صفحة جزء
[ ص: 558 ]

والظاهر : حقيقة ، هو الاحتمال المتبادر ، واستعمالا ، اللفظ المحتمل معنيين فأكثر ، هو في أحدها أظهر ، أو ما بادر منه عند إطلاقه معنى مع تجويز غيره ، ولا يعدل عنه إلا بتأويل ، وهو صرف اللفظ عن ظاهره لدليل يصير به المرجوح راجحا .


قوله : " والظاهر حقيقة " أي : في نفس الأمر ، هو الشاخص المرتفع ، ومنه قيل لأشراف الأرض : ظواهر . والظاهر خلاف الباطن ، ولذلك قابل الله تعالى في صفاته الكريمة بينهما ، فقال : هو الأول والآخر والظاهر والباطن [ الحديد : 3 ] ، وكما أن المرتفع من الأشخاص هو الظاهر الذي تبادر إليه الأبصار ، فكذلك المعنى المتبادر من اللفظ ، هو الظاهر الذي تبادر إليه البصائر والأفهام .

أما إطلاق الظاهر على اللفظ المحتمل أمورا ، هو في أحدها أرجح ، فهذا اصطلاح لا حقيقة .

قوله : " واستعمالا " ، أي : والظاهر في استعمال الفقهاء : هو " اللفظ المحتمل معنيين فأكثر هو في أحدها أظهر " وينبغي أن يقال : هو في أحدها أرجح دلالة ، لئلا يصير تعريفا للظاهر بنفسه ، كما سبق في تعريف العلم ، بأنه معرفة المعلوم .

فقولنا : هو اللفظ المحتمل معنيين : احتراز من اللفظ الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا ، فإن ذلك هو النص كما سبق .

وقولنا : فأكثر . لأن اللفظ قد يحتمل معنيين ومعاني ، ولهذا قلنا : هو في أحدها [ ص: 559 ] أرجح ، لأن المعنيين فأكثر جمع لا تثنية ، فكان ذلك أجود من قول الشيخ أبي محمد : ما احتمل معنيين هو في أحدهما أظهر .

قوله : " أو ما بادر منه عند إطلاقه معنى ، مع تجويز غيره " .

هذا تخيير بين التعريفين ، أي : الظاهر هو اللفظ المحتمل ، إلى آخره ، أو اللفظ المتبادر منه معنى ، مع تجويز غيره ، بأيهما شئت عرفه ، لأنهما سواء .

فقولنا : " ما بادر منه عند إطلاقه " احتراز مما لا يتبادر منه عند إطلاقه معنى ، لأن ذلك هو المجمل ، كالقرء عند إطلاقه ، لا يتبادر منه حيض ولا طهر .

وقولنا : عند إطلاقه : احتراز مما كانت مبادرة المعنى منه لا عند إطلاقه فقط ، بل مع قرينة أو دليل آخر ، فإن ذلك ، وإن سمي ظاهرا باعتبار ظهور المراد منه ، إلا أنه مجاز ، إذ ليس ظاهرا بذاته ، بل بالدليل الخارج ، ونحن كلامنا في الظاهر بذاته . فلو قيل : ما بادر منه لذاته معنى مع تجويز غيره ، فإن ذلك هو النص كما سبق .

قوله : " ولا يعدل عنه " ، أي : عن الظاهر " إلا بتأويل " ، أي : حكم الظاهر ذلك ، كما أن حكم النص ذلك أيضا ، فإن ترك الاحتمال الظاهر الراجح إلى الاحتمال الخفي المرجوح كترك النص إلى غيره ، وإن كان الثاني أقبح وأفحش ، إلا أنهما مشتركان في قدر من القبح والفحش والتحريم ، وهذا كمن يقول : إن قوله سبحانه وتعالى في الخمر والميسر والأنصاب والأزلام : رجس من عمل الشيطان [ ص: 560 ] فاجتنبوه ، هذا الأمر على الندب ، وقوله سبحانه وتعالى بعد ذلك : فهل أنتم منتهون [ المائدة : 91 ] ، هو صيغة استفهام لا يفيد الأمر ، فيكون الخمر على هذا مكروها لا حراما ، فإن هذا مراغمة لخطاب الشرع ، إذ الأمر باجتناب ذلك ظاهر في الإيجاب ، كما سيأتي في الأوامر إن شاء الله تعالى . وصيغة : هل أنتم منتهون : هي في عرف استعمال العرب بمعنى : انتهوا ، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم هل أنتم تاركوا لي صاحبي ، يعني الصديق رضي الله عنه ، أي : اتركوه ولا تؤذوه . ولا فرق عندنا في هذا بين الفروع العملية ، والأصول العلمية الاعتقادية .

فالظواهر الواردة في الكتاب والسنة في صفات البارئ جل جلاله ، لنا أن نسكت عنها ، ولنا أن نتكلم فيها ، فإن سكتنا عنها قلنا : تمر كما جاءت ، كما نقل عن الإمام أحمد رضي الله عنه وسائر أعيان أئمة السلف ، وإن تكلمنا فيها ، قلنا : هي على ظواهرها من غير تحريف ، ما لم يقم دليل يترجح عليها بالتأويل ، لكن الكلام يبقى في ظواهرها ما هي ؟ فالجهمية لقصور نظرهم ومعرفتهم بالأحكام الإلهية ، لم يفهموا منها إلا الظاهر المشاهد من المخلوقين ، من يد ، وقدم ووجه وغير ذلك ، فلذلك حرفوها عن ظواهرها إلى مجازات بعيدة .

ونحن نقول : المراد بظواهر النصوص معان ، هي حقائق فيها ، ثابتة لله [ ص: 561 ] سبحانه وتعالى ، مخالفة للمعاني المفهومة من المخلوقين ، وذلك على جهة الاشتراك .

فإن قيل : الأصل عدم الاشتراك ، قلنا : والأصل عدم المجاز .

فإن قيل : إذا تعارض المجاز والاشتراك ، فالمجاز أولى ، قلنا : هذا ترجيح ظني ، أي : إنما يستعمل في الظنيات ، فإن كانت المسألة ظنية ، فلم يغلون في الدين ، ويكفرون بها ، أو يفسقون ، ثم لا نسلم أن المجاز أولى ، بل الاشتراك . سلمناه ، لكن المجاز أولى من الاشتراك المطلق ، أو من الاشتراك المقترن بقرينة ؟ الأول مسلم ، والثاني ممنوع ، ونحن قد دلتنا قرينة إجماع السلف على عدم التأويل ، وكثرة الظواهر ونصوصية بعضها في المقصود على أنها مقولة على الله سبحانه وتعالى وخلقه بالاشتراك ، وربما تعرضنا للكلام في هذا فيما بعد إن شاء الله تعالى .

قوله : " وهو " ، يعني التأويل الذي لا يترك الظاهر إلا به ، هو " صرف اللفظ عن ظاهره لدليل يصير به المرجوح راجحا " ، وذلك لأن المطلوب في الشرع معرفة الحق ، والحق قد يكون دليله قاطعا لا نزاع فيه ، فيوصل إلى الحق قطعا ، كإثبات الصانع وتوحيده ، وإرسال الرسل ونحوه . وقد يكون دليله غير قاطع ، فلا يمكن الوصول إلى الحق قطعا ، فيكون المطلوب هو الأرجح فالأرجح ، وذلك هو الغالب في أحكام الفروع ، ولا شك أن الضعيف قد يقوى بغيره ، حتى يصير أقوى مما كان [ ص: 562 ] أقوى منه ، كما قيل في المثل :


لا تخاصم بواحد أهل بيت فضعيفان يغلبان قويا

وهذا أمر مدرك بالحس ، فكذلك في دلالة الألفاظ ، قد يكون أحد مدلولي اللفظ أرجح من الآخر ، لكن ذلك المدلول المرجوح قد يوافقه دليل من خارج ، فإذا انضم إليه صارا جميعا مساويين لذلك المعنى الراجح ، فيجب التوقف على المرجح أو الراجحين عليه ، فيجب تركه والعدول إليهما .

ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم : الجار أحق بصقبه رواه البخاري والترمذي وصححه ، فهو ظاهر في ثبوت الشفعة للجار الملاصق والمقابل أيضا ، مع احتمال أن المراد بالجار الشريك المخالط ، إما حقيقة ، أو مجازا ، لكن هذا الاحتمال ضعيف بالنسبة إلى الظاهر ، فلما نظرنا إلى قوله عليه السلام : إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق ، فلا شفعة رواه البخاري وأبو داود والترمذي وصححه ، صار هذا الحديث مقويا لذلك الاحتمال الضعيف في الحديث المتقدم ، حتى ترجحا على ظاهره ، فقدمناهما ، وقلنا : لا شفعة إلا للشريك المقاسم . وحملنا عليه الجار في الحديث الأول ، وهو سائغ في اللغة .

التالي السابق


الخدمات العلمية