صفحة جزء
[ ص: 60 ] السنة

والسنة لغة : الطريقة ، وشرعا ، اصطلاحا : ما نقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولا ، أو إقرارا ، وهو حجة قاطعة على من سمعه منه شفاها ، أو بلغه عنه تواترا ، وموجب للعمل إن بلغه آحادا ، ما لم يكن مجتهدا ، يصرفه عنه دليل ، لدلالة المعجز على صدقه ، والأمر بتصديقه ، والتحذير من خلافه .

والخبر : ما تطرق إليه التصديق والتكذيب . وقول من قال : يمتنع دخولهما في مثل : محمد ومسيلمة صادقان . مردود ، بأنهما خبران : صادق ، وكاذب وهو قسمان : تواتر ، وآحاد .


قوله : " السنة لغة : الطريقة " . هذا حين الشروع في الأصل الثاني ، وهو السنة ، وهي لغة - أي : في اللغة - الطريقة ، والسيرة من قولك : سننت الماء على وجهي ، أي : صببته ، وسن عليه الدرع ، أي : صبها ، كأن سالك الطريق ينصب عليها انصباب الماء .

وقال خالد الهذلي ، وهو خالد ابن أخت أبي ذؤيب ، وهو ابن زهير الهذلي بن محروق :


فلا تجزعن من سنة أنت سرتها فأول راض سنة من يسيرها

قلت : السيرة : الهيئة التي يكون عليها السير ، وهو ملازمة الطريق ، والطريقة . والطريق : فعيل ، من طرق يطرق ; لأن الطريق يطرقه الناس رجالا [ ص: 61 ] وركبانا ، والسيرة : من السير ، والسنة : من السن ، وهو الصب ، وقد تقدم ذلك .

قوله : " وشرعا واصطلاحا " ، أي : والسنة في اصطلاح الشرع ، " ما نقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولا ، أو فعلا ، أو إقرارا " على فعل .

فالقول : كقوله عليه السلام : صلوا كما رأيتموني أصلي ، و خذوا عني مناسككم ، و من نام فليتوضأ ، و من ترك واجبا فعليه دم .

والفعل : كما شوهد منه من الأفعال في الصلاة والحج ، كرفع يديه عند افتتاح الصلاة ، وعند الركوع والرفع منه ، وكسعيه في الوادي بين الصفا والمروة ، وهو يقول : لا يقطع الوادي إلا شدا .

والإقرار : كسائر ما رأى الصحابة يقولونه أو يفعلونه ; فلا ينهاهم ، وذلك كقول أنس رضي الله عنه : كانوا إذا أذن المؤذن يعني المغرب ابتدروا السواري يصلون [ ص: 62 ] ركعتين ، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد ; فيحسب أن الصلاة قد صليت لكثرة من يصليها ، قيل له : أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصليهما ؟ قال : كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا ، وكاحتجاج ابن عباس على إباحة الضب بأنه أكل على مائدة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو كان حراما لنهى عنه ، وكاحتجاجه على إباحة أجرة الحجام ، بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وأعطى الحجام أجره ، ولو كان حراما لم يعطه .

وبالجملة : فالسنة النبوية منحصرة في هذه الأقسام : القول ، والفعل ، والإقرار ، أي : تقرير من يسمعه يقول شيئا ، أو يراه يفعله ، على قوله أو فعله ، بأن لا ينكره ، أو يضم إلى عدم الإنكار تحسينا له ، أو مدحا عليه ، أو ضحكا منه على جهة السرور به ، كتبسمه من قيافة مجزز المدلجي حين رأى زيدا وأسامة نائمين قد بدت أقدامهما من قطيفة ; فقال : إن هذه الأقدام بعضها من بعض . وكضحكه من الحبر [ ص: 63 ] الذي جاءه ; فقال : إن الله يوم القيامة يضع الأرض على أصبع والسماء على أصبع . الحديث فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - تصديقا لما قال الحبر .

نعم شرط كون إقراره حجة ، بل شرط كون تركه الإنكار إقرارا : علمه بالفعل وقدرته على الإنكار ; لأنه بدون العلم لا يوصف بأنه مقر أو منكر ، ومع العجز لا يدل على أنه مقر ، كحاله مع الكفار في مكة قبل ظهور كلمته .

وقوله : " شرعا اصطلاحا " : احتراز من السنة في العرف الشرعي العام ; فإنها تطلق على ما هو أعم مما ذكرناه ، وهو المنقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم ، والتابعين رحمهم الله .

فحاصله أن للسنة عرفا خاصا في اصطلاح العلماء ، وهو المنقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قولا أو فعلا أو تقريرا ، وعرفا عاما ، وهو ما نقل عنه ، أو عن السلف من [ ص: 64 ] الصحابة ، والتابعين ، وغيرهم من الأئمة المقتدى بهم .

قوله : " وهو " ، أي : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - " حجة قاطعة على من سمعه منه شفاها ، أو بلغه تواترا ، وموجب للعمل ، إن بلغه آحادا " .

قلت : معنى هذا الكلام مع ظهوره أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - إما أن يكون مسموعا منه لغيره بلا واسطة ، أو منقولا إليه بواسطة الرواة .

فإن كان مسموعا منه ; فهو حجة قاطعة على من سمعه ، كالصحابة الذين سمعوا منه الأحكام ، لا يسوغ خلافها بوجه من الوجوه ، إلا بنسخ أو جمع بين متعارض بالتأويل ، وذلك في التحقيق لا يعد خلافا .

وإن كان منقولا إلى الغير ; فهو إما تواتر أو آحاد ، فإن كان تواترا ; فهو أيضا حجة قاطعة ، كالمسموع منه عليه السلام ; لأن التواتر يفيد العلم ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى ; فصار كالمسموع منه شفاها في إفادة العلم ، غير أن مدرك العلم في المسموع الحس ، وفي التواتر المركب من السمع والعقل ، كما سبق عند ذكر مدارك العلم .

وإن كان آحادا ; فهو موجب للعمل ، أي : يجب العمل بمقتضاه ، لما سيأتي في تقرير وجوب العمل بخبر الواحد إن شاء الله تعالى .

تنبيه : قولنا : على من سمعه منه شفاها ، أي : مشافهة ، مشتقا من الشفة ، أي : يسمعه من فمه وشفتيه ، يقال : شافهته مشافهة وشفاها ، وكلمته فوه إلى في ، معناه : وكلمته شفاها ، على جهة التأكيد ، ورفع احتمال المجاز ، لاحتمال [ ص: 65 ] أنه كلمه بواسطة رسول أو كتاب . وأصل شفة : شفهة ; فلذلك ظهرت الهاء في شفيهة وشفاه ومشافهة ونحو ذلك من تصاريفها .

قوله : " ما لم يكن مجتهدا يصرفه عنه دليل " ، أي : السنة التي تبلغ المكلف سماعا من النبي - صلى الله عليه وسلم - أو نقلا عنه ، تواترا أو آحادا ، هي حجة عليه ، قطعا أو ظنا ، كما فصل ، ما لم يكن الذي بلغته السنة مجتهدا ، يصرفه عن مقتضى ما سمع أو نقل إليه دليل ; فيجب عليه متابعة الدليل ; لأن العمل بغير دليل ، أو بخلاف الدليل ، حرام .

وتفصيل هذه الجملة : أن المكلف الذي بلغته السنة سماعا أو نقلا ; إما مقلد ; فالواجب عليه تقليد أهل العلم ، أو مجتهد ، فإن لم يصرفه عن مقتضى ما بلغه دليل ، لزمه المصير إليه ، وحرم العدول عنه عليه ، وإن صرفه عنه دليل ، وجب عليه المصير إلى مقتضى ذلك الدليل ، وذلك كترك العام إلى الخاص ، والمطلق إلى المقيد ، والمرجوح إلى الراجح ، وكمصير مالك إلى عمل أهل المدينة ، وترك كثير من الأخبار ، وإلى القياس ، وترك النص المخالف للأصول ، وتخصيص النصوص بالعادات ، وتقديم أبي حنيفة القياس على خبر الواحد ، إذا ورد فيما تعم به البلوى ، وأشباه ذلك .

