صفحة جزء
فإذا نزل به ، تعاهد بل حلقه بماء أو شراب ، وندى شفتيه بقطنة ، ولقنه قول لا إله إلا الله مرة ، ولم يزد على ثلاث إلا أن يتكلم بعده ، فيعيد تلقينه بلطف ومدارة ، ويقرأ عنده سورة يس ، وتوجيهه إلى القبلة . فإذا مات أغمض عينيه ، وشد لحييه ، ولين مفاصله ، وخلع ثيابه ، وسجاه بثوب . يستره ، وجعل على بطنه مرآة أو نحوها ، ووضعه على سرير غسله ، متوجها منحدرا نحو رجليه ، ويسارع في قضاء دينه ، وتفريق وصيته . وتجهيزه إذا تيقن موته بانفصال كفيه ، وميل أنفه ، وانخساف صدغيه ، واسترخاء رجليه .


( فإذا نزل به ) أي : نزل الملك به لقبض روحه ( تعاهد ) أرفق أهله وأتقاهم لربه ( بل حلقه بماء أو شراب ، وندى شفتيه بقطنة ) لأن ذلك يطفئ ما نزل به من الشدة ، ويسهل عليه النطق بالشهادة ( ولقنه قول لا إله إلا الله ) لما روى مسلم عن أبي سعيد مرفوعا : لقنوا موتاكم " لا إله إلا الله " ، وأطلق على المحتضر ميتا باعتبار ما هو واقع لا محالة ، وعن معاذ مرفوعا من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة رواه أحمد ، والحاكم ، وقال : صحيح الإسناد ، واقتصر عليها ; لأن إقراره بها إقرار بالأخرى ، وفيه شيء ، وفي " الفروع " احتمال ، وقاله بعض العلماء ، يلقن الشهادتين ; لأن الثانية تبع فلهذا اقتصر في الخبر على الأولى ، قال أبو المعالي : ويكره من الورثة بلا عذر ( مرة ) نقله مهنا وأبو طالب ( ولم يزد على ثلاث ) لئلا يضجره ، وعن ابن المبارك لما حضره الموت فجعل رجل يلقنه لا إله إلا الله فأكثر عليه فقال : إذا قلت مرة فأنا على ذلك ما لم أتكلم ( إلا أن يتكلم بعده فيعيد تلقينه بلطف ومداراة ) ذكره النووي إجماعا ; لأن اللطف مطلوب في كل موضع ، فهنا أولى ( ويقرأ عنده سورة يس ) لقوله ـ عليه السلام ـ اقرءوا يس على موتاكم رواه أبو داود وابن ماجه ، وفيه لين من حديث معقل بن يسار ، ولأنه يسهل خروج الروح ، ونص على أنه يقرأ عنده فاتحة الكتاب ، وقيل : وتبارك .

( و ) يستحب ( توجيهه إلى القبلة ) لقوله ـ عليه السلام ـ عن البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا رواه أبو داود ، ولقول حذيفة : وجهوني . وعلى جنبه [ ص: 217 ] الأيمن أفضل ، نص عليه ، إن كان المكان واسعا ، وعنه : مستلقيا ، اختاره الأكثر ، وعنه : سواء ، وعلى الثانية يرفع رأسه قليلا ليصير وجهه إلى القبلة . ذكره جماعة ، ويستحب تطهير ثيابه ، ذكره في " المغني " ، و " الشرح " ; لأن أبا سعيد لما حضره الموت دعا بثياب جدد ثم قال : سمعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها رواه أبو داود ، وذكر ابن الجوزي عن بعض العلماء أن المراد بثيابه عمله ( فإذا مات أغمض عينيه ) لأنه ـ عليه السلام ـ أغمض أبا سلمة ، وقال : إن الملائكة يؤمنون على ما تقولون رواه مسلم ، وعن شداد مرفوعا إذا حضرتم الميت فأغمضوا البصر ، فإن البصر يتبع الروح ، وقولوا خيرا ، فإنه يؤمن على ما قال رواه أحمد ، ولئلا يقبح منظره ، ويساء به الظن ، ويقول من يغمضه : بسم الله ، وعلى وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نص عليه .

فرع : يغمض الرجل ذات محرم وتغمضه ، وكره أحمد أن تغمضه حائض أو جنب أو يقرباه ، وتغمض الأنثى مثلها أو صبي ، وفي الخنثى وجهان .

( وشد لحييه ) لئلا يدخله الهوام أو الماء في وقت غسله ( ولين مفاصله ) لتبقى أعضاؤه سهلة على الغاسل لينة ، ومعناه أنه يرد ذراعيه إلى عضديه ، ثم يردهما إلى جنبيه ، ثم يردهما ويرد ساقيه إلى فخذيه ، وهما إلى بطنه ، ثم يردهما ، ويكون ذلك عقب موته قبل قسوتها ، فإن شق ذلك تركه ( وخلع ثيابه ) لئلا يحمى جسده فيسرع إليه الفساد ويتغير ، وربما خرجت منه نجاسة فلوثتها ( وسجاه ) أي : غطاه ( بثوب [ ص: 218 ] يستره ) لما روت عائشة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين توفي سجي ببرد حبرة متفق عليه ، ولأنه أعظم في كرامته ، وينبغي أن يعطف فاضل الثواب عند رأسه ورجليه لئلا يرتفع بالريح ( وجعل على بطنه مرآة ) بكسر الميم التي ينظر فيها ( أو نحوها ) من حديد أو طين لقول أنس : ضعوا على بطنه شيئا من حديد . ولئلا ينتفخ بطنه ، قال ابن عقيل : وهذا لا يتصور إلا وهو على ظهره ( ووضعه على سرير غسله ) لأنه يبعد عن الهوام ، ويرتفع عن نداوة الأرض ( متوجها ) إلى القبلة على جنبه الأيمن ، وقيل : على ظهره ( منحدرا نحو رجليه ) أي : يكون رأسه أعلى من رجليه ، لينصب عنه ماء الغسل وما يخرج منه .

( و ) يجب أن ( يسارع في قضاء دينه ) لما روى الشافعي وأحمد والترمذي ، وحسنه عن أبي هريرة مرفوعا نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه ، ولا فرق بين دين الله تعالى ودين الآدمي ، زاد في " الرعاية " قبل غسله ، وقال السامري : قبل دفنه بوفائه أو برهن أو ضمين عنه إن تعذر وفاؤه عاجلا ، ولما فيه من إبراء الذمة .

( و ) يسن ( تفريق وصيته ) لما فيه من تعجيل الأجر ، واقتضى ذلك تقديم الدين على الوصية لقول علي : قضى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالدين قبل الوصية وذهب أبو ثور إلى النص ، وجوابه : أن الوصية لما أشبهت الميراث في كونها بلا عرض ، فكان في إخراجها مشقة على الوارث ، فقدمت حثا على إخراجها قال الزمخشري : ولذلك جيء بكلمة ( أو ) التي للتسوية أي : فيستويان في [ ص: 219 ] الاهتمام وعدم التضييع ، وإن كان مقدما عليها ( وتجهيزه ) لقوله ـ عليه السلام ـ لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله رواه أبو داود ، ولأنه أصون له ، وأحفظ من التغيير ، لكن لا بأس أن ينتظر من يحضره من وليه وغيره إن كان قريبا ، ولم يخش عليه أو يشق على الحاضرين ، نص عليه ، فإن مات فجأة أو شك في موته انتظر به حتى موته ، قال أحمد : من غدوة إلى الليل ، وقال القاضي : ترك يومين أو ثلاثة ما لم يخف فساده ( إذا تيقن موته بانفصال كفيه ، وميل كلاهما ، وانخساف صدغيه ، واسترخاء رجليه ) لأن هذه العلامات دالة على الموت يقينا ، زاد في " الشرح " ، و " الرعاية " ، وامتداد جلدة وجهه ، وظاهر " المستوعب " ، و " التلخيص " ، و " الفروع " أن ذلك راجع إلى المسارعة في تجهيزه ، وكلام ابن تميم دال على أن هذا راجع إلى قوله : ولين مفاصله وما بعده ، وظاهر كلامه في " المذهب " ، وصرح به ابن المنجا أنه راجع إلى قضاء الدين وما بعده ; لأن الأولين لا ولاء به لأحد عليهما إلا بعد الموت ، والتجهيز قبل تيقن الموت تفريط .

مسألة : لا يستحب النعي ; وهو النداء بموته ، بل يكره ، نص عليه ، ونقل صالح : لا يعجبني ، وعنه : يكره إعلام غير صديق أو قريب ، ونقل حنبل : أو جار ، وعنه : أو أهل دين ، ويتوجه . يستحب لإعلامه ـ عليه السلام ـ أصحابه بالنجاشي في اليوم الذي مات فيه متفق عليه . من حديث أبي هريرة ، وفيه كثرة المصلين ، فيحصل لهم ثواب ونفع للميت ، ولا بأس بتقبيله ، والنظر إليه ، ولو بعد تكفينه ، نص عليه .

التالي السابق


الخدمات العلمية