صفحة جزء
فصل : القسم الثاني : الأسماء الحقيقية ، إذا حلف لا يأكل اللحم ، فأكل الشحم ، أو المخ ، أو الكبد ، أو الطحال ، أو القلب ، أو الكرش ، أو المصران ، أو الإلية والدماغ والقانصة ، لم يحنث . وإن أكل المرق لم يحنث ، وقد قال أحمد : لا يعجبني ، قال أبو الخطاب : هذا على سبيل الورع ، وإن حلف لا يأكل الشحم ، فأكل شحم الظهر حنث ، وإن حلف لا يأكل لبنا ، فأكل زبدا ، أو سمنا ، أو كشكا ، أو مصلا ، أو جبنا ، لم يحنث ، وإن حلف على الزبد والسمن ، فأكل لبنا لم يحنث ، وإن حلف لا يأكل الفاكهة ، فأكل من ثمر الشجر كالجوز ، واللوز ، والتمر ، والرمان ، حنث ، وإن أكل البطيخ حنث ، ويحتمل أن لا يحنث ، ولا يحنث بأكل القثاء والخيار ، وإن حلف لا يأكل رطبا ، فأكل مذنبا حنث ، وإن أكل تمرا أو بسرا ، أو حلف لا يأكل تمرا ، فأكل رطبا أو دبسا أو ناطفا لم يحنث ، وإن حلف : لا يأكل أدما حنث بأكل البيض والشواء والجبن والملح والزيتون واللبن وسائر ما يصبغ به ، وفي التمر وجهان ، وإن حلف لا يلبس شيئا ، فلبس ثوبا ، أو درعا ، أو جوشنا ، أو خفا ، أو نعلا ، حنث ، وإن حلف لا يلبس حليا ، فلبس حلية ذهب أو فضة أو جوهر حنث ، وإن لبس عقيقا أو سبجا لم يحنث ، وإن لبس الدراهم والدنانير في مرسلة فعلى وجهين ، وإن حلف لا يركب دابة فلان ، أو لا يلبس ثوبه ، أو لا يدخل داره ، فركب دابة عبده ، ولبس ثوبه ، ودخل داره ، أو فعل ذلك فيما استأجره ، فلا حنث ، وإن ركب دابة استعارها فلان لم يحنث ، وإن حلف لا يركب دابة عبده فركب دابة جعلت برسمه حنث ، وإن حلف لا يدخل دارا ، فدخل سطحها حنث ، وإن دخل طاق الباب احتمل وجهين ، وإن حلف لا يكلم إنسانا حنث بكلام كل إنسان ، وإن زجره ، فقال : تنح ، أو اسكت ، حنث ، وإن حلف لا يبتدئه بكلام ، فتكلما معا حنث ، وإن حلف لا يكلمه حينا فذلك ستة أشهر ، نص عليه ، وإن قال : زمنا ، أو دهرا ، أو بعيدا ، أو مليا ، رجع إلى أقل ما يتناوله اللفظ ، وإن قال : عمرا ، احتمل ذلك ، واحتمل أن يكون أربعين عاما ، وقال القاضي : هذه الألفاظ كلها مثل الحين ، إلا بعيدا أو مليا ، فإنه على أكثر من ستة أشهر ، وإن قال : الأبد ، والدهر ، فذلك على الزمان كله ، والحقب ثمانون سنة ، والشهور اثنا عشر عند القاضي ، وعند أبي الخطاب ثلاثا كالأشهر ، والأيام ثلاثة ، وإن حلف لا يدخل باب هذه الدار فحول ودخله حنث ، وإن حلف لا يكلمه إلى حين الحصاد ، انتهت يمينه بأوله ، ويحتمل أن يتناول جميع مدته ، وإن حلف لا مال له ، وله مال غير زكوي ، أو دين على الناس حنث ، وإن حلف لا يفعل شيئا ، فوكل من فعله ، حنث إلا أن ينوي .


فصل

( القسم الثاني : الأسماء الحقيقية ) وهي نسبة إلى الحقيقة ، وهو اللفظ المستعمل في وضع أول .

( وإذا حلف لا يأكل اللحم ، فأكل الشحم ، أو المخ ، أو الكبد ، أو الطحال ، أو القلب ، أو الكرش ، أو المصران ، أو الإلية والدماغ والقانصة لم يحنث ) لأنه لا يسمى لحما وينفرد ، علقه باسمه وصفته ، ولو أمر وكيله بشراء لحم فاشترى شيئا من هذه لم يكن ممتثلا ، ولا ينفذ الشراء ، وقال كثير من العلماء : يحنث بأكل ذلك ، لأنه لحم حقيقة ، قال في الشرح : لا نسلم أنه لحم حقيقة ، بل هو من الحيوان كالعظم ، وعلى الأول : يحنث إذا قصد اجتناب الدسم ، ولا يحنث بأكل كارع وذنب ، فإن أكل من الشحم الذي على الظهر والجنب وفي تضاعيف اللحم لم يحنث في ظاهر قول الخرقي ، وقال القاضي وأبو الخطاب : يحنث بأكله ، لأنه لا يسمى شحما ، ولا بائعه شحاما ، ويسمى لحما سمينا ، ولو وكل في شراء اللحم فاشتراه لزمه ، وجه الأول قوله تعالى : [ ص: 296 ] ومن البقر والغنم الآية ] الأنعام : 146 [ لأنه يشبه الشحم في صفته وذوبه ، ولا نسلم أنه لا يسمى شحما ، ولا أنه بمفرده يسمى لحما ، ولا يسمى بائعه شحاما ، بل لحاما ، لأنه يسمى ما هو الأصل دون التبع ، وفي كلا الدليلين نظر ، إذ بمجرد شبه الشيء بالشيء لا يقتضي أن يسمى باسمه ويعطى حكمه ، على أن شبه سمين الظهر بالإلية أقرب من شبهه بالشحم .

فرع : لم يتعرض المؤلف لحكم لحم الرأس واللسان والسنام ، وما لا يؤكل لحمه ، أو أكل السمين ، وفيه وجهان .

أحدهما : لا يحنث ، لأن اسم اللحم لا ينصرف عند الإطلاق إليه ، وعنه فيمن حلف لا يشتري لحما فاشترى رأسا أو كارعا لا يحنث ، إلا أن ينوي .

والثاني : بلى ، لأنه لحم ، ويحنث بأكل لحم ما لا يؤكل لحمه ، ذكره في الشرح ، واقتصر عليه ( وإن أكل المرق لم يحنث ) في الأصح ، لأنه ليس بلحم ( وقد قال أحمد : لا يعجبني ) وهو قول القاضي ، لأنه لا يخلو ( من قطع اللحم ، قال أبو الخطاب : هذا على سبيل الورع ) لأنه ليس بلحم حقيقة ، ولا يطلق عليه ، فلم يحنث به كالكبد ، ولا نسلم أن أجزاء اللحم فيه ، وإنما فيه ماء اللحم ، ودهنه . ( وإن حلف لا يأكل الشحم ، فأكل شحم الظهر حنث ) أي : إذا أكل بياض اللحم كسمين الظهر ، يحنث في قول الخرقي ، وقدمه في المحرر ، وجزم به في الوجيز ، لأن ذلك يسمى شحما ، ويشارك شحم البطن في اللون والذوب ، وظاهر الآية والعرف يشهد لذلك ، وهو قول طلحة العاقولي ، وعلى هذا يحنث بأكل الإلية ، وقال القاضي وغيره : الشحم هو الذي يكون في الجوف من شحم الكلى وغيره ، فعلى هذا لا يحنث بأكل الإلية ، أو اللحم الأبيض ، قال الزركشي : وهذا هو الصواب ، فإن أكل اللحم [ ص: 297 ] الأحمر لم يحنث ، لأنه لا يظهر فيه شيء من الشحم ، وقال الخرقي : يحنث ، لأن اللحم لا يخلو من شحم .

( وإن حلف لا يأكل لبنا ، فأكل زبدا ، أو سمنا ، أو كشكا ، أو مصلا ، أو جبنا ) أو أقطا ( لم يحنث ) نص عليه ، اقتصر عليه في الكافي ، وقدمه في الرعاية ، وغيرها ، لأنه لا يسمى لبنا ، وهذا إن لم يظهر طعمه كما ذكره المؤلف بعد ، وعنه : يحنث فيها ، وقال القاضي : يحتمل أن يقال في الزبد إن ظهر فيه لبن ، حنث بأكله ، وإلا فلا ، وعلى الأول : لو أكل من لبن الأنعام ، أو الصيد ، أو لبن آدمية ، حنث ، حليبا كان ، أو رائبا ، مائعا ، أو جامدا ، لأن الجميع لبن . ( وإن حلف على الزبد والسمن ، فأكل لبنا لم يحنث ) ذكره معظم الأصحاب ، لأنه لا يسمى زبدا ولا سمنا ، وفي المغني إن لم يظهر فيه الزبد لم يحنث ، وإن ظهر حنث ، لأن ظهوره كوجوده ، وكذا إن حلف على الزبد ، فأكل سمنا ، وإن أكل سمنا وإن أكل جبنا لم يحنث ، وكذلك سائر ما يصنع من اللبن ، وإن حلف لا يأكل سمنا ، فأكل شيئا مما يصنع من اللبن سوى السمن لم يحنث ، وفي الزبد وجه ، فإن أكل السمن منفردا أو في طبيخ يظهر فيه طعمه حنث . ( وإن حلف لا يأكل الفاكهة فأكل من ثمر الشجر ) غير بري ( كالجوز ، واللوز ، والتمر ، والرمان ) والموز ، والأترج ، والنبق ، والأصح ولو يابسا كصنوبر وعناب ( حنث ) لأن ذلك يسمى فاكهة عرفا وشرعا ، ويسمى بائع ثمرة النخل والرمان فاكهانيا لا يقال : ينبغي أن يكونا ليسا من الفاكهة ، لقوله تعالى : فيهما فاكهة ونخل ورمان لأنهما ثمرة شجرة يتفكه بهما كسائر الأشياء ، والعطف لا يقتضي المغايرة ، بل لتشريفهما وتخصيصهما ، لقوله تعالى : من كان عدوا لله الآية [ ص: 298 ] ] البقرة : 97 [ وليس منها زيتون ، وبلوط ، وبطم ، وزعرور أحمر ، وآس ، وسائر ثمر بري لا يستطاب ، وإن حلف لا يأكل من هذه الشجرة حنث بالثمرة فقط ، ولو لقط من تحتها ( وإن أكل البطيخ حنث ) جزم به في المستوعب والوجيز ، لأنه ينضج ويحلو ، أشبه ثمرة الشجر ( ويحتمل أن لا يحنث ) ذكره في الكافي والمحرر وجها ، لأنه ثمر بقله كالخيار ( ولا يحنث بأكل القثاء والخيار ) وسائر الخضروات ، كقرع ، وباذنجان ، وجزر ، ولفت ، وفجل ، وقلقاس ، لأنه لا يسمى فاكهة ، ولا هو في معناه . ( وإن حلف لا يأكل رطبا فأكل مذنبا ) وهو الذي بدا فيه الإرطاب من ذنبه ، وباقيه بسرا ومنصفا ، وهو الذي بعضه بسر وبعضه رطب ، أو لا يأكل بسرا ، فأكل ذلك ( حنث ) قدمه في المحرر ، ونصره في الشرح ، وجزم به في الوجيز ، لأن آكله قد أكل الرطب ، وقال ابن عقيل : لا يحنث ، لأنه لا يسمى رطبا .

فرع : حلف واحد : ليأكلن رطبا ، وآخر : ليأكلن بسرا ، فأكل الأول ما في النصف من الرطبة ، وأكل الآخر باقيها بر ( وإن أكل تمرا أو بسرا ) لم يحنث ، لأنه ليس برطب ( أو حلف : لا يأكل تمرا ، فأكل رطبا ، أو دبسا ، أو ناطفا ، لم يحنث ) ذكره في المحرر والوجيز ، لأنه ليس بثمر ، وإن أكل رطبا غير بسر ، قال ابن حمدان : أو هما عن مذنب ، فلا حنث .

( وإن حلف : لا يأكل أدما حنث بأكل البيض والشواء ) نص عليه ( والجبن والملح ) في الأشهر فيه ( والزيتون ، واللبن ، وسائر ما يصبغ به ) أي : ما يغمس ، ويسمى ذلك المغموس فيه صبغا ، لأن ما جرت العادة به هو التأدم [ ص: 299 ] قال الله تعالى : وصبغ للآكلين ] المؤمنون : 20 [ وقال النبي صلى الله عليه وسلم : نعم الأدم الخل . رواه مسلم . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ائتدموا بالزيت ، وادهنوا به . رواه ابن ماجه ، ورجاله ثقات ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : سيد أدم أهل الدنيا والآخرة اللحم . رواه ابن قتيبة في غريبه ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : سيد إدامكم الملح . رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف ، ولأنه يؤكل عادة ويعد للتأدم فكان أدما ( وفي التمر وجهان ) كذا في المحرر والفروع .

أحدهما : هو أدم ، وجزم به في الوجيز ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وضع تمرة على كسرة ، وقال : هذه إدام هذه . رواه أبو داود ، والبخاري في تاريخه .

والثاني : لا ، لأنه لا يؤتدم به عادة ، وهو فاكهة ، قال في الفروع : ويتوجه عليهما زبيب ونحوه ، وهو ظاهر كلام جماعة ، وفي المغني والشرح : لا يحنث .

فرع : القوت : خبز ، وفاكهة يابسة ، ولبن ، ونحوه ، وقيل : قوت أهل بلده ، ويحنث بحب يقتات في الأصح ، والطعام ما يؤكل ويشرب ، وفي ماء ، ودواء ، وورق شجر ، وتراب ، ونحوها ، وجهان ، والعيش ، وفي اللغة العيش الحياة ، فيتوجه ما يعيش به ، فيكون كالطعام .

( وإن حلف لا يلبس شيئا فلبس ثوبا أو درعا ، أو جوشنا ، أو خفا ، أو نعلا حنث ) لأنه ملبوس حقيقة وعرفا ، فحنث به كالثياب ، لكن لو أدخل يده في الخف أو النعل لم يحنث ، وإن حلف لا يلبس ثوبا حنث كيف لبسه ، ولو تعمم به ، ولو ارتدى بسراويل ، أو اتزر بقميص لإبطيه ، ولا بتركه على رأسه ، ولا بنومه عليه ، وإن تدثر به فوجهان ، وإن قال : قميصا ، فاتزر به ، لم يحنث ، وإن ارتدى فوجهان ( وإن حلف لا يلبس حليا ، فلبس حلية ذهب أو فضة أو جوهر ، حنث ) [ ص: 300 ] لقوله تعالى : وتستخرجون حلية تلبسونها ] فاطر : 12 [ وقوله تعالى : يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ] الحج : 23 [ وقال ابن عمر : قال الله تعالى للبحر الشرقي : إني جاعل فيك الحلية ، والصيد ، والطيب ، وكذهب وجده ( وإن لبس عقيقا أو سبجا ) وحريرا ( لم يحنث ) لأنه ليس بحلي كخرز الزجاج ، وفي الوسيلة : تحنث المرأة بحرير ( وإن لبس الدراهم والدنانير ) زاد في الرعاية : المفردين ، ومنطقة محلاة لا سيف ( في مرسلة فعلى وجهين ) أحدهما : لا حنث ، وجزم به في الوجيز ، لأنه ليس بحلي إذا لم يلبسه ، فكذا إذا لبسه ، والثاني : بلى ، كلبس سوار وخاتم ، ولأنها من حلي الرجال ، ولا يقصد بلبسها محلاة إلا التجمل بها .

فرع : إذا حلف لا يلبس خاتما فلبسه في غير خنصر حنث ، لأنه لابس ، ولا فرق بين الخنصر وغيره إلا من حيث الاصطلاح على تخصيصه بالخنصر ، وكما لو حلف لا يلبس قلنسوة ، فجعلها في رجله ، وجوابه : بأنه عيب ومشقة بخلافه هنا .

( وإن حلف لا يركب دابة فلان ، أو لا يلبس ثوبه ، أو لا يدخل داره ، فركب دابة عبده ، ولبس ثوبه ، ودخل داره ، أو فعل ذلك فيما استأجره ، فلا حنث ) نقول إذا حلف لا يدخل دار زيد ، فدخل دار عبده ، حنث بغير خلاف نعلمه ، لأن دار العبد ملك للسيد ، والثوب والدابة كالدار ، لأنهما مملوكان فيتناولهما يمين الحالف ، وأما كونه يحنث إذا فعل ذلك فيما استأجره فلان لأن الدار تضاف إلى ساكنها كإضافتها إلى مالكها ، لقوله تعالى : لا تخرجوهن من بيوتهن ] الطلاق : 1 [ وقرن في بيوتكن ] الأحزاب : 33 [ ولأن الإضافة للاختصاص ، ولأن ساكن الدار [ ص: 301 ] مختص بها ، فكانت إضافتها إليه صحيحة ، وهي مستعملة في العرف ، وأما الإقرار كما لو قال : هذه دار زيد ، وفسر إقراره بسكناها ، احتمل أن يقبل تفسيره ، ولو سلم بقرينة الإقرار يصرفه إلى الملك ، ولو حلف : لا دخلت مسكن زيد ، حنث بدخوله الدار التي يسكنها ، ولو قال : هذا السكن لزيد كان مقرا له بها ( وإن ركب دابة استعارها فلان ) أو غصبها ( لم يحنث ) لأن فلانا لا يملك منافع الدابة ، وفارق مسألة الدار ، فإنه لم يحنث في الدار ، لكونه استعارها أو غصبها ، وإنما يحنث لسكناه بها ، فأضيفت إليه ، ولو غصبها أو استعارها من غير أن يسكنها لم تصح إضافتها إليه ، وعنه : يحنث بدخول الدار المستعارة ، وذكره ابن عقيل في الفصول ، لوجود شرطه ، وفي الرعاية : إن قال : لا أسكن مسكنه ، ففيما لا يسكنه زيد من ملكه ، وما يسكنه بغصب وجهان ، وفي الترغيب الأقوى : إن كان سكنه مرة حنث ، وإن قال : ملكه ، ففيما استأجره خلاف في الانتصار .

( وإن حلف لا يركب دابة عبده فركب دابة جعلت برسمه حنث ) لأنه مختص بها حينئذ ، كحلفه لا يركب رحل هذه الدابة ، ولا يبيعه ( وإن حلف لا يدخل دارا فدخل سطحها حنث ) لأنه من الدار ، وحكمه حكمها ، بدليل صحة الاعتكاف فيه ، ومنع الجنب من اللبث فيه ، فوجب أن يحنث إذا دخله ، كما لو دخل الدار نفسها ، وإن حلف ليخرجن من الدار ، فصعد سطحها لم يبر ، فإن كان ثم نية أو سبب أو عمل بها ، فإن صعد على شجرة حتى صار في مقابلة سطحها بين حيطانها حنث ، وإن لم ينزل بين حيطانها ، فهل يحنث ؛ فيه احتمالان ، وكذا إن كانت الشجرة في غير الدار ، فتعلق بفرع ماد على الدار في مقابلة سطحها ، فإن أقام على [ ص: 302 ] حائط الدار فوجهان .

أحدهما : يحنث ، ذكره القاضي لأنه داخل في حدها ، أشبه القائم على سطحها .

والثاني : لا ، لأنه لا يسمى داخلا ( وإن دخل طاق الباب احتمل وجهين ) .

أحدهما : يحنث ، لأنه دخل في حدها .

والثاني : لا ، وصححه في المغني ، لأنه لا يسمى داخلا ، وقال القاضي : إن قام في موضع إذا أغلق الباب كان خارجا منه لم يحنث ، وجزم به في الوجيز . ( وإن حلف لا يكلم إنسانا حنث بكلام كل إنسان ) لأنها نكرة في سياق النفي فتعم ، ولفعله المحلوف عليه حتى لو سلم عليه حنث ، لأن السلام كلام تبطل به الصلاة ، فيحنث به كغيره ، وفي الرعاية : إن سلم عليه فوجهان ، وإن صلى المحلوف عليه إماما ، وسلم من الصلاة ، لم يحنث ، نص عليه ، وكذا إن أرتج عليه فيها ففتح عليه الحالف ( وإن زجره ، فقال : تنح ، أو اسكت ، حنث ) لأن ذلك كلام ، فيدخل في ما حلف على عدمه ، وقياس المذهب لا ، فلو كاتبه ، أو راسله ، حنث ، إلا أن يكون أراد ألا يشافهه ، وقاله أكثر الأصحاب ، وعنه : لا يحنث ، إلا أن يكون بنية ، أو سبب يمينه يقتضي هجرانه ، لأنه يصح نفيه ، ولو كانت الرسالة تكليما لتناول موسى وغيره من الرسل ، ولم يختص بكونه كليم الله تعالى ، واحتج الأصحاب بقوله تعالى : وما كان لبشر الآية ] الشورى : 51 [ لأنه وضع لإفهام الآدميين ، أشبه الخطاب ، والصحيح أن هذا ليس بتكليم ، والاستثناء في الآية من غير الجنس كما في الآية الأخرى : قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ] آل عمران : 41 [ والرمز ليس بتكليم ، لكن إن نوى ترك مواصلة ، أو سبب ، أو كان سبب يمينه يقتضي هجرانه ، فإنه يحنث ( وإن حلف لا يبتدئه بكلام ) أو لا كلمت فلانا حتى يكلمني ، أو حتى يبدأني بكلام ( فتكلما معا ، حنث ) في الأصح ، لأن كل [ ص: 303 ] واحد منهما مبتدئ ، إذ لم يتقدمه كلام سواه ، وفي الرعاية : قلت : لا ، لكن إذا قال : لا بدأته بكلام ، فتكلما معا ، لم يحنث ، جزم به في المحرر والوجيز ، لعدم البداية ، والثاني : بلى ، لما تقدم ، وأطلقهما في الفروع ( وإن حلف لا يكلمه حينا ) ولم ينو شيئا ( فذلك ستة أشهر ، نص عليه ) لأن الحين المطلق في كلام الله تعالى أقله ستة ، فيحمل مطلق كلام الآدمي عليه ، قال في الفروع ، ويتوجه أقل زمن يقع على القليل كالكثير ، لقوله تعالى : فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ] الروم : 17 [ فإن قلت ترد للسنة ، لقوله تعالى : تؤتي أكلها كل حين ] إبراهيم : 25 [ ويراد به يوم القيامة ، لقوله تعالى : ولتعلمن نبأه بعد حين ] ص : 88 [ ويراد به ساعة ، لقوله تعالى : فسبحان الله حين تمسون ويقال : جئته منذ حين ، وإن كان أتاه من ساعة ، ويراد به مدة طويلة ، لقوله تعالى : فذرهم في غمرتهم حتى حين ] المؤمنون : 54 [ فالجواب : أنه يصح الإطلاق في ذلك كله ، وإنما الكلام في الإطلاق الخالي عن الإرادة ، مع أن عكرمة وسعيد بن جبير وأبا عبيدة قالوا في قوله تعالى : تؤتي أكلها كل حين ] إبراهيم : 20 [ ستة أشهر ، واختلف فيها عن ابن عباس ، وما استشهدوا به من المطلق في كلام الله تعالى ، فما ذكرناه أقل ، فحمل على اليقين ، وقيل : إن عرفه فللأبد ، كالدهر والعمر ، أما إذا قيد لفظه ، أو بينه بزمن ، فإنها تتقيد به ( وإن قال : زمنا ، أو دهرا ، أو بعيدا ، أو مليا ، رجع إلى أقل ما يتناوله اللفظ ) جزم به في الوجيز ، وقدمه في الفروع ، لأن ما زاد عليه مشكوك في إرادته ، والأصل عدمه ، وعند القاضي : إن زمنا كحين ، وقال ابن عقيل : في وقت ونحوه الأشبه بمذهبنا ما يؤثر في مثله من المؤاخذة والزمان كحين ، واختار في [ ص: 304 ] المحرر ، وقطع به في الوجيز أنه للأبد كالدهر ، وذكر ابن أبي موسى : أنه إذا حلف لا يكلمه زمانا ، فهو إلى ثلاثة أشهر ( وإن قال : عمرا ، احتمل ذلك ) أي : يرجع فيه إلى أقل ما تناوله اللفظ ( واحتمل أن يكون أربعين عاما ) لقوله تعالى : فقد لبثت فيكم عمرا من قبله ] يونس : 16 [ وهو قول حسن ، قال أبو الخطاب : ما ورد فيه من ذلك يرجع إليه كالحين ، فأما غيره فإن كانت له نية ، وإلا حمل على أقل ما يقع عليه الاسم من العمر والدهر ( وقال القاضي : هذه الألفاظ كلها مثل الحين ) لما تقدم ( إلا بعيدا أو مليا ) زاد في الرعاية : أو طويلا ( فإنه على أكثر من ستة أشهر ، وإن قال : الأبد ، والدهر ) والعمر ( فذلك على الزمان كله ) ، لأن الألف واللام للاستغراق ، وذلك يوجب دخول الزمان كله ( والحقب ) بضم الحاء ( ثمانون سنة ) نصره في الشرح ، وجزم به في المستوعب والوجيز ، روي عن علي وابن عباس في تفسير الآية ، وقاله الجوهري في صحاحه ، وقال القاضي ، وقدمه في الفروع : هو أدنى زمان ، لأنه المتيقن ، وقيل : أربعون عاما ، وقيل : للأبد ( والشهور اثنا عشر عند القاضي ) وجزم به في الوجيز ، لقوله تعالى : إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ] التوبة : 36 [ ( وعند أبي الخطاب ) وقدمه في الرعاية والفروع ( ثلاثا ) لأنه جمع ( كالأشهر ) فإنها ثلاثة وجها واحدا ( والأيام ثلاثة ) لأنها أقل الجمع ، وإن عين أياما تبعتها الليالي .

