صفحة جزء
وإن طار إلى حلقه ذباب ، أو غبار ، أو قطر في إحليله ، أو فكر فأنزل أو ذرعه القيء ، أو أصبح وفي فيه طعام فلفظه ، أو اغتسل أو تمضمض أو استنشق ، فدخل الماء حلقه لم يفسد صومه ، وإن زاد على الثلاث أو بالغ فيهما ، فعلى وجهين . ومن أكل شاكا في طلوع الفجر ، فلا قضاء عليه وإن أكل شاكا في غروب الشمس فعليه القضاء ، وإن أكل معتقدا أنه ليل ، فبان نهارا فعليه القضاء


( وإن طار إلى حلقه ذباب ) لم يفطر خلافا للحسن بن صالح ( أو غبار ) من طريق أو دقيق أو دخان ، فكالنائم ، وقيل : في حق الماشي ، وقيل : في حق النخال والوقاد ( أو قطر في إحليله ) هنا ، نص عليه لعدم المنفذ ، وإنما يخرج البول رشحا لمداواة جرح عميق لم ينفذ إلى الجوف ، وقيل : بينهما منفذ كمن وضع في فيه ما لم يتحقق نزوله في حلقه ، وقيل : يفطر إن وصل مثانة وهي العضو الذي يجتمع فيه البول .

( أو فكر فأنزل ) لقوله - عليه السلام - : عفي لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به ولأنه لا نص فيه ، ولا إجماع ، وقياسه على تكرار النظر لا يصح ; لأنه دونه في استدعاء الشهوة ، وإفضائه إلى الإنزال ، وسواء أنزل منيا أو مذيا ، واختار أبو حفص العكبري ، وابن عقيل : أنه يفسد لأن [ ص: 28 ] الفكرة تستحضر فيدخل تحت الاختيار أما لو خطر بقلبه صورة في مباشرته نهارا لم يفطر . وظاهره ولو وطئ قرب الفجر ، ويشبهه من اكتحل إذن .

( أو ذرعه القيء ) للخبر ولخروجه بغير اختيار ، أشبه المكره ، ولو عاد عمدا إلى جوفه بغير اختياره ، ولو أعاده عمدا ولم يملأ الفم أو قاء ما لا يفطر به ثم أعاده عمدا أفطر ، كتلفه بعد انفصاله عن الفم ( أو أصبح ، وفي فيه طعام فلفظه ) أي : رماه لعدم إمكان التحرز منه ، ولا يخلو منه صائم غالبا ، فإن شق رميه فبلعه مع ريقه بغير قصد ، أو جرى ريقه ببقية طعام تعذر رميه ، أو بلع ريقه عادة ، لم يفطر ، وإن أمكنه لفظه بأن تميز عن ريقه فبلعه عمدا ، أفطر ولو دون الحمصة .

( أو اغتسل ) ; لأنه - عليه السلام - كان يدركه الفجر ، وهو جنب من أهله ثم يغتسل ، ويصوم متفق عليه من حديث عائشة ، وأم سلمة ، ولأن الله أباح الجماع وغيره إلى طلوع الفجر ، فيلزم جواز الإصباح جنبا ، احتج به ربيعة والشافعي ، ولكن يسن له أن يغتسل قبل الفجر ، وعليه يحمل نهيه - عليه السلام - أو أنه منسوخ ، ولهذا لما أخبر بقول عائشة وأم سلمة فقال : هما أعلم بذلك ، إنما حدثنيه الفضل بن عباس . متفق عليه . قال سعيد بن المسيب : رجع أبو هريرة عن فتياه فإن أخره يوما صح وأثم ، والحائض كالجنب إذا انقطع دمها ليلا ونوته ، ونقل صالح في الحائض ، تؤخره بعد الفجر ، قال : يقضي ، وهو قريب من قول عروة ، وطاوس في الجنب .

فائدة : لا يكره للصائم أن يغتسل ، قال المجد : لأن فيه إزالة الضجر من العبادة ، كالجلوس في الظل البارد ، وغوصه في الماء كصبه عليه ، ونقل حنبل : لا بأس به إذا لم يخف أن يدخل الماء حلقه أو مسامعه .

( أو تمضمض أو استنشق ) في الوضوء ، ( فدخل الماء حلقه ) ; لأنه واصل [ ص: 29 ] بغير قصد ، أشبه الذباب فإن كان لنجاسة فكالوضوء . ( لم يفسد صومه ) لما ذكرنا ، ( وإن زاد على الثلاث ) في أحدهما ( أو بالغ فيهما ) فدخل الماء حلقه ( فعلى وجهين ) كذا في " الكافي " و " المحرر " و " الفروع " أحدهما : لا يفطر جزم به في " الوجيز " ; لأنه واصل بغير اختياره ، والثاني : بلى ; لأنه فعل مكروها تعرض به إلى إيصال الماء إلى حلقه ، أشبه الإنزال بالمباشرة ، واختار المجد يبطل بالمبالغة للنهي الخاص ، وعدم ندرة الوصول فيها بخلاف المجاوزة ، وأنه ظاهر كلام أحمد في المجاوزة : يعجبني أن يعيد فإن تمضمض أو استنشق عبثا ، أو لحر ، أو عطش ، كره ، نص عليه . وفي الفطر به الخلاف في الزائد على الثلاث ، وكذا إن غاص في الماء من غير غسل مشروع أو إسراف ، أو كان عابثا ، حكمه حكم الداخل من الحلق من المبالغة والمجاوزة ، وقال المجد : إن فعله لغرض صحيح فكالمضمضة المشروعة ، وإن كان عبثا فكالمجاوزة .

( ومن أكل شاكا في طلوع الفجر ) ولم يتبين له الحال ( فلا قضاء عليه ) لظاهر الآية ، ولأن الأصل بقاء الليل ، فيكون زمان الشك منه ، وله الأكل حتى يتيقن طلوع الفجر ، نص عليه ، فلو أكل يظن طلوع الفجر ، فبان ليلا ، ولم يجدد نية صومه الواجب ، قضى ، جزم به بعضهم ( وإن أكل شاكا في غروب الشمس ) ودام شكه أو أكل فظن بقاء النهار ( فعليه القضاء ) لأن الأصل بقاء النهار ، فإن بان ليلا لم يقض ، وكذا إن أكل فظن الغروب ثم شك بعد الأكل ، ولم يتبين ; لأنه لم يوجد يقين أزال الظن الذي بني عليه كالصلاة ( وإن أكل معتقدا ) أو ظانا ( أنه ليل فبان نهارا ) في أوله أو آخره كمن يعتقد أن الشمس غابت ولم تغب ، أو أن الفجر لم يطلع وقد طلع ( فعليه القضاء ) وفاقا ; لأن الله - تعالى - أمر بإتمام الصوم [ ص: 30 ] ولم يتمه ، وقالت أسماء : أفطرنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يوم غيم ، ثم طلعت الشمس قيل : لهشام بن عروة - وهو راوي الحديث - أمروا بالقضاء ؛ قال : لا بد من قضاء . رواه أحمد والبخاري . ولأنه جهل وقت الصوم كالجهل بأول رمضان ، وعنه : لا قضاء على من جامع جاهلا بالوقت ، واختاره الشيخ تقي الدين ، وقال : هو قياس أصول أحمد وغيره ، فيتوجه هنا مثله .

فرع : إذا أكل ناسيا ، وظن أنه قد أفطر ، فأكل عمدا فيتوجه أنها مسألة الجاهل بالحكم فيه الخلاف السابق فلو جامع بعده نسيانا ، واعتقد الفطر به فكالناسي والمخطئ إلا أن يعتقد وجوب الإمساك ، فيكفر في الأشهر .

التالي السابق


الخدمات العلمية