صفحة جزء
[ ص: 32 ] باب المياه

وهي على ثلاثة أقسام : ماء طهور ، وهو الباقي على أصل خلقته وما تغير بمكثه أو بطاهر لا يمكن صونه عنه كالطحلب ، وورق الشجر ، أو بما لا يخالطه كالعود ، والكافور ، والدهن ، أو بما أصله الماء كالملح البحري ، أو ما تروح بريح ميتة إلى جانبه ، أو سخن بالشمس أو بطاهر ، فهذا كله طاهر مطهر يرفع الأحداث ، ويزيل الأنجاس ، غير مكروه الاستعمال ، وإن سخن بنجاسة ، فهل يكره استعماله ؛ على روايتين .


باب المياه .

الباب معروف ، وقد يطلق على الصنف ، وهو ما يدخل منه إلى المقصود ، ويتوصل به إلى الاطلاع عليه . المياه : جمع ماء ، وهمزته منقلبة عن هاء فأصله موه ، وجمعه في القلة أمواه ، وفي الكثرة عند البصريين مياه ، وعند الكوفيين مياه جمع قلة أيضا ، وهو اسم جنس ، وإنما جمع لاختلاف أنواعه ( وهي ) أي : المياه ( على ثلاثة أقسام ) لأن الماء لا يخلو إما أن يجوز الوضوء به أو لا ، فإن جاز فهو الطهور ، وإن لم يجز فلا يخلو إما أن يجوز شربه أو لا ، فإن جاز فهو الطاهر ، وإلا فهو النجس ، أو نقول : إما أن يكون مأذونا في استعماله أو لا . الثاني : النجس ، والأول : إما أن يكون مطهرا لغيره أو لا ، والأول : الطهور ، وطريقة الخرقي ، وصاحب " التلخيص " أن الماء ينقسم إلى قسمين : طاهر ، وهو قسمان : طاهر مطهر ، وطاهر غير مطهر ، ونجس ، وطريقة الشيخ تقي الدين : أنه ينقسم إلى طاهر ونجس ، وقال : إثبات قسم طاهر غير مطهر لا أصل له في الكتاب والسنة ، وذكر ابن رزين أنه أربعة أقسام ، وزاد : " المشكوك فيه " ، ( ماء طهور ) قدمه على قسميه لمزيته بالصفتين ، والطهور بضم الطاء المصدر ، وقال اليزيدي : وبفتحها : هو الطاهر في ذاته ، المطهر غيره ، مثل الغسول الذي يغسل به ، فعلى هذا هو من الأسماء المتعدية وفاقا لمالك ، والشافعي . وقال أبو حنيفة ، وابن داود : هو من الأسماء اللازمة سواء ، لأن العرب لا تفرق بين فاعل وفعول في التعدي واللزوم كقاعد وقعود ، وإذا كان [ ص: 33 ] الطاهر غير متعد فالطهور كذلك ، وأيضا لو كان الطهور متعديا لم يصدق عليه هذا الإطلاق حقيقة إلا بعد وجود التطهير كقتول وضروب ، وجوابه قوله تعالى وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به [ الأنفال : 11 ] ، وفي الصحيحين من حديث جابر مرفوعا وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا .

ولو أراد به الطاهر لم يكن له مزية على غيره ، لأنه طاهر في حق كل أحد ، وروى مالك ، والخمسة ، وصححه ابن حبان من حديث أبي هريرة : أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الوضوء بماء البحر فقال : هو الطهور ماؤه .

ولو لم يكن الطهور متعديا بمعنى المطهر لم يكن ذلك جوابا للقوم ، حيث سألوه عن التعدي ; إذ ليس كل طاهر مطهرا ، وأما قوله تعالى وسقاهم ربهم شرابا طهورا [ الدهر 21 ] فمعناه طاهرا مطهرا ، وإن لم يحتج هناك إلى التطهير ; إذ لا نجاسة فيها ، لأن القصد وصفه بأعلى الأشربة عندنا ، وهو الماء الجامع للوصفين ، وقال ابن عباس : شرابا طهورا أي : مطهرا من الغل والغش ، وقولهم : إن العرب سوت بينهما في اللزوم والتعدي ، قلنا : قد فرقوا بينهما في الجملة فقالوا : قتول ، لمن كثر منه القتل ، فيجب أن يفرق هنا ، وليس الأمر إلا من حيث اللزوم والتعدي . قال القاضي أبو الحسين وغيره : وفائدة الخلاف أن عندنا أن النجاسة لا تزال بشيء من المائعات غير الماء وعندهم يجوز ، وقال الشيخ تقي الدين : ولا ترفع النجاسة عن نفسها ، والماء يدفعه لكونه مطهرا ، وقيل : وفاقا لمالك : الطهور : [ ص: 34 ] ما يتكرر منه التطهير ، كالصبور ، والشكور لمن تكرر منه الصبر ، والشكر ، وأجاب القاضي عن قولهم : إن المراد جنس الماء أو كل جزء ضم إلى غيره ، وبلغ قلتين ، أو أن معناه بفعل التطهير ، ولو أريد ما ذكروه لم يصح وصفه بذلك إلا بعد الفعل .

