صفحة جزء
[ من الذي يلزمه العتق ]

وأما من يدخل عليهم العتق كرها فهم ثلاثة : 1 - من بعض العتق ، وهذا متفق عليه في أحد قسميه ، واثنان مختلف فيهما وهما : 2 - من ملك من يعتق عليه ، 3 - ومن مثل بعبده .

1 - فأما من بعض العتق ، فإنه ينقسم قسمين : أحدهما : من وقع تبعيض العتق منه وليس له من العبد إلا الجزء المعتق ، والثاني : أن يكون يملك العبد كله ولكن بعض عتقه اختيارا منه .

فأما العبد بين الرجلين يعتق أحدهما حظه منه ، فإن الفقهاء اختلفوا في حكم ذلك .

فقال مالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل : إن كان المعتق موسرا قوم عليه نصيب شريكه قيمة العدل ، فدفع ذلك إلى شريكه وعتق الكل عليه وكان ولاؤه له ، وإن كان المعتق معسرا لم يلزمه شيء وبقي المعتق بعضه عبدا وأحكامه أحكام العبد .

وقال أبو يوسف ومحمد : إن كان معسرا سعى العبد في قيمته للسيد الذي لم يعتق حظه منه وهو حر يوم أعتق حظه منه الأول ويكون ولاؤه للأول ، وبه قال الأوزاعي ، وابن شبرمة ، وابن أبي ليلى ، وجماعة الكوفيين ، إلا أن ابن شبرمة ، وابن أبي ليلى جعلا للعبد أن يرجع على المعتق بما سعى فيه متى أيسر . وأما [ ص: 694 ] شريك المعتق فإن الجمهور على أن له الخيار في أن يعتق أو يقوم نصيبه على المعتق .

وقال أبو حنيفة : لشريك الموسر ثلاث خيارات :

أحدها : أن يعتق كما أعتق شريكه ويكون الولاء بينهما ، وهذا لا خلاف فيه بينهم .

والخيار الثاني : أن تقوم عليه حصته .

والثالث : أن يكلف العبد السعي في ذلك إن شاء ويكون الولاء بينهما وللسيد المعتق عبده عنده إذا قوم عليه شريكه نصيبه أن يرجع على العبد فيسعى فيه ويكون الولاء كله للمعتق .

وعمدة مالك والشافعي حديث ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من أعتق شركا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة العدل ، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد ، وإلا فقد عتق منه ما عتق " .

وعمدة محمد ، وأبي يوسف صاحبي أبي حنيفة ومن يقول بقولهم حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من أعتق شقصا له في عبده فخلاصه في ماله إن كان له مال ، فإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه " . وكلا الحديثين خرجه أهل الصحيح البخاري ، ومسلم وغيرهما ، ولكل طائفة منهم قول في ترجيح حديثه الذي أخذ به .

فمما وهنت فيه الكوفية حديث ابن عمر أن بعض رواته شك في الزيادة المعارضة فيه لحديث أبي هريرة " وإلا فقد عتق منه ما عتق " ، فهل هو من قوله - عليه الصلاة والسلام - ، أم من قول نافع ، وإن في ألفاظه أيضا بين رواته اضطرابا .

ومما وهن به المالكيون حديث أبي هريرة أنه اختلف أصحاب قتادة فيه على قتادة في ذكر السعاية . وأما من طريق المعنى فاعتمدت المالكية في ذلك على أنه إنما لزم السيد التقويم إن كان له مال للضرر الذي أدخله على شريكه والعبد لم يدخل ضررا فليس يلزمه شيء .

وعمدة الكوفيين من طريق المعنى أن الحرية حق شرعي لا يجوز تبعيضه ، فإذا كان الشريك المعتق موسرا عتق الكل عليه ، وإذا كان معسرا سعى العبد في قيمته وفيه مع هذا رفع الضرر الداخل على الشريك وليس فيه ضرر على العبد ، وربما أتوا بقياس شبهي ، وقالوا : لما كان العتق يوجد منه في الشرع نوعان : نوع يقع بالاختيار ، ( وهو إعتاق السيد عبده ابتغاء ثواب الله ) . ونوع يقع بغير اختبار ، ( وهو أن يعتق على السيد من لا يجوز له بالشريعة ملكه ) ، وجب أن يكون العتق بالسعي كذلك . فالذي بالاختيار منه هو الكتابة . والذي هو داخل بغير اختيار هو السعي .

واختلف مالك ، والشافعي في أحد قوليه إذا كان المعتق موسرا هل يعتق عليه نصيب شريكه بالحكم أو بالسراية ؟ ( أعني : أنه يسري وجوب عتقه عليه بنفس العتق ) ، فقالت الشافعية : يعتق بالسراية ، وقالت المالكية : بالحكم .

واحتجت المالكية بأنه لو كان واجبا بالسراية لسرى مع العدم واليسر . واحتجت الشافعية باللازم عن مفهوم قوله - عليه الصلاة والسلام - : " قوم عليه قيمة العدل " ، فقالوا : ما يجب تقويمه فإنما يجب بعد إتلافه فإذن بنفس العتق أتلف حظ صاحبه فوجب عليه تقويمه في وقت الإتلاف ، وإن لم يحكم عليه بذلك [ ص: 695 ] حاكم ، وعلى هذا فليس للشريك أن يعتق نصيبه ; لأنه قد نفذ العتق وهذا بين .

وقول أبي حنيفة في هذه المسألة مخالف لظاهر الحديثين ، وقد روي فيها خلاف شاذ ، فقيل عن ابن سيرين : إنه جعل حصة الشريك في بيت المال ، وقيل عن ربيعة فيمن أعتق نصيبا له في عبد : أن العتق باطل ، وقال قوم : لا يقوم على المعسر الكل ، وينفذ العتق فيما أعتق . وقال قوم بوجوب التقويم على المعتق موسرا أو معسرا ويتبعه شريكه ، وسقط العسر في بعض الروايات في حديث ابن عمر ، وهذا كله خلاف الأحاديث ، ولعلهم لم تبلغهم الأحاديث .

واختلف قول مالك من هذا في فرع وهو إذا كان معسرا فأخر الحكم عليه بإسقاط التقويم حتى أيسر ، فقيل : يقوم ، وقيل : لا يقوم . واتفق القائلون بهذه الآثار على أن من ملك باختياره شقصا يعتق عليه من عبد : أنه يعتق عليه الباقي إن كان موسرا إلا إذا ملكه بوجه لا اختيار له فيه ، وهو أن يملكه بميراث ، فقال قوم : يعتق عليه في حال اليسر ، وقال قوم : لا يعتق عليه ، وقال قوم : في حال اليسر بالسعاية ، وقال قوم : لا .

وإذا ملك السيد جميع العبد فأعتق بعضه ، فجمهور علماء الحجاز والعراق مالك والشافعي والثوري ، والأوزاعي ، وأحمد وابن أبي ليلى ، ومحمد بن الحسن ، وأبو يوسف يقولون : يعتق عليه كله ، وقال : أبو حنيفة ، وأهل الظاهر : يعتق منه ذلك القدر الذي عتق ويسعى العبد في الباقي ، وهو قول طاوس وحماد . وعمدة استدلال الجمهور أنه لما ثبتت السنة في إعتاق نصيب الغير على الغير لحرمة العتق كان أحرى أن يجب ذلك عليه في ملكه .

وعمدة أبي حنيفة أن سبب وجوب العتق على المبعض للعتق هو الضرر الداخل على شريكه ، فإذا كان ذلك كله ملكا له لم يكن هنالك ضرر .

فسبب الاختلاف من طريق المعنى هل علة هذا الحكم حرمة العتق ، ( أعني : أنه لا يقع فيه تبعيض ) ، أو مضرة الشريك ؟

واحتجت الحنفية بما رواه إسماعيل بن أمية عن أبيه عن جده أنه أعتق نصف عبده ، فلم ينكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عتقه .

ومن عمدة الجمهور ما رواه النسائي ، وأبو داود عن أبي المليح عن أبيه " أن رجلا من هذيل أعتق شقصا له من مملوك فتمم النبي - عليه الصلاة والسلام - عتقه ، وقال : " ليس لله شريك " ، وعلى هذا فقد نص على العلة التي تمسك بها الجمهور ، وصارت علتهم أولى ; لأن العلة المنصوص عليها أولى من المستنبطة .

فسبب اختلافهم تعارض الآثار في هذا الباب وتعارض القياس .

2 - وأما الإعتاق الذي يكون بالمثلة ، فإن العلماء اختلفوا فيه ، فقال : مالك والليث والأوزاعي : من مثل بعبده أعتق عليه ، وقال أبو حنيفة والشافعي : لا يعتق عليه ، وشذ الأوزاعي فقال : من مثل بعبد غيره أعتق عليه ، والجمهور على أنه يضمن ما نقص من قيمة العبد .

فمالك ومن قال بقوله اعتمد حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن زنباعا وجد غلاما له مع [ ص: 696 ] جارية ، فقطع ذكره وجدع أنفه ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما حملك على ما فعلت ؟ فقال : فعل كذا وكذا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : اذهب فأنت حر " .

وعمدة الفريق الثاني قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر " من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته عتقه " قالوا : فلم يلزم العتق في ذلك وإنما ندب إليه . ولهم من طريق المعنى أن الأصل في الشرع هو أنه لا يكره السيد على عتق عبده إلا ما خصصه الدليل . وأحاديث عمرو بن شعيب مختلف في صحتها ، فلم تبلغ من القوة أن يخصص بها مثل هذه القاعدة .

3 - وأما هل يعتق على الإنسان أحد من قرابته ، وإن عتق فمن يعتق ؟ فإنهم اختلفوا في ذلك ، فجمهور العلماء على أنه يعتق على الرجل بالقرابة إلا داود وأصحابه ، فإنهم لم يروا أن يعتق أحد على أحد من قبل قربى .

والذين قالوا بالعتق اختلفوا فيمن يعتق ممن لا يعتق بعد اتفاقهم على أنه يعتق على الرجل أبوه وولده ، فقال مالك : يعتق على الرجل ثلاثة : أحدها : أصوله ( وهم الآباء والأجداد والجدات والأمهات ، وآباؤهمن وأمهاتهم ، وبالجملة كل من كان له على الإنسان ولادة ) . والثاني : فروعه ( وهم : الأبناء والبنات وولدهم ما سفلوا ، وسواء في ذلك ولد البنين وولد البنات ، وبالجملة كل من للرجل عليه ولادة بغير توسط أو بتوسط ، ذكر أو أنثى ) . والثالث : الفروع المشاركة له في أصله القريب ( وهم : الإخوة ، وسواء كانوا لأب وأم ، أو لأب فقط ، أو لأم فقط; واقتصر من هذا العمود على القريب فقط ، فلم يوجب عتق بني الإخوة ) .

وأما الشافعي ، فقال مثل قول مالك في العمودين الأعلى والأسفل ، وخالفه في الإخوة فلم يوجب عتقهم .

وأما أبو حنيفة فأوجب عتق كل ذي رحم محرم بالنسب كالعم والعمة والخال والخالة وبنات الأخ ، ومن أشبههم ممن هو من الإنسان ذو محرم .

وسبب اختلاف أهل الظاهر مع الجمهور اختلافهم في مفهوم الحديث الثابت ، وهو قوله - عليه الصلاة والسلام - : " لا يجزي ولد عن والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه " خرجه مسلم والترمذي وأبو داود وغيرهم .

فقال : الجمهور : يفهم من هذا أنه إذا اشتراه وجب عليه عتقه ، وأنه ليس يجب عليه شراؤه .

وقالت الظاهرية : المفهوم من الحديث أنه ليس يجب عليه شراؤه ولا عتقه إذا اشتراه ، قالوا : لأن إضافة عتقه إليه دليل على صحة ملكه له ، ولو كان ما قالوا صوابا ، لكان اللفظ إلا أن يشتريه فيعتق عليه .

وعمدة الحنفية ما رواه قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من ملك ذا رحم محرم فهو حر " وكأن هذا الحديث لم يصح عند مالك والشافعي .

وقاس مالك الإخوة على الأبناء والآباء ، ولم يلحقهم بهم الشافعي واعتمد الحديث المتقدم فقط ، وقاس الأبناء على الآباء .

وقد رامت المالكية أن تحتج لمذهبها بأن البنوة صفة هي ضد العبودية ، وأنه ليس تجتمع معها لقوله [ ص: 697 ] تعالى : ( وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ) وهذه العبودية هي معنى غير العبودية التي يحتجون بها ، فإن هذه العبودية معقولة وبنوة معقولة . والعبودية التي بين المخلوقين والمولايية هي عبودية بالشرع لا بالطبع ( أعني : بالوضع ) لا مجال للعقل كما يقولون فيها عندهم ، وهو احتجاج ضعيف . وإنما أراد الله تعالى أن البنوة تساوي الأبوة في جنس الوجود أو في نوعه ( أعني : أن الموجودين اللذين أحدهما أب والآخر ابن هما متقاربان جدا ، حتى إنهما إما أن يكونا من نوع واحد أو جنس واحد ) ، وما دون الله من الموجودات فليس يجتمع معه سبحانه في جنس قريب ولا بعيد ، بل التفاوت بينهما غاية التفاوت ، فلم يصح أن يكون في الموجودات التي هاهنا شيء نسبته إليه نسبة الأب إلى الابن ، بل إن كان نسبة الموجودات إليه نسبة العبد إلى السيد كان أقرب إلى حقيقة الأمر من نسبة الابن إلى الأب ; لأن التباعد الذي بين السيد والعبد في المرتبة أشد من التباعد الذي بين الأب والابن ، وعلى الحقيقة فلا شبه بين النسبتين ، لكن لما لم يكن في الموجودات نسبة أشد تباعدا من هذه النسبة ( أعني : تباعد طرفيهما في الشرف والخسة ) ضرب المثال بها ( أعني : نسبة العبد للسيد ) ، ومن لحظ المحبة التي بين الأب والابن والرحمة والرأفة والشفقة أجاز أن يقول في الناس إنهم أبناء الله على ظاهر شريعة عيسى .

فهذه جملة المسائل المشهورة التي تتعلق بالعتق الذي يدخل على الإنسان بغير اختياره ، وقد اختلفوا من أحكام العتق في مسألة مشهورة تتعلق بالسماع .

التالي السابق


الخدمات العلمية