( وإن حلف لا يدخل باب هذه الدار فحول ودخله حنث ) لأنه فعل ما حلف [ ص: 305 ] على تركه ، وكذا إذا جعل لها بابا آخر مع بقاء الأول ، أو قلع الباب ونصبه في دار أخرى ، لم يحنث بالدخول من الموضع الذي نصب فيه الباب ، وإن حلف لا يدخل هذه الدار من بابها ، فدخلها من غير الباب لم يحنث ، ويتخرج ، بلى ، إذا أراد بيمينه اجتناب الدار ، لكن إن كان للدار سبب هيج اليمين ، كما لو حلف لا يأوي مع زوجته في دار ، فأوى معها في غيرها ( وإن حلف لا يكلمه إلى حين الحصاد ، انتهت يمينه بأوله ) لأن إلى لانتهاء الغاية ، فتنتهي عند أولها ، لقوله تعالى : ثم أتموا الصيام إلى الليل ] البقرة : 187 [ ( ويحتمل أن يتناول جميع مدته ) هذا رواية ، لأن إلى تستعمل بمعنى مع ، لقوله تعالى : من أنصاري إلى الله ] الصف : 14 [ ولأن الظاهر أنه قصد هجرانه ، واللفظ صالح لتناول الجميع . ( وإن حلف لا مال له ، وله مال غير زكوي ، أو دين على الناس ، حنث ) لأنه مال ، فوجب أن يحنث للمخالفة في يمينه ، والدين مال ينعقد عليه الحول ، ويصح تصرفه فيه بالإبراء والحوالة ، أشبه المودع ، ولأن المال ما تناوله الناس عادة لطلب الربح ، مأخوذ من الميل من يد إلى يد ، وجانب إلى جانب ، قاله في الواضح ، والملك يختص الأعيان من الأموال ، ولا يعم الدين ، وعن أحمد : إذا نذر الصدقة بجميع ماله إنما يتناول نذره الصامت من ماله ، لأن إطلاق المال ينصرف إليه ، فلو كان له مال مغصوب حنث ، وكذا إن كان ضائعا في وجه ، فإن ضاع على وجه قد أيس من عوده ، لم يحنث في الأشهر ، ويحتمل ألا يحنث في كل موضع لا يقدر على أخذ ماله ، وظاهره أنه إذا تزوج أو اشترى عقارا ونحوه لا يحنث ( وإن حلف لا يفعل شيئا ، فوكل [ ص: 306 ] من فعله حنث إلا أن ينوي ) اقتصر عليه أكثر الأصحاب ، لأن فعل وكيله كفعله ، نص عليه ، ولأن الفعل يطلق على الموكل فيه والآمر به ، فحنث ، كما لو حلف لا يحلق رأسه ، فأمر من حلقه ، وذكر ابن أبي موسى : أنه يحنث إلا أن تكون عادته جارية بمباشرة ذلك الفعل بنفسه ، فلا ، وجزم به في الوجيز ، فإذا وكل فيه وأضاف إلى الموكل فلا حنث ، وإن أطلق فوجهان ، وإن حلف لا يكلم عبدا اشتراه زيد ، فكلم عبدا اشتراه وكيله ، أو لا يضرب عبده ، فضربه بأمره حنث .

قاعدة : تطلق امرأة من حلف لا يكلم زنديقا بقائل بخلق القرآن ، قاله سجادة ، قال أحمد : ما أبعده ، والسفلة من لم يبال بما قال وما قيل له ، ونقل عبد الله من يدخل الحمام بغير مئزر ، ولا يبالي على أي معصية رئي .

قال ابن الجوزي : الرعاع السفلة والغوغاء نحو ذلك ، وأصل الغوغاء : صغار الجراد .

التالي السابق


الخدمات العلمية