صفحة جزء
فصل ويستحب تعجيل الإفطار ، وتأخير السحور وأن يفطر على تمر ، فإن لم يجد فعلى الماء ، وأن يقول عند فطره : اللهم لك صمت ، وعلى رزقك أفطرت ، سبحانك وبحمدك ، اللهم تقبل مني إنك أنت السميع العليم ويستحب التتابع في قضاء رمضان ، ولا يجب .


فصل ( ويستحب تعجيل الإفطار ) لما روى سهل بن سعد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - : قال لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر متفق عليه . والمراد : إذا تحقق غروب الشمس إجماعا ، والمذهب : أن له الفطر بغلبة الظن لأنهم أفطروا في عهده - عليه السلام - ثم طلعت الشمس ، ولأن ما عليه أمارة يدخله الاجتهاد ، ويقبل فيه قول واحد كالقبلة ، خلافا لصاحب " التلخيص " فلم يجوزه إلا باليقين بخلاف أوله ، وإذا غاب حاجب الشمس الأعلى أفطر حكما ، وإن لم يطعم ، وفي الخبر ما يدل على أنه يفطر شرعا فلا يثاب على الوصال ، ويحتمل أنه يجوز له الفطر ، وهو قبل الصلاة أفضل لفعله - عليه السلام - ، ( وتأخير السحور ) ما لم يخش طلوع الفجر الثاني . قاله الأصحاب لأخبار منها ما روى زيد بن ثابت قال : تسحرنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قمنا إلى الصلاة . قلت : كم كان بينهما ؛ قال : قدر خمسين آية متفق عليه ، ولأنه أقوى على الصوم ، والتحفظ من الخطأ ، والخروج من الخلاف . وظاهره أنه يستحب ، ولو شك في الفجر ، ونقله أبو داود عن الإمام أنه يأكل حتى يستيقن طلوعه ، وجزم به ابن الجوزي يؤيده ما قال الآجري لو قال لعالمين : ارقبا الفجر ، فقال أحدهما : طلع ، وقال الآخر : لا . أكل حتى يتفقا ، وقاله جمع من الصحابة وغيرهم ، وتحصل الفضيلة بأكل أو شرب لحديث أبي سعيد : ولو أن يجرع [ ص: 44 ] أحدكم جرعة من ماء رواه أحمد ، وفيه ضعف ، وكمال فضيلته بالأكل لقوله - عليه السلام - : بيننا وبينهم أكلة السحر رواه مسلم من حديث عمرو بن العاص . وظاهر ما سبق أنه لا يجب إمساك جزء من الليل من أوله ، وآخره ، وهو ظاهر كلام جماعة ، وذكر ابن الجوزي أنه أصح الوجهين ، وقطع آخرون بوجوبه ; لأنه مما لا يتم الواجب إلا به ، ولا يستحب تأخير الجماع وفاقا ; لأنه لا يتقوى به بل يكره مع الشك بخلاف الأكل ، والشرب نص على ذلك .

فائدة : السحور بفتح السين ما يؤكل في السحر ، وبالضم اسم الفعل على الأشهر ، وقيل : بالفتح ، والمراد في كلامه : الفعل فيكون بالضم على الأصح .

( و ) يستحب ( أن يفطر على تمر ، فإن لم يجد فعلى الماء ) لما روى سلمان بن عامر مرفوعا : إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإن لم يجد فعلى ماء فإنه طهور رواه أبو داود ، والترمذي ، والمذهب أنه يقدم عليهما الرطب لحديث أنس المرفوع . رواه الترمذي ، وقال : حسن غريب ، واعتذر عنه ابن المنجا ، فقال : إن الرطب لا يوجد في بلاد الشام ، وفي " الوجيز " أنه مخير بينها تقديم لبعضها على بعض ، ( وأن يقول عند فطره : اللهم لك صمت ، وعلى رزقك أفطرت سبحانك وبحمدك ، اللهم تقبل مني إنك أنت السميع العليم ) اقتصر عليه جماعة رواه الدارقطني من حديث أنس ، وابن عباس ، وفيهما : تقبل منا ، وذكره أبو الخطاب ، وهو أولى ، وذكر بعضهم قول ابن عمر كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا أفطر ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله - تعالى - . رواه أبو داود ، والدارقطني ، وحسن إسناده ، والحاكم ، وقال على شرط البخاري ، والعمل بهذا الخبر أولى . ويدعو بما أحب لما روى أبو هريرة : ثلاثة لا ترد دعوتهم [ ص: 45 ] الإمام العادل ، والصائم حين يفطر ، ودعوة المظلوم . رواه الترمذي وحسنه ، وابن ماجه ، وله من حديث عبد الله بن عمر وللصائم عند فطره دعوة ما ترد .

( ويستحب التتابع في قضاء رمضان ) وفاقا ; لأن القضاء يحكي الأداء ، وفيه خروج من الخلاف ، وأنجز لبراءة الذمة . وظاهره لا فرق بين أن يكون أفطر بسبب محرم أو لا ، ويجب العزم على الفعل في قول الجمهور ، وفي " الفروع " : يتوجه الخلاف كالصلاة ، ( ولا يجب ) في قول الأكثر . قال : البخاري قال ابن عباس : لا بأس أن يفرق لقول الله - تعالى - فعدة من أيام أخر ، وعن ابن عمر مرفوعا : قضاء رمضان إن شاء فرق ، وإن شاء تابع . رواه الدارقطني ، وقال لم يسنده غير سفيان بن بشر . قال المجد : لا نعلم أحدا طعن فيه ، والزيادة من الثقة مقبولة . ولأنه لا يتعلق بزمان معين فلم يجب فيه التتابع كالنذر المطلق ، ويستثنى منه ما إذا لم يبق من شعبان إلا بقدره فيتعين ، ويقضي من فاته رمضان تاما أو ناقصا لعذر أو غيره عدد أيامه مطلقا في اختيار الأكثر كأعداد الصلوات ، وقال القاضي : إن قضى شهرا هلاليا أجزأه مطلقا وإلا تمم ثلاثين يوما ، وهو ظاهر كلام أحمد ، ورده في " المغني " بأن القضاء يجب أن يكون بعدة ما فاته كالمريض ، والمسافر فعلى الأول من صام من أول شهر كامل أو من أثناء شهر تسعة وعشرين يوما ، وكان رمضان الفائت ناقصا أجزأه اعتبارا بعدد الأيام ، وعلى الثاني يقضي يوما تكميلا للشهر بالهلال أو العدد ثلاثين .

التالي السابق


الخدمات العلمية