صفحة جزء
[ ص: 461 ] فما لم يخالف دليلا ، كاستباحة المباحات ، وسقوط صوم شوال ، لا يسمى رخصة ، وما خفف عنا من التغليظ على الأمم قبلنا ، بالنسبة إلينا رخصة مجازا ، وما خص به العام إن اختص بمعنى لا يوجد في بقية صوره ، كالأب المخصوص بالرجوع في الهبة فليس برخصة ، وإلا كان رخصة ، كالعرايا المخصوصة من بيع المزابنة . وإباحة التيمم رخصة ، إن كان مع القدرة على استعمال الماء لمرض ، أو زيادة ثمن ، وإلا فلا ، لعدم قيام السبب .


قوله : " فما لم يخالف دليلا " ، إلى آخره . هذا كالامتحان لحد العزيمة والرخصة بالتفريع عليه ، فاستباحة المباحات من مأكول ومشروب وتنزه ونحوه ، وعدم صوم شوال ، لا يسمى رخصة ، لكونه لا يخالف دليلا ، وشرط الرخصة مخالفة الدليل .

وقولنا هاهنا : وعدم وجوب صوم شوال : أجود من قولنا في " المختصر " : وسقوط صوم شوال ، لأن السقوط يستدعي سابقة وجوب ، وصوم شوال لم يجب أصلا حتى يكون عدم صومه لسقوطه .

فأما ما خفف عنا - أيها الأمة الإسلامية - من التغليظ الذي كان على الأمم قبلنا ، كقطع محل النجاسة من الثوب والبدن ، وهتك العصاة بوجود معاصيهم مكتوبة على أبوابهم ، فيعاقبون عليها ، وهي الآصار والأغلال الموضوعة عنا ببركة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فهو بالنسبة إلينا رخصة على جهة المجاز ، بمعنى أنه سهل علينا ما شدد [ ص: 462 ] عليهم رفقا من الله سبحانه وتعالى بنا مع جواز إيجابه علينا كما أوجبه عليهم ، لا على معنى أننا استبحنا شيئا من المحرمات عليهم مع قيام المحرم في حقنا ، لأن المحرم لذلك إنما كان عليهم ، لأنهم المكلفون به لا نحن ، فهذا وجه التجوز .

أما كون ذلك عزيمة في حقهم ، فهو حقيقة ، لأنه طلب منهم طلبا مؤكدا بدليل خال عن معارض . وهذا حقيقة العزيمة .

قوله : " وما خص به العام " ، إلى آخره . أي : ما خص به العام من الأحكام ، فلا يخلو ، إما أن يختص ذلك المخصص للعام بمعنى لا يوجد في بقية صور العام ، أو لا يختص .

فإن اختص بمعنى لا يوجد في بقية الصور ، فليس برخصة ، وذلك كالأب المخصوص بجواز الرجوع في الهبة لابنه من عموم قوله عليه السلام : ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه رواه البخاري ، وصححه الترمذي .

فإن اختصاص الأب بجواز الرجوع في الهبة لمعنى خاص فيه ، وهو الأبوة ، دون سائر الواهبين ، فهو من باب تخصيص العموم لا من باب الرخص .

وإن لم يختص ذلك المخصص بمعنى لا يوجد في بقية صوره ، كان رخصة ، كالعرايا المخصوصة من بيع المزابنة ، فإن المزابنة : بيع التمر بالرطب ، وقد نهي عنه نهيا عاما ، ثم خصت منه العرايا في خمسة أوسق فما دونهما للحاجة بشروط ذكرت في الفقه . وصرحت الرواة بلفظ الرخصة فيها ، حيث روى زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : نهى عن المزابنة ، إلا أنه قد رخص في بيع العرايا بخرصها [ ص: 463 ] . رواه الترمذي ، وهو في " الصحيحين " وغيرهما .

والفرق بين المخصصين فيما يظهر لي أن المعنى المخصص للأب من عموم منع الرجوع في الهبة دائم القيام به ، وهو الأبوة ، والمخصص لمحل الرخصة من عموم دليل العزيمة عارض غير لازم ، كالمخمصة في أكل الميتة ، والحاجة في العرايا .

واعلم أن هذا الفرق لا يؤثر ، ولا يناسب اختلاف الحكم في الصورتين المذكورتين ، بل الأشبه أنهما يسميان رخصة : أعني رجوع الأب في الهبة ، وجواز العرايا ، ونحوها ، لوجهين :

أحدهما : أن معنى الرخصة لغة وشرعا مشترك بينهما ، أما لغة . فلأن الرخصة من السهولة كما سبق ، وفي تجويز الرجوع للأب في الهبة تسهيل عليه . وأما شرعا : فلأن رجوعه على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح ، وهذا حد الرخصة ، فوجب أن يكون رخصة .

الثاني : أن الرخصة تقابل العزيمة ، ولا شك أن تحريم الرجوع في الهبة على الأجانب عزيمة ، فوجب أن يكون جوازه للأب رخصة .

قوله : " وإباحة التيمم رخصة " إلى آخره . أي : لا يخلو التيمم من أن يكون [ ص: 464 ] مع القدرة على استعمال الماء ، أو مع عدم القدرة عليه . فإن كان مع القدرة على استعماله لوجوده ، لكن جاز العدول عنه لمرض أو زيادة ثمن لا يوجب الشرع بذلها ، فإباحته رخصة لتحقق حد الرخصة ، وهو استباحة المحظور ، وهو الصلاة مع الحدث مع قيام السبب الحاظر ، وهو القدرة على الماء .

وإن كان عدم القدرة على استعمال الماء لعدمه أو حائل دونه ، فليست إباحته رخصة ، لعدم قيام السبب المحرم ، وهو القدرة على الماء . وعلى هذا كلام يأتي بعد إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


الخدمات العلمية