى ما ظنه حجرا ، أو آدميا ، فبان صيدا ، أو رمى حجرا ظنه صيدا ، فأصاب صيدا ، أو سمع حسا ليلا ، أو رأى سوادا ، فأرسل عليه جارحة ، أو سهمه ، فأصاب صيدا فوجهان .

[ ص: 247 ] وقيل : إن ظنه آدميا معصوما ، أو بهيمة ، أو حجرا ، فقتله ، فإذا هو صيد ، لم يبح ( وإن رمى صيدا فأصاب غيره ، حل ) والجارح كالسهم في هذا ، نص عليه ، لعموم الآية والخبر ، ولأنه أرسله على صيد ، فحل ما صاده ، كما لو أرسلها على كبار فتفرقت عن صغار ، أو كما لو أخذ صيدا في طريقه ( وإن رمى صيدا فقتل جماعة حل ) لأن شرط الحل قصد الصيد في الجملة ، لا قصد الصيد بعينه ، وهو موجود فيهما ( وإن أرسل سهمه على صيد فأعانته الريح فقتلته ، ولولاها ما وصل ، حل ) لأنه قتله بسهمه ورميه ، أشبه ما لو وقع سهمه على حجر ، فرده على الصيد فقتله ، ولأن الإرسال له حكم الحل ، والريح لا يمكن الاحتراز عنها ، فسقط اعتبارها ( وإن رمى صيدا فأثبته ملكه ) لأنه أزال امتناعه ، أشبه ما لو قتله ( فإن تحامل فأخذه غيره لزمه رده ) لأنه ملكه فلزمه ، كما يلزمه رد ملك غيره ، كالشاة ونحوها ( وإن لم يثبته ، فدخل خيمة إنسان ) أو غيرها ( فأخذه فهو لآخذه ) لأن الأول لم يملكه ، لكونه ممتنعا ، فملكه الثاني بأخذه ، وقال ابن حمدان : إن خرج منها ، وإلا فلا ، وقيل : هو لصاحب الخيمة ، ولو نصب خيمة للأخذ ملكه ، وإن مات فيها ، فهو له .

فرع : إذا رمى طيرا على شجرة في دار قوم ، فطرحه في دارهم فأخذوه ، فهو للرامي ، لأنه ملكه بإزالة امتناعه ، ذكره في الشرح وفي عيون المسائل : إن حمل نفسه فسقط خارج الدار ، فهو له ، وإن سقط فيها فهو لهم ، وفي الرعاية : لغيره أخذه على الأصح ، والمنصوص أنه للموحي ( ولو وقع في شبكته ) أو [ ص: 248 ] فخه أو شركه ( صيد ) فهو له ، لأنه أثبته بآلته ( فإن خرقها ، وذهب بها ، فصاده آخر ، فهو للثاني ) لأنه لم يملكه الأول ، وما معه لقطة ، فإن كان يمشي بالشبكة على وجه لا يقدر على الامتناع ، فهو لصاحبها ، لكن إن أمسكه الصائد وثبتت يده عليه ، ثم انفلت منه ، لم يزل ملكه عنه ، كما لو شردت فرسه ، أو ند بعيره ، ويستثنى من ذلك ما لو صاده فوجد عليه علامة كقلادة في عنقه أو قرط في أذنه ، فلو وجد طائرا مقصوص الجناح فلقطة ، ويملك الصيد بإلجائه إلى مضيق يعجز عن الانفلات منه ، وكذا إذا وقع في دبق من الطيران ( وإن كان في سفينة فوثبت سمكة فوقعت في حجره ، فهي له دون صاحب السفينة ) قدمه في المحرر والرعاية ، وجزم به في المستوعب والشرح ، لأن السمك من الصيد المباح ، فملكت بالسبق إليها ، كما لو فتح حجره للأخذ ، زاد في الوجيز : ما لم تكن السفينة معدة للصيد ، في هذا الحال ، وقيل : هو قبل أن يأخذه على الإباحة ، فيكون لمن أخذه ، ومقتضاه : أنها إذا وقعت فهي لصاحبها ، لأن السفينة ملكه ، ويده عليها ، لكن إن كانت السمكة وثبت بفعل إنسان لقصد الصيد فهي له دون من وقعت في حجره ، لأن الصائد أثبتها بذلك .

فرع : إذا دخلت ظبية داره ، فأغلق بابه وجهلها ، أو لم يقصد تملكها ، ومثله إحياء أرض بها كنز ملكه ، كنصب خيمة ، وفي الترغيب : إن دخل الصيد داره ، فأغلق بابه ، أو برجه ، فسد المنافذ ، أو حصلت السمكة في بركته ، فسد مجرى الماء ، فقيل : يملكه ، وقيل : إن سهل تناوله منه ، وإلا كمتحجر للأحياء ، ويحتمل اعتبار [ ص: 249 ] قصد التملك بغلق وسد ، فعلى الأول : ما يبنيه الناس من الأبرجة ، فتعشعش بها الطيور يملكون الفراخ ، إلا أن تكون الطيور مملوكة ، فهي لأربابها ، نص عليه ، ولو تحول طير من برج زيد إلى برج عمرو ، لزم عمرا رده ، وإن اختلط ولم يتميز منع عمرو من التصرف على وجه ينقل الملك حتى يصطلحا ، ولو باع أحدهما الآخر حقه ، أو وهبه ، صح في الأقيس ( وإن صنع بركة ليصيد بها السمك ، فما حصل فيها ملكه ) لأنها آلة للصيد ، قصد بها السمك فملكه ، وكما لو وقع في شبكة ، أو فخ ، أو منجل ( وإن لم يقصد بها ذلك لم يملكه ) كما لو توحل الصيد في أرضه ، وفي الترغيب : ظاهر كلامه : يملكه بالتوحل ( وكذلك إن حصل في أرضه سمك ، أو عشش فيها طائر لم يملكه ) لأن الأرض ليست معدة لذلك ، أشبه البركة التي لم يقصد بها الاصطياد ، نقل صالح وحنبل ، فيمن صاد من نخلة بدار قوم : هو له ، فإن رماه ببندقة فوقع فيها فهو لأهلها ( ولغيره أخذه ) على الأصح ، قاله في الرعاية ، كما يجوز له أخذ الماء والكلأ ، ولأنه باق على الإباحة الأصلية ، لكن يأثم بدخولها بدون إذن ربها ، وقيل : مستأجرها أولى من ربها ، والمنصوص أنه للمؤجر ( ويكره صيد السمك بالنجاسة ) قدمه في المستوعب والرعاية ، وجزم به في الوجيز ، لما فيه من أكل السمك للنجاسة ، فيصير كالجلالة ، وعنه : يحرم ، قدمه في الفروع ، ونقله الأكثر ، وقال : استعن عليهم بالسلطان ، وفي المبهج فيه : وبمحرم ، روايتان . وكره أحمد الصيد ببنات وردان ، وقال : مأواها الحشوش ، وكذا بالضفادع ( وصيد الطير بالشباش ) وهو طائر تخيط عينيه ويربط ، لأن فيه تعذيبا للحيوان .

[ ص: 250 ] وكذا يكره من وكره ، أطلقه في الترغيب وغيره لا بليل ، وظاهر رواية ابن القاسم : لا ، كالفرخ منه ، ولا بما يسكر ، نص على ذلك ، وفي مختصر ابن رزين : يكره بليل .

فائدة : لا بأس بشبكة ، وفخ ، ودبق ، قال أحمد : وكل حيلة ، وذكر جماعة : يكره بمثقل ، كبندق ، وكره الشيخ تقي الدين الرمي به مطلقا ، لنهي عثمان ، ونقل ابن منصور : لا بأس ببيع البندق ، يرمى به الصيد ، لا للعبث ، وقال ابن هبيرة : هو معصية ، فلو منعه الماء حتى صاده حل أكله ، وحرمه في الرعاية ، ونقل حنبل : لا يصاد الحمام إلا أن يكون وحشيا ( وإذا أرسل الصيد ، وقال : أعتقتك لم يزل ملكه عنه ) في ظاهر المذهب ، وذكره ابن حزم إجماعا ، كبهيمة الأنعام ، وكانفلاته ، أو ند أياما ، ثم صاده آخر ، نص عليه ، ولأن الإرسال والاعتقاق لا يوجب زوال ذلك ، قال ابن عقيل : لا يجوز أعتقتك في حيوان مأكول ، لأنه فعل الجاهلية ( ويحتمل أن يزول ، ويملكه من أخذه ) لأن الأصل الإباحة ، والإرسال يرده إلى أصله بخلاف بهيمة الأنعام ، ولأن الإرسال هنا بعيد ، وهو : رد الصيد إلى الخلاص من أيدي الآدميين ، ولهذا روي عن أبي الدرداء أنه اشترى عصفورا من صبي ، فأطلقه ، ولأنه يجب إرساله على المحرم إذا أحرم ، بخلاف بهيمة الأنعام ، قال بعض أصحابنا : العتق إحداث قوة تصادف الرق ، وهو ضعف شرعي يقوم بالمحل ، فيمنعه عن دفع يد الاستيلاء عنه ، والرق غير المالية .

التالي السابق


الخدمات العلمية