صفحة جزء
باب صوم التطوع وأفضله صيام داود - عليه السلام - كان يصوم يوما ويفطر يوما ، ويستحب صيام أيام البيض وصوم الاثنين والخميس . ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال ، كان كصيام الدهر . وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة ، ويوم عرفة كفارة سنتين ولا يستحب لمن كان بعرفة ، ويستحب صوم عشر ذي الحجة وأفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم .


باب صوم التطوع وفيه فضل عظيم ، وفي الحديث الصحيح : كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فيقول الله - تعالى - : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به وهذه الإضافة للتشريف والتعظيم .

( وأفضله صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما ) لأمره - عليه السلام - عبد الله بن عمرو قال : هو أفضل الصيام قال : فإني أطيق أفضل من ذلك فقال : لا أفضل من ذلك متفق عليه ، وشرطه أن لا يضعف البدن حتى يعجز عما هو أفضل من القيام بحقوق الله - تعالى - وحقوق عباده اللازمة ، فإن أضعف عن شيء من ذلك كان تركه أفضل ، ولهذا أشار الصادق في حق داود - عليهما السلام - : ولا يفر إذا لاقى فمن حق النفس اللطف بها حتى توصل صاحبها إلى المنزل .

( ويستحب صيام ) ثلاثة أيام من كل شهر بغير خلاف نعلمه ، والأفضل أن يجعلها ( أيام البيض ) نص عليه ، لما روى أبو ذر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة . رواه الترمذي ، وحسنه سميت بيضا لابيضاض ليلها كله بالقمر ، وقيل : لأن الله - تعالى - تاب على آدم ، وبيض فيها صحيفته ، وحكى الماوردي : الثاني عشر بدل الخامس [ ص: 51 ] عشر ، وقيل : هي أول الشهر وعاشره وعشرونه ، ولم يتعرض أصحابنا باستحباب السود ، وهي الثامن والعشرون وتالياه ، وصرح الماوردي باستحبابه ، ( وصوم الاثنين والخميس ) نص عليه لما روى أسامة بن زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : هما يومان تعرض الأعمال فيهما على رب العالمين ، وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم . رواه أحمد والنسائي وسميا به ; لأن الأول ثاني الأسبوع ، والآخر خامسه ، ( ومن صام رمضان ، وأتبعه بست من شوال ) كذا في النسخ بغير تاء ، والمراد : الأيام ; لأن العرب تغلب في التاريخ الليالي على الأيام ( كان كصيام الدهر ) كذا أخرجه مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري مرفوعا من رواية سعد بن سعيد ضعفه أحمد ، وقواه آخرون ، وقال ابن عيينة ، وإليه مال أحمد : إنه موقوف ، ورواه أحمد من حديث جابر مرفوعا ، وكذا من حديث ثوبان ، وفيه ستة أيام بعد الفطر ، ولا شك أن الفضل حصل به بخلاف يوم الشك .

لا يقال : لا دلالة في الخبر على فضيلتها لكونه شبه صيامها بصيام الدهر ، وهو مكروه ; لأنه إنما كره صومه لما فيه من الضعف ، والتشبه بالتبتل ، ولولا ذلك لكان من أعظم الطاعات لاستغراقه الزمن بالعبادة ، والمراد بالخبر : التشبيه في حصول العبادة به على وجه لا مشقة فيه ، كما في أيام البيض ، وتحصل فضيلتها بالتتابع والتفرق عند أحمد ، وظاهر " الخرقي " وغيره استحباب تتابعهما ، وبعضهم استحبها عقب العيد ، واستحبها جماعة ، وهو أظهر قال في " الفروع " : ولعله مراد أحمد ، والأصحاب ، لما فيه من المسارعة إلى الخير ، وروى الطبراني من حديث أبي هريرة مرفوعا من صام ستة أيام بعد الفطر متتابعة فكأنما صام السنة وفي " الفروع " احتمال أن [ ص: 52 ] الفضيلة تحصل بصومها في غير شوال ، وذكره القرطبي قال : لأن فضيلتها كون الحسنة بعشر أمثالها ، ويكون تقييده بشوال لسهولة الصوم فيه لاعتياده ، وفيه نظر . وظاهره أنه لا يستحب صيامها إلا لمن صام رمضان ، وقاله أحمد والأصحاب ، لكن ذكر في " الفروع " أن فضيلتها تحصل لمن صامها وقضاء رمضان وقد أفطر لعذر ، ولعله مراد الأصحاب ، وفيه شيء .

( وصيام يوم عاشوراء ) بالمد في الأشهر ، وهو اسم إسلامي لا يعرف في الجاهلية قاله ابن دريد ، وهو اليوم العاشر من المحرم في قول أكثر العلماء ، ورواه الترمذي مرفوعا ، وصححه ، وقال ابن عباس هو التاسع ( كفارة سنة ) ماضية للخبر ، ويستحب معه صوم التاسع لما روى الخلال بإسناد جيد عن ابن عباس مرفوعا لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر واحتج به أحمد ، وقال إن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام ليتيقن صومهما . وظاهره أنه لا يكره إفراد العاشر بالصوم ، وهو المذهب ، وقال الشيخ تقي الدين : مقتضى كلام أحمد الكراهة ، وهي قول ابن عباس ، ولم يجب صومه في قول أصحابنا ، وعنه : وجب ثم نسخ ، اختاره الشيخ تقي الدين ، ومال إليه المؤلف ، وقاله الأصوليون .

فائدة : ينبغي فيه التوسعة على العيال ، سأل ابن منصور أحمد عنه قال : " نعم " . رواه سفيان بن عيينة عن جعفر الأحمر عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر ، وكان من أفضل زمانه أنه بلغه أن من ، وسع على عياله يوم عاشوراء ، وسع الله عليه سائر سنته قال ابن عيينة : قد جربنا منذ خمسين سنة أو ستين فما رأينا إلا خيرا .

( ويوم عرفة ) وهو التاسع من ذي الحجة سمي به للوقوف بعرفة ، وتعارفهم فيها ، وقيل : لأن جبريل عرف إبراهيم الحج ، وقيل : للرؤيا التي رآها ، وقيل : لتعارف [ ص: 53 ] آدم وحواء بها ( كفارة سنتين ) لما روى أبو قتادة مرفوعا قال : صيام عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده ، وقال في صيام عاشوراء : إني احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله . رواه مسلم ، ولعل مضاعفة التكفير على عاشوراء ; لأن نبينا - عليه السلام - أعطيه ، والمراد : به تكفير الصغائر . حكاه في " شرح مسلم " عن العلماء ، فإن لم يكن له صغائر ، رجي التخفيف من الكبائر ، فإن لم يكن رفعت له درجات ، ( ولا يستحب ) صومه ( لمن كان بعرفة ) لما روت أم الفضل أنها أرسلت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه متفق عليه وأخبر ابن عمر أنه حج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ، فلم يصمه أحد منهم ، ولأنه يضعف عن الدعاء فكان تركه أفضل ، وقيل : لأنهم أضياف الله وزواره ، وكرهه جماعة للنهي عنه في حديث أبي هريرة . رواه أحمد ، وابن ماجه ، واختار الآجري أنه يستحب إلا أن يضعفه عن الدعاء ، وحكاه الخطابي عن إمامنا نحوه قال المجد : وهذا في غير المتمتع ، والقارن إذا عدما الهدي ، وسيأتي .

( ويستحب صوم عشر ذي الحجة ) لما روى ابن عباس مرفوعا قال : ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه - لأيام العشرة - قالوا : يا رسول الله ، ولا الجهاد في سبيل الله قال : ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء . رواه البخاري ، والمراد به : تسعة ، وإطلاق العشر عليها تغليبا ، وآكده التاسع ، ثم الثامن ، ووهم بعضهم فعكس . وظاهر " المحرر " أنهما سواء .

[ ص: 54 ] ( وأفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ) رواه مسلم من حديث أبي هريرة ، وأضافه إلى الله - تعالى - تفخيما وتعظيما كناقة الله ، ولم يكثر - عليه السلام - الصوم فيه إما لعذر أو لم يعلم فضله إلا أخيرا ، والمراد : أفضل شهر تطوع به كاملا بعد رمضان شهر الله المحرم ; لأن بعض التطوع قد يكون أفضل من أيامه كعرفة ، وعشر ذي الحجة فالتطوع المطلق أفضله المحرم ، كما أن أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل ، وآكده عاشوراء ، ثم تاسوعاء ، ثم العشر الأول ، وهو أفضل الأشهر قاله الحسن ، ورجحه بعض الفقهاء .

التالي السابق


الخدمات العلمية