صفحة جزء
وهو فرض كفاية قال أحمد رحمه الله تعالى : لا بد للناس من حاكم ، أتذهب حقوق الناس ؛ ! فيجب على الإمام أن ينصب في كل إقليم قاضيا ، ويختار لذلك أفضل من يجد ، وأورعهم ، ويأمرهم بتقوى الله - تعالى - وإيثار طاعته في سره وعلانيته ، وتحري العدل والاجتهاد في إقامة الحق ، وأن يستخلف في كل صقع أصلح من يقدر عليه لهم . ويجب على من يصلح له إذا طلب ولم يوجد غيره ممن يوثق به الدخول فيه . وعنه : أنه سئل هل يأثم القاضي بالامتناع إذا لم يوجد غيره ؛ قال : لا يأثم . وهذا يدل على أنه ليس بواجب . فإن وجد غيره كره له طلبه بغير خلاف في المذهب . وإن طلب فالأفضل له أن لا يجيب إليه . في ظاهر كلام أحمد . وقال ابن حامد : الأفضل الإجابة إليه إذا أمن نفسه .

ولا تثبت ولاية القضاء إلا بتولية الإمام ، أو نائبه .


وأجمع المسلمون على نصب القضاة للفصل بين الناس .

( وهو فرض كفاية ) كالإمامة ، [ ص: 4 ] قال الشيخ تقي الدين : قد أوجب النبي - صلى الله عليه وسلم - تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر ، وهو تنبيه على أنواع الاجتماع ، والواجب اتخاذها دينا وقربة ، فإنها من أفضل القربات ، وإنما فسد حال بعضهم لطلب الرئاسة والمال بها ، ومن فعل ما يمكنه لم تلزمه ما يعجز عنه . وعنه : سنة . نصره القاضي وأصحابه . وعنه : لا يسن دخوله فيه . نقل عبد الله : لا يعجبني ، هو أسلم . وعلى الأول ( قال أحمد : لا بد للناس من حاكم ، أتذهب حقوق الناس ؛ ! ) لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه ، كالجهاد وفيه فضل عظيم لمن قوي عليه ، وفيه خطر عظيم إن لم يؤد الحق فيه .

لما روى معقل بن يسار مرفوعا : ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح ، إلا لم يدخل معهم الجنة . قال مسروق : لأن أحكم يوما بحق ، أحب إلي من أن أغزو سنة في سبيل الله . فعلى هذا : إذا أجمع أهل بلد على ترك القضاء أثموا ، قال ابن حمدان : إن لم يحتكموا في غيرة ( فيجب على الإمام أن ينصب في كل إقليم ) هو : بكسر الهمزة ، وهو أحد الأقاليم السبعة . ( قاضيا ) لأن الإمام هو القائم بأمر الرعية ، المتكلم بمصلحتهم ، المسؤول عنهم ، فيبعث القضاة إلى الأمصار ، كفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وللحاجة إلى ذلك ؛ لأنه - عليه السلام - بعثعليا قاضيا إلى اليمن ، وولى عمر شريحا قضاء الكوفة ، وكعب بن سور قضاء البصرة ، وغير ذلك . ( ويختار لذلك أفضل من يجد ، وأورعهم ) لأن ذلك أكمل ، وهو أقرب إلى حصول المقصود من القضاء . ( ويأمره بتقوى الله تعالى وإيثار [ ص: 5 ] طاعته في سره وعلانيته ، وتحري العدل والاجتهاد في إقامة الحق ) لأن ذلك تذكرة له فيما يجب عليه فعله ، وإعانة له في إقامة الحق ، وتقوية لقلبه ، وتنبيه على اهتمام الإمام بأمر الشرع وأهله ، فإن كان غائبا عنه كتب له ذلك في عهده . ( وأن يستخلف في كل صقع ) أي : ناحية . ( أصلح من يقدر عليه لهم ) لأن في ذلك خروجا من الخلاف في جواز الاستنابة ، وتنبيها على مصلحة رعية بلد القاضي ، وحثا له على اختيار الأصلح ، وذكر الآمدي : أن على الإمام نصب من يكتفى به . ( ويجب على من يصلح له إذا طلب ) ولم يشغله عن أهم منه . ( ولم يوجد غيره ممن يوثق به الدخول فيه ) قدمه في " الكافي " و " المحرر " و " المستوعب " ، وجزم به في " الوجيز " ، وصححه جمع ؛ لأن فرض الكفاية إذا لم يوجد من يقوم به تعين عليه ، كغسل الميت ونحوه . وقيل : ويلزمه طلبه . وقالالماوردي : إن كان فيه غير أهل ، فإن كان أكثر قصده إزالته أثيب ، وإن كان أكثر قصده ليختص بالنظر أبيح ، فإن ظن عدم تمكينه فاحتمالان . وقيل : يحرم بخوفه ميلا . ( وعنه أنه سئل هل يأثم القاضي بالامتناع إذا لم يوجد غيره ؛ ) ممن يوثق به ( قال : لا يأثم . وهذا يدل على أنه ليس بواجب ) ، نقلها إسماعيل بن سعيد ؛ لما فيه من الخطر والمشقة الشديدة ، لكنها محمولة على من لم يمكنه القيام بالواجب لظلم السلطان وغيره . وحكى ابن هبيرة عن [ ص: 6 ] الثلاثة : أن القضاء من فروض الكفاية ، ويتعين على المجتهد الدخول فيه ، ثم قال : وقال أحمد في أظهر روايتيه : ليس هو من فروض الكفاية ، ولا يتعين على المجتهد الدخول فيه وإن لم يوجد غيره . ( وإن وجد غيره كره له طلبه بغير خلاف في المذهب ) جزم به في " المحرر " و " الوجيز " ، وقدمه في " الفروع " ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الرحمن بن سمرة : لا تسأل الإمارة ، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها ، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها متفق عليه . وعنه : لا يكره لقصد إقامة الحق ، وخوفا أن يتعرض له غير مستحق . ذكره القاضي ، قال في " الفروع " : ويتوجه وجه ، بل يستحب إذن ، وقاله الماوردي ، ويتوجه وجه يحرم بدونه ، وذكر الماوردي : أنه لقصد المنزلة والمباهاة يجوز اتفاقا ، وإن طائفة كرهته إذن ، وطائفة لا ، واحتج الإمام أحمد فيما رواه عنه ابنه عبد الله بما روى أبو هريرة مرفوعا : من طلب قضاء المسلمين حتى ناله فغلب عدله جوره فله الجنة ، وإن غلب جوره عدله فله النار ورواه أبو داود . والمراد إذا لم يكن فيه أهل ، وإلا حرم وقدح فيه ( وإن طلب فالأفضل أن لا يجيب إليه في ظاهر الكلام أحمد ) اختاره القاضي ، وقدمه في " الكافي " و " الرعاية " و " الفروع " ، وجزم به في " الوجيز " ، وفي " الشرح " : أنه الأولى لما فيه من الخطر والتشديد ، ولما في تركه من السلامة ، وذلك طريقة السلف ، وقد أراد عثمان تولية ابن عمر القضاء فأبى . ( وقال ابن حامد : الأفضل الإجابة إليه إذا أمن [ ص: 7 ] نفسه ) لأن الله - تعالى - جعل للمجتهد فيه أجرا مع الخطأ ، وأسقط عنه حكم الخطأ ، ولأن فيه أمرا بالمعروف ونصر المظلوم وأداء الحق إلى مستحقه ، ورد الظالم عن ظلمه ، بدليل تولية النبي - صلى الله عليه وسلم - لجماعة من أصحابه وهم كذلك . ولا يختار إلا الأفضل ، وقيل : مع خموله ، وحمل في " المغني " كلام ابن حامد عليه . وقيل : أو فقره . فرع : يحرم بذل مال فيه وأخذه وطلبه ، وفيه مباشر أهل ، وظاهر تخصيصهم الكراهة بالطلب أنه لا يكره تولية الحريص لا ينفي أن غيره أولى . قال في " الفروع " : ويتوجه وجه ، يكره . مسألة إذا جهل القضاء أو عجز عنه أو خاف الميل حرم دخوله فيه ، وقيل : مع وجود غيره وهو يصلح له . قال في " الشرح " : من الناس من لا يجوز الدخول فيه ، وهو من لا يحسنه ولم تجتمع فيه شروطه .

( ولا تثبت ولاية القضاء إلا بتولية الإمام ) لأنه صاحب الأمر والنهي وهو واجب الطاعة ، مسموع الكلمة ، مالك لجميع الولايات شرعا وحسا . ( أو نائبه ) لأنه منزل منزلته ، ولأن الولاية من المصالح العامة أشبه عقد الذمة .

التالي السابق


الخدمات العلمية