قوله : " لدلالة المعجز على صدقه ، والأمر بتصديقه ، والتحذير من خلافه " . هذا دليل على ما سبق من أن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة على ما فصلناه .

[ ص: 66 ] وتقريره : أن سنته عليه السلام حجة على من سمعها ، أو نقلت إليه ، لوجوه : أحدها : أن المعجز دل على صدقه عليه السلام ، وكل من دل المعجز على صدقه ; فهو صادق ; فهو عليه السلام صادق ، وكل صادق فقوله حجة على ما فصلناه ; فقوله عليه السلام حجة على ما فصلناه ، والمقدمات ظاهرة .

أما ظهور المعجز على صدقه ; فبالإجماع ، وقد تواتر ودونت فيه الكتب .

وأما دلالته على الصدق ; فلما تقرر في النبوات ، من أن ظهور المعجز على وفق دعوى النبي - صلى الله عليه وسلم - منزل منزلة قول الله تعالى له : صدقت فيما أخبرت به عني .

وأما أن قول الصادق حجة ; فلأن قوله حق ، وكل حق فهو حجة يجب المصير إليه ، إذ ليس بعد الحق إلا الباطل ، والمصير إلى الباطل حرام ; فيتعين المصير إلى الحق ، إذ لا واسطة بينهما . قال الله تعالى : فماذا بعد الحق إلا الضلال [ يونس : 32 ] .

الوجه الثاني : أن الله تعالى أمر بتصديقه ، وكل من أمر الله بتصديقه ، كان قوله حجة .

أما أن الله تعالى أمر بتصديقه عليه السلام ; فلقوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله [ النساء : 136 ] ، أي : صدقوا ; لأن الإيمان هو التصديق ، ولا معنى للتصديق بالرسول إلا اعتقاد صدقه ، وقبول ما جاء به . وقوله سبحانه وتعالى : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني [ آل عمران : 31 ] ، والمتابعة فرع على التصديق ، وملزوم له ، والأمر بالفرع والملزوم أمر بالأصل واللازم ، والنصوص في ذلك كثيرة .

[ ص: 67 ] أما أن كل من أمر الله تعالى بتصديقه يكون قوله حجة ; فلأن تصديقه إياه يقتضي أن قوله حق وصدق ، والحق والصدق حجة .

الوجه الثالث : أن الله سبحانه وتعالى حذر من مخالفة النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [ النور : 63 ] ، وكل من حذر الله سبحانه وتعالى من مخالفته ، وجبت موافقته ومتابعته ; لأن المخالفة سبب العذاب ، وسبب العذاب حرام ; فالمخالفة حرام ، وترك الحرام واجب ; فترك المخالفة واجب ، وترك المخالفة يستلزم المتابعة والموافقة ; فتكون واجبة ، وهو المطلوب .

فإن قيل : لا نسلم أن ترك المخالفة يستلزم الموافقة لجواز الواسطة ، وهو أن لا يكون المكلف مخالفا للرسول ولا موافقا له .

قلنا : المخالفة التي دلت عليها الآية هي ترك امتثال أمر الرسول ، والإعراض عنه ، وترك هذه المخالفة يستلزم امتثال أمره ، والإقبال عليه ، إذ لا واسطة بين امتثال أمره ، وترك امتثاله ، وذلك هو المطلوب .

قوله : " والخبر ما تطرق إليه التصديق والتكذيب " ، أي : ما صح أن يقال في جوابه : صدق أو كذب ; فيخرج منه الأمر ، والنهي ، والاستفهام ، والتمني ، والدعاء ، نحو : قم ، ولا تقم ، وهل تقوم ، وليتك تقوم ، واللهم أقم فلانا من صرعته ، إذ لا يصح أن يقال في جواب شيء من ذلك : صدق أو كذب ، بخلاف قولك : زيد قائم ، قام زيد . وإنما دل تطرق التصديق والتكذيب إلى الكلام على كونه خبرا ; لأنهما ملزومان للخبر ، وأخص منه ، إذ الصدق هو الخبر المطابق ، والكذب هو الخبر غير المطابق ; فدلا عليه دلالة الملزوم على اللازم ، والأخص على الأعم .

[ ص: 68 ] واعلم أن الخبر ; فيما أحسب ، مشتق من الخبار ، وهو الأرض الرخوة ; لأن الخبر يثير الفائدة ، كما أن الأرض الخبار تثير الغبار إذا قرعها الحافر .

ثم الخبر قد يطلق على الإشارات الحالية مجازا ، نحو : عيناك تخبرني بكذا ، والغراب يخبر بالفراق ، كقول الشاعر :


تخبرني العينان ما الصدر كاتم

وقول النابغة :


زعم البوارح أن رحلتنا غدا     وبذاك خبرنا الغراب الأسود

وحقيقة الخبر : هو القول اللساني المشتمل على الإسناد الإفادي ، ومن يثبت كلام النفس يطلق الخبر عليه ، لكنه عند المحققين منهم في القول اللساني أظهر ; لغلبة استعماله فيه ، وتبادره عند الإطلاق إلى الفهم . ثم اختلف في تصور ماهية الخبر ، أي : العلم به . فقال الإمام فخر الدين : هو بديهي ; لأن كل أحد يعلم بالضرورة صدق قولنا : الواحد نصف الاثنين ، وهو خبر خاص ، وتصور الخبر الخاص موقوف على تصور أصل الخبر ، وما توقف عليه البديهي يكون بديهيا .

قلت : وهذا وهم ; لأن قولنا : الواحد نصف الاثنين ، ليست خصوصيته من جهة كونه خبرا ، حتى يستلزم كونه بديهيا كون الخبر الذي هو أعم منه بديهيا ، بل إنما خصوصيته من جهة مدركه ، وهو بديهة العقل ، ومدارك العلوم تختلف في [ ص: 69 ] القوة والضعف ، والخصوص والعموم ، كما تختلف العلوم في ذلك ، وإنما علمنا صدق قولنا : الواحد نصف الاثنين بضرورة العقل ، لا لكون العلم بماهية الخبر بديهيا ، حتى لو قلنا : زيد قائم ، لم نعلم صدق هذا الخبر بالضرورة ، حتى نعلم مطابقته بمشاهدة أو نقل ، وإذا بطل كون تصور ماهية الخبر بديهيا ; وجب أن يكون كسبيا ، وطريق اكتسابه الحد ، وقد قيل في حده ما ذكرناه أولا ، وهو ما تطرق إليه التصديق والتكذيب ، وقيل : ما يحتمل التصديق والتكذيب ، وأورد عليه أن التصديق هو الإخبار عن كون الخبر صدقا أو كذبا ; فيكون تعريفا للخبر بنفسه ، وهو دور .

قلت : هذا سؤال قوي ; لأن قول القائل : قام زيد ، جملة خبرية ، فإذا قال له السامع : كذبت أو صدقت ; فقد أجابه بجملة خبرية أيضا ، وكلا الجملتين خبر ; فلو عرفنا الأولى بتطرق الثانية إليها ، عرفنا الخبر بتطرق الخبر عليه .

فالأجود إذن في تعريف الخبر ما ذكره الآمدي ، وهو أن الخبر : هو اللفظ الدال بالوضع على نسبة معلوم إلى معلوم ، أو سلبها عنه ، مع قصد المتكلم به الدلالة على ذلك ، على وجه يحسن السكوت عليه .

وقال القرافي : الخبر : هو الموضوع للفظين فأكثر ، أسند مسمى أحدهما إلى مسمى الآخر إسنادا يقبل التصديق والتكذيب لذاته ، نحو : زيد قام . وذكر أنه إنما قال : للفظين فأكثر ; لأن أقل ما يتركب منه الخبر لفظان ، نحو : زيد قائم ، وقام [ ص: 70 ] زيد ، وقد يتركب من أكثر منهما ، نحو : ضرب زيد عمرا يوم الجمعة بالسيف وخالدا ; فكل هذه متعلقات الجملة ; فهي خبر واحد .

وقوله : أسند مسمى أحدهما إلى مسمى الآخر : احتراز من مثل قولنا : زيد عمرو في الكلام غير المنتظم .

وقوله : يقبل التصديق والتكذيب : احتراز من الإسناد الإضافي والوصفي ، نحو : غلام زيد ، ورجل صالح ; فإنه لفظان ، أسند مسمى أحدهما إلى مسمى الآخر ، وليس خبرا ; لأنه لا يقبل التصديق والتكذيب .

قلت : وبهذا يرد على حده الدور كما تقدم ، وتعريف الآمدي سالم منه .

وقوله : لذاته : احتراز من خبر الله سبحانه وتعالى ، ورسله ، والأخبار البديهية ، نحو : الواحد نصف الاثنين ; فإنها لا تقبل إلا التصديق . وقولنا : الواحد نصف العشرة ; فإنها لا تقبل إلا التكذيب ، لكن قبول هذه الأخبار لأحد الأمرين دون الآخر ، إنما جاءها من جهة المخبر ; لكونه معصوما ، أو مادته : المخبر عنه ، إذ لا يحتمل إلا ذاك ، لا لكونها أخبارا ، إذ بالنظر إلى كونها أخبارا تقبل التصديق والتكذيب .

فحاصل الأمر : أن الخبر لذاته يحتمل الأمرين ، فإن وقع خبر لا يحتمل إلا أحدهما ; فذلك لأمر عارض خارج عن ذات الخبر ; إما من جهة المخبر ، أو المخبر عنه ، أو غيرهما إن أمكن .

قوله : " وقول من قال : يمتنع دخولهما في مثل محمد ، ومسيلمة - لعنه [ ص: 71 ] الله - صادقان ، مردود بأنهما خبران : صادق وكاذب " . وهذا سؤال أورد على تعريف الخبر بما تطرق إليه التصديق والتكذيب وجوابه .

أما تقرير السؤال : فهو أن قولكم : الخبر يحتمل التصديق والتكذيب يبطل بقول القائل : محمد ومسيلمة صادقان ; فإنه خبر ، والتصديق والتكذيب يمتنع دخولهما فيه ; لأن تصديق مسيلمة في دعواه النبوة ، وهو كاذب ، وتكذيبه يوجب تكذيب محمد ، - صلى الله عليه وسلم - وهو صادق .

وتقرير الجواب أن هذا السؤال مردود ; لأن ما ذكرتموه خبران ، صادق ، وكاذب ، جمعتم بينهما ، ونحن إنما عرفنا بما يحتمل التصديق والتكذيب الخبر الواحد ، ولو فككتم الجملة التي ذكرتموها إلى الخبرين اللذين ركبت منهما ، لدخلا في تعريفنا .

قلت : وهذا الجواب غير جيد ، على ما نبه عليه تعريف القرافي للخبر ، وذلك لأنا لو حللنا الجملة المذكورة إلى الخبرين ، لما احتمل كل واحد منهما إلا أحد الأمرين ، إذ قولنا : محمد - صلى الله عليه وسلم - صادق ، لا يحتمل إلا التصديق ، وقولنا : مسيلمة - لعنه الله - كاذب ; لا يحتمل إلا التكذيب ، نعم امتناع التكذيب في الأول ، والتصديق في الثاني ، لم يكن لذات الخبر ، بل لأمر من جهة المخبر عنه . وهو دلالة معجز محمد - صلى الله عليه وسلم - على صدقه وكذب مسيلمة لعنه الله .

قوله : " وهو " يعني الخبر ، " قسمان : تواتر وآحاد " ، ولقسمته إليهما طريقان : أحدهما : باعتبار مستنده ، وهو أن الخبر ، إن نقله في جميع طبقاته قوم يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة ، وكان الإخبار به عن محسوس ; فهو تواتر ، [ ص: 72 ] وإلا فهو آحاد .

الثاني : باعتبار نقلته ، وهو أن الخبر إن أفاد العلم مستندا إلى نقل الناقلين ; فهو تواتر ، وإلا فهو آحاد .

وإنما قلت : مستندا إلى نقل الناقلين ; لأنه بدون ذلك يتناول الأخبار البديهية ; فإنها تفيد العلم ، لكنها مستندة إلى إدراك العقل ، لا إلى نقل الناقلين .

التالي السابق


الخدمات العلمية