صفحة جزء
باب النذر وهو : أن يلزم نفسه لله تعالى شيئا ولا يصح إلا من مكلف ، مسلما كان أو كافرا ، ولا يصح إلا بالقول ، وإن نواه من غير قول لم يصح ، ولا يصح في محال ولا واجب ، فلو قال : لله علي صوم أمس ، أو صوم رمضان ، لم ينعقد .


باب النذر

يقال : نذرت أنذر ـ بكسر الذال وضمها ـ نذرا ، فأنا ناذر ، أي : أوجب على نفسه شيئا تبرعا ، والأصل فيه بعد الإجماع قوله تعالى : يوفون بالنذر ] الإنسان : 7 [ وليوفوا نذورهم ] الحج : 29 [ وقوله عليه السلام : من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه . رواه البخاري من حديث عائشة ، ويتعين الوفاء به ، ولا يستحب ، لنهيه عليه السلام عنه ، وقال : إنه لا يأتي بخير ، وإنما يستخرج به من البخيل . متفق عليه . وهذا نهي كراهة ، لأنه لو كان حراما ، لما مدح الموفين به ، لأن ذمهم من ارتكاب المحرم أشد من طاعتهم في وفائه ، ولو كان مستحبا لفعله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وقال ابن حامد : [ ص: 325 ] لا يرد قضاء ، ولا يملك به شيئا محدثا ، وتوقف الشيخ تقي الدين في تحريمه ، وحرمه طائفة من أهل الحديث ، وقال ابن حامد : المذهب مباح ( وهو : أن يلزم نفسه لله تعالى شيئا ) يحترز به عن الواجب بالشرع ، فيقول : لله علي كذا ، وقال ابن عقيل : إلا مع دلالة حال ، وفي المذهب : بشرط إضافته ، فيقول : لله علي ( ولا يصح إلا من مكلف ) فلا ينعقد من غير مكلف ، كالإقرار وكالطفل ( مسلما كان أو كافرا ) ذكر في المستوعب وغيره : أنهما سواء ، وشرطه : أن يكون مختارا ، أما الأول ، فظاهر ، وأما الثاني فيصح منه ، ولو بعبادة ، نص عليه ، لحديث عمر : إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أوف بنذرك وهو قول المغيرة ، والمخزومي ، والبخاري ، وابن جرير ، وقال الأكثر : لا يصح نذره ، وحملوا خبر عمر على الندب ، وقيل : يصح منه غير عبادة ، لأن نذره لها كالعبادة لا اليمين ( ولا يصح إلا بالقول ) لأنه التزام ، فلم ينعقد بغيره ، كالنكاح والطلاق ( وإن نواه من غير قول لم يصح ) كاليمين ( ولا يصح في محال ولا واجب ، فلو قال : لله علي صوم أمس ، أو صوم رمضان ، لم ينعقد ) وفيه مسألتان : الأولى : أنه لا ينعقد نذر المستحيل ، كصوم أمس ، قدمه في الكافي ، وجزم به في الوجيز وغيره ، لأنه لا يتصور انعقاده ، والوفاء به أشبه اليمين على المستحيل ، وقيل : تجب الكفارة ، قال المؤلف : والصحيح في المذهب أن النذر كاليمين ، وموجبه موجبها ، إلا في لزوم الوفاء به إذا كان قربة ، وأمكنه فعله ، بدليل قوله عليه السلام لأخت عقبة ، لما نذرت المشي ، ولم تطقه ، فقال : لتكفر عن يمينها ، ولتركب ، وفي رواية : ولتصم ثلاثة [ ص: 326 ] أيام . قال أحمد : أذهب إليه ، وعن عقبة بن عامر مرفوعا : كفارة النذر كفارة اليمين . رواه مسلم . ولأنه قد ثبت أن حكمه حكم اليمين في أحد أقسامه ، وهو نذر اللجاج ، فكذلك في سائره ، سوى ما استثناه الشرع .

الثانية : أنه لا ينعقد نذر الواجب ، كصوم رمضان ، قاله أكثر أصحابنا ، لأن النذر التزام ، ولا يصح التزام ما هو لازم ، والمذهب أنه ينعقد موجبا لكفارة يمين إن تركه ، كما لو حلف لا يفعله ففعله ، فإن النذر كاليمين .

فرع : من نذر فعل واجب أو حرام أو مكروه أو مباح ، انعقد نذره موجبا للكفارة إن لم يفعل ، مع بقاء الوجوب والتحريم ، والكراهة ، والإباحة بحالهن ، كما لو حلف على فعل ذلك ، وعنه : أنه لاغ ، ولا كفارة فيه .

التالي السابق


الخدمات العلمية