( وهو الباقي على أصل خلقته ) على أي صفة كان من برودة ، أو حرارة ، أو ملوحة ، أو غيرها كماء السماء ، لقوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا [ الفرقان 48 ] وذوب الثلج والبرد لقوله - صلى الله عليه وسلم - اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد . رواه مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى ، وماء البحر لقوله عليه السلام هو الطهور ماؤه .

وكره جماعة من الصحابة منهم عبد الله بن عمرو ، وعبد الله بن عمر الوضوء بماء البحر ، وقال : هو نار ، وماء البئر ، لأنه عليه السلام توضأ من بئر بضاعة ، رواه النسائي وغيره ، قال أحمد : حديث بئر بضاعة صحيح ، وماء العيون ، والأنهار ، لأنهما كماء البئر ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - صبوا على بول الأعرابي ذنوبا من ماء .

وأمر أسماء بنت عميس أن تغسل دم الحيض بالماء ، واقتضى كلامه جواز الطهارة أيضا بكل ماء شريف ، جزم به في " الوجيز " [ ص: 35 ] حتى ماء زمزم في رواية ، ورجحها المجد ، وهو قول أكثر العلماء لقول علي : ثم أفاض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ رواه عبد الله بن أحمد بإسناد صحيح ، ويكره في أخرى ، نص عليه ، وذكر القاضي أبو الحسين أنها أصح ، وقدمها أبو الخطاب ، واحتج أحمد بما روي عن زر بن حبيش قال : رأيت العباس قائما عند زمزم يقول : ألا لا أحله لمغتسل ، ولكنه لكل شارب حل وبل ، وروى أبو عبيد في الغريب : أن عبد المطلب بن هاشم قال ذلك حين احتفره ، والأول أولى ، لأن شرفه لا يلزم منه ذلك كالماء الذي نبع من بين أصابع النبي - صلى الله عليه وسلم - وكالنيل ، والفرات ، فإنهما من الجنة ، وقول العباس محمول على من يضيق على الناس الشراب ، وكونه من منبع شريف لا يمنع منه ، كعين سلوان اللهم إلا أن يقال : له خصوصية انفرد بها ، وهي كونه يقتات به كما أشار إليه أبو ذر في بدء إسلامه ، وفي " التلخيص " : أنه يكره الوضوء به ، فدل على أن إزالة النجاسة به تكره ، وجزم به في " الوجيز " ، وذكر الأزجي في " نهايته " أنه لا يجوز إزالة النجاسة به ، وفيها يتخرج أن تقول : لا تحصل الطهارة به لحرمته ، وفي جبل التراب الطاهر به ، ورش الطرق وجهان . واختلف الأصحاب لو سبل ماء للشرب ، هل يجوز الوضوء به مع الكراهة أم يحرم ؛ على وجهين ، وقيل : يكره الغسل لا الوضوء ، اختاره [ ص: 36 ] الشيخ تقي الدين ، وظاهر كلامه لا يكره ما جرى على الكعبة ، وصرح غير واحد .

( وما تغير بمكثه ) يعني أن الماء الآجن الذي تغير بطول إقامته في مقره باق على إطلاقه ، لأنه عليه السلام توضأ بماء آجن ، ولأنه تغير عن غير مخالطة ، أشبه المتغير بالمجاورة ، وحكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ قوله من أهل العلم سوى ابن سيرين فإنه كره ذلك ، وجزم به في " الرعاية " وفي " المحرر " لا بأس به . ( أو ) تغير ( بطاهر لا يمكن صونه عنه ) أي : لا يمكن التحرز منه ( كالطحلب ) يجوز فيه ضم اللام وفتحها ، وهو النبت الأخضر الذي يخرج في أسفل الماء حتى يعلوه ، ( وورق الشجر ) الذي يسقط فيه ، لأنه يشق الاحتراز عنه ، أشبه المتغير بتبن أو عيدان ، وكالمتغير بكبريت أو قار ، أو في آنية أدم أو نحاس ، وفي " الرعاية " هو من الطهور المكروه ، وفي " المحرر " لا بأس به ، وفي المتغير بتراب طهور طرح فيه قصدا وجهان ، قال ابن حمدان : إن صفا الماء فطهور ، وإلا فطاهر ، وجزم في " المغني " و " الشرح " أنه طهور لكونه يوافق الماء في صفتيه الطاهرية والطهورية ، وفي " المحرر " عكسه ، وهذا كله مع رقته ، فإن ثخن بحيث لا يجري على الأعضاء لم تجز الطهارة به لأنه طين وليس بماء ، ( أو ) تغير ( بما لا يخالطه كالعود ) والمراد به العود القماري بفتح القاف منسوب إلى قمار موضع من بلاد الهند ( والكافور ) هو المشموم من الطيب ( والدهن ) الطاهر على اختلاف أنواعه ، لأنه تغير عن مجاورة ، أشبه المتغير بجيفة بقربه ، وفيه وجه يصير طاهرا ، اختاره أبو الخطاب ، وأطلق في [ ص: 37 ] " المحرر " الخلاف ، ومفهوم كلامه في " المغني " و " الشرح " : إن تحلل من ذلك شيء فطاهر ، وإلا فطهور ، فلو خالط الماء بأن دق أو انماع فأقوال ( أو ) تغير ( بما أصله الماء كالملح البحري ) وهو الماء الذي يرسل على السباخ فيصير ملحا ، لأن المتغير به منعقد من الماء ، أشبه ذوب الثلج ، واقتضى ذلك أن الملح المعدني ليس كذلك ، وهو صحيح صرح به في " المغني " وغيره ، لأنه خليط مستغنى عنه غير منعقد من الماء ، أشبه الزعفران ، وقيل : لا يسلبه الطهورية ، لأنه كان في الأصل ماء ، ولهذا يذوب بالنار ( أو ما تروح بريح ميتة إلى جانبه ) بغير خلاف نعلمه ، لأنه تغير مجاورة ( أو سخن بالشمس ) نص عليه من غير كراهة ، وقال في رواية أبي طالب : أهل الشام يروون فيه شيئا لا يصح ، واختاره النووي ، وقال أبو الحسن التميمي : يكره المشمس قصدا وفاقا للشافعي ، وقال : لا أكرهه إلا من جهة الطلب ، وروى في الأم عن عمر أنه قال : لا تغتسلوا بالماء المشمس فإنه يورث البرص ، وروى الدارقطني ، عن عائشة قالت : دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد سخنت ماء في الشمس فقال : لا تفعلي يا حميراء ، فإنه يورث البرص . وشرطه عندهم أن يكون ببلاد حارة ، وآنية منطبعة كنحاس لا خزف ، ولا يشترط تغطية رأس الإناء ، ولا قصد التشميس على الأصح ، وإن برد زالت الكراهة على الأصح في زيادة " الروضة " .

[ ص: 38 ] والأول : قول أكثر العلماء لعموم الأدلة ، فإنها تشمل المشمس وغيره ، لأن سخونته بغير نجاسة ، أشبه المشمس بغير قصد ، والمشمس في البرك ، والسواقي ، والمسخن بالطاهرات ، لأنها صفة خلق عليها الماء ، أشبه ما لو برده ، وحديث عائشة في بعض طرقه إسماعيل بن عياش ، وفي بعضها الهيثم بن عدي ، وفي بعضها وهب بن وهب أبو البختري ، وكلهم ضعفاء ، قال النووي : هو حديث ضعيف باتفاق المحدثين ، ومنهم من يجعله موضوعا ، وخبر عمر أيضا ضعيف باتفاقهم ، لأنه من رواية إبراهيم بن أبي يحيى ، ويعضد ذلك إجماع أهل الطب على أن استعمال ذلك لا أثر له في البرص ، ولأنه لو أثر لما اختلف بالقصد وعدمه ، ( أو بطاهر ) كالحطب ، نص عليه في رواية صالح ، وابن منصور ، وقاله أكثر العلماء لعموم الرخصة ، وعن عمر : أنه كان يسخن له ماء في قمقم فيغتسل به ، رواه الدارقطني بإسناد صحيح ، وعن ابن عمر : أنه كان يغتسل بالحميم ، رواه ابن أبي شيبة ، ولأن الصحابة دخلوا الحمام ، ورخصوا فيه ، وكرهه مجاهد ، لأنه عليه السلام نهى عن الوضوء بالماء الحميم ، وذكر في " المستوعب " ، و " المغني " ، و " المحرر " أنه إن اشتد حره كره ، وعليه يحمل النهي عن الوضوء بماء الحميم إن ثبت ، لكونه يؤذي أو يمنع الإسباغ ، ومن نقل عنه الكراهة علل بخوف مشاهدة العورة ، أو قصد التنعم به ، وهذا إجماع منهم على أن سخونة الماء لا توجب كراهته ( فهذا ) إشارة إلى ما سبق ( كله طاهر مطهر يرفع الأحداث ) [ ص: 39 ] جمع حدث ، وهو ما أوجب الوضوء أو الغسل ( ويزيل الأنجاس ) جمع نجس بفتح الجيم وكسرها ، وهو في اللغة : المستقذر ، يقال : نجس ينجس كعلم يعلم ، ونجس ينجس كشرف يشرف ، وفي الاصطلاح : كل عين حرم تناولها على الإطلاق في حالة الاختيار ، مع إمكانه ، لا لحرمتها ولا استقذارها ، ولا لضرر بها في بدن أو عقل ، واحترز بالإطلاق عما يباح قليله دون كثيره كبعض النبات الذي هو سم ، وبالاختيار عن الميتة ، فإنها لا تحرم في المخمصة مع نجاستها ، وبإمكان التناول عن الحجر ، ونحوه من الأشياء الصلبة ، وبعدم الحرمة عن الآدمي ، وبعدم الاستقذار عن المخاط والمني ، زاد بعضهم مع سهولة التمييز ، يحترز به عن الدود الميت في الفاكهة ، ونحوها ( غير مكروه الاستعمال ) لأن الكراهة تستدعي دليلا ، والأصل عدمه ، واستثنى بعضهم لا إن تغير بمخالطة عود ، أو كافور ، أو دهن ، أو بما أصله الماء ، أو سخن بمغصوب ، أو اشتد حره ، أو برده ، أو ماء زمزم في إزالة نجاسة ، أو بئر في مقبرة ، فيكره .

( وإن سخن بنجاسة ، فهل يكره استعماله ؛ على روايتين ) كذا أطلقهما كثير من الأصحاب ، منهم أبو الخطاب ، وفي " المحرر " ، و " التلخيص " ، و " الفروع " إحداهما : لا يكره ، اختاره ابن حامد ، لأن الرخصة في دخول الحمام تشمل الموقود بالطاهر ، والنجس ، وأنه لم تتحقق نجاسته أشبه سؤر الهر ، وماء سقايات الأسواق ، والأحواض في الطرقات ، والثانية : يكره . صححها في " الرعاية " وإن برد ، ونصرها أبو الخطاب ، وجزم بها في " الوجيز " .

[ ص: 40 ] قال المجد : وهو الأظهر لعموم قوله عليه السلام : دع ما يريبك ، ولأنه لا يسلم غالبا من دخانها ، وصعوده بأجزاء لطيفة منها ، وقيل : إن ظن وصول النجاسة كره ، وإن ظن عدمه فلا ، وإن تردد فروايتان ، وفي " المغني " إن تحقق وصول النجاسة إليه ، وكان الماء يسيرا نجس ، وإن تحقق عدم وصولها ، والحائل غير حصين كره ، وإن كان حصينا فقال القاضي : يكره ، واختار الشريف ، وابن عقيل ، وصححه الأزجي أنه لا يكره .

فرع : إذا وصل دخان النجاسة ، فهل هو كوصول نجس أو طاهر ؛ مبني على الاستحالة ، وعنه : يكره ماء الحمام لعدم تحري من يدخله ، ونقل الأثرم أحب أن يجدد ماء غيره .

فرع : لا تصلح الطهارة بماء مغصوب ، كالصلاة في ثوب غصب ، وإن حفرت البئر بمال مغصوب أو في موضع غصب ، أو مما ثمنه المتعين في عقد شرائه حرام ، صح على الأصح .

التالي السابق


الخدمات العلمية