صفحة جزء
[ ص: 309 ] ولا يلزم المكلف حكم الناسخ قبل علمه به ، اختاره القاضي ، وخرج أبو الخطاب لزومه على انعزال الوكيل قبل علمه بالعزل ، وهو تخريج دوري . لنا : لو لزمه لاستأنف أهل قباء الصلاة حين علموا بنسخ القبلة . قال : النسخ بورود الناسخ ، لