صفحة جزء
[ ص: 532 ]

وأنكر قوم المجاز مطلقا ، والحق ثبوته في المفرد ، كالأسد في الشجاع ، وفي المركب ، نحو : أشابني الزمان ، وأخرجت الأرض أثقالها ، وأحياني اكتحالي بطلعتك ، على الأظهر فيه .


قوله : " وأنكر قوم المجاز مطلقا ، والحق ثبوته " .

اختلف الناس في المجاز ، فأثبته الجمهور مطلقا ، مفردا ومركبا ، في عموم اللغة ، وخصوص القرآن .

وأنكره الأستاذ أبو إسحاق ومن تابعه مطلقا ، واحتجوا بوجهين :

أحدهما : أن اللفظ إما غير مفيد ، فليس من اللغة ، لأنه مهمل ، أو مفيد للمراد به فإفادته إما بنفسه بغير قرينة ، أو مع القرينة ، فهو حقيقة على التقديرين ، لإفادته عين المراد به دون غيره ، فإن قولنا : رأيت أسدا بيده سيف يضرب به ، يفيد الرجل الشجاع قطعا ، كما أن قولنا : رأيت أسدا ، يفيد السبع الخاص عند الإطلاق وضعا .

والجواب : أن النزاع بموجب ما ذكرتم لفظي ، لأنكم أنتم تسمون اللفظ المفيد مطلقا حقيقة ، سواء أفاد بنفسه أو قرينة .

ونحن نقول : إن أفاد بنفسه ، فهو حقيقة ، وإن توقفت إفادته على قرينة فهو مجاز ، والخطب في النزاع اللفظي يسير ، وتسميتنا أولى ، إعطاء لكل واحد من لفظي الحقيقة والمجاز مسمى ومدلولا .

الوجه الثاني لهم : أن استعمال المجاز مع افتقاره إلى القرينة ، وإمكان الاستغناء عنه باللفظ الحقيقي ، مخالف حكم أهل الوضع ، لأنه تكلف خال عن فائدة ، كاستعمال لفظ الحمار في البليد ، مع إمكان أن يقول : هو بليد . [ ص: 533 ]

والجواب : لا نسلم أنه تكلف ، ولا أنه خال عن فائدة ، بل المجاز أخف على اللسان ، وأعون على تحقيق الأوزان نظما ونثرا ، وعلى تحقيق الجناس والطباق ، والتعظيم والتحقير ، وهو أخف على القلوب ، وأسهل دخولا في الأسماع ، وهو من بديع لغة العرب ومحاسنها .

والدليل لنا على ثبوته : أنه ممكن واقع . أما إمكانه فلأن فرض وقوعه على ما نبين في حده لا يلزم منه محال لذاته ولا لغيره ، وكل ما كان كذلك ، فهو ممكن ، وأما وقوعه ، فما اشتهر من استعمال أهل اللغة من إطلاق لفظ الأسد على الشجاع ، والحمار على البليد ، والبحر على العالم ، والجواد ، والفرس الشديد الجري ، في قوله عليه السلام في فرس أبي طلحة لما ركبه : وجدناه بحرا وغير ذلك كثير .

وقولهم : إن إفادة هذه الألفاظ مع القرينة حقيقة : نزاع لفظي كما بينا ، فلا يعرج عليه .

قوله : " والحق ثبوته " ، يعني أصل المجاز مطلقا ، وقد بيناه .

والحق ثبوته أيضا في المفرد والمركب على الأظهر فيه ، لأن النزاع إما في أصل المجاز أو في أقسامه ، فبعض من وافق على أصل المجاز إمكانا ووقوعا نازع في أقسامه فقال : لا مجاز إلا في مفردات الألفاظ دون مركباتها .

فالمجاز الإفرادي ، أي : الواقع في مفردات الألفاظ ، كاستعمال لفظ الأسد في [ ص: 534 ] الشجاع ، فإن الأسد لفظ مفرد ، دل على مسمى مفرد ، والشجاع كذلك ، فهذا يسمى مجازا إفراديا ، ومجازا في المفردات .

والمجاز التركيبي ، أي : الواقع في الألفاظ المركبة ، نحو قول الشاعر :


أشاب الصغير وأفنى الكبير كر الغداة ومر العشي

وإلى هذا أشرت بقولي : " نحو أشابني الزمان " وكقول هذا الشاعر بعينه :


تموت مع المرء حاجاته     وتبقى له حاجة ما بقي

فلفظ الإشابة حقيقة في مدلوله ، وهو تبييض الشعر لنقص الحار الغريزي ، لضعف الكبر ، ولفظ الزمان - الذي هو مرور الليل والنهار - حقيقة في مدلوله أيضا ، لكن إسناد الإشابة إلى الزمان مجاز ، إذ المشيب للناس في الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى ، فهذا مجاز في التركيب ، أي : في إسناد الألفاظ بعضها إلى بعض ، لا في نفس مدلولات الألفاظ ، وهكذا كل لفظ كان موضوعا في اللغة ليسند إلى لفظ آخر فأسند إلى غير ذلك اللفظ ، فإسناده مجاز تركيبي ، كلفظ السؤال ، فإنه وضع في اللغة ليسند إلى أولي العقل والعلم ، نحو : سألت زيدا عن كذا ، فاسأل به خبيرا [ الفرقان : 59 ] ، فاسألوا أهل الذكر [ النحل : 43 ] ، إذا سألت فاسأل الله ، واسألوا الله من فضله [ النساء : 32 ] ، فإذا أسند السؤال إلى غير ذوي العلم كان مجازا إسناديا ، كقوله سبحانه وتعالى : واسأل القرية [ يوسف : 82 ] ، [ ص: 535 ] لأن السؤال لم يوضع ليسند إلى القرية ، التي هي الأبنية والجدران الجامدة ، بل إلى العقلاء ، فلذلك قدر فيه الأهل ، فقيل معناه : واسأل أهل القرية . وهكذا قول الشاعر :


تموت مع المرء حاجاته

فلفظ الموت والحاجة حقيقة في مدلولها ، وإنما المجاز في إسناد الموت إلى الحاجة ، وإنما وضع الموت ليسند إلى الأجسام الحية .

ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى : وأخرجت الأرض أثقالها [ الزلزلة : 2 ] ، فلفظ الإخراج والأرض حقيقة في مدلولهما ، والمجاز في إسناد الإخراج إلى الأرض ، إذ المخرج لأثقال الأرض - وهم الموتى في الحقيقة - إنما هو الله سبحانه وتعالى .

وكذلك قولهم : أحياني اكتحالي بطلعتك ، حقيقته : سرتني رؤيتك ، لكنه أطلق لفظ الإحياء على السرور مجازا إفراديا ، لأن الحياة شرط صحة السرور ، وهو من آثارها .

وكذلك لفظ الاكتحال على الرؤية مجاز إفرادي ، لأن الاكتحال جعل العين مشتملة على الكحل ، كما أن الرؤية جعل العين مشتملة على صورة المرئي بانطباعها في الجليدة . فلفظ الإحياء والاكتحال حقيقة في مدلولهما ، وهو سلك الروح في الجسد ووضع الكحل في العين ، واستعماله - أعني لفظ الإحياء والاكتحال - في السرور والرؤية مجاز إفرادي ، وإسناد الإحياء إلى الاكتحال مجاز تركيبي ، لأن لفظ الإحياء لم يوضع ليسند إلى الاكتحال ، بل إلى الله سبحانه وتعالى ، لأن الأحياء والإماتة الحقيقيين من خواص قدرته سبحانه وتعالى . [ ص: 536 ]

فقد بان بهذا أن المجاز إما في الإفراد ، كاستعمال الأسد في الشجاع ، أو في التركيب نحو : أشابني الزمان ، وأخرجت الأرض أثقالها [ الزلزلة : 2 ] ، واسأل القرية [ يوسف : 82 ] ، أو في الإفراد والتركيب معا ، نحو : أحياني اكتحالي بطلعتك ، فإن التجوز في لفظ الإحياء في إسناد الإحياء إلى الاكتحال .

وأما قوله : " على الأظهر فيه " ، فإشارة إلى وقوع الخلاف في المجاز التركيبي ، وهكذا أطلق بعض الأصوليين الخلاف فيه .

والتحقيق أن الخلاف ليس في جوازه ، ولا في وقوعه ، بدليل الأمثلة المذكورة ، وإنما الخلاف في كونه عقليا أو لغويا ، أي : في أن المنقول في هذا المجاز ، هل هو حكم عقلي أو لفظ لغوي وضعي ؟

احتج الأولون بأن الإخراج والإنبات في قوله تعالى : وأخرجت الأرض [ الزلزلة : 2 ] ، و مما تنبت الأرض [ البقرة : 61 ] ، غير مسندين في الحقيقة إلى الأرض ، بل إلى الله سبحانه وتعالى ، وقد بين ذلك بقوله تعالى : أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض [ البقرة : 267 ] ، وقوله تعالى : فأنبتنا فيها حبا [ عبس : 27 ] ، وإسناد الإخراج والإنبات إلى الله سبحانه وتعالى أمر عقلي ، أي : يدرك بالعقل ، وإسناده إلى الأرض نقل لحكم عقلي عن [ ص: 537 ] متعلقه الحقيقي إلى غيره ، ولا معنى لقولنا : إن المجاز التركيبي عقلي إلا هذا .

واحتج الآخرون بأن صيغة أخرج وأنبت وضعت في اللغة بإزاء صدور الإخراج والإنبات عن عالم قادر ، فإذا استعملت تلك الصيغة في صدورها عن الأرض ، فقد استعملت في غير موضوعها ، كما استعمل لفظ الأسد إذا أريد به الرجل الشجاع في غير موضوعه ، فيكون هذا المجاز لغويا .

وأجيب عن هذا : بأن صيغ الأفعال لا تدل على خصوصية الفاعل دلالة لفظية ، لا مطابقة ولا تضمنا ، وإنما تدل عليه دلالة عقلية التزامية ، وحينئذ نقول : صيغة أخرج وأنبت لا تدل على صدورهما عن عالم قادر من حيث اللفظ ، وإنما تدل عليه من حيث العقل ، لاستحالة صدور الأفعال حقيقة عن الجمادات ، وأبلغ من هذا أن الفعل إنما يدل على فاعله مطلقا دلالة الأثر على المؤثر ، لاستحالة فعل لا فاعل له ، وهي دلالة عقلية ، وحينئذ يثبت أن دلالة الإخراج والإنبات على صدورهما عن الله تعالى عقلية ، فيكون إسناده إلى الأرض نقلا لحكم عقلي ، فيكون هذا المجاز عقليا لا لغويا ، وإن قولنا : هو ثابت على الأظهر فيه ، متابعة لمن أطلق خلاف الصواب ، وإنه كان قبل وقوفي على هذا التقدير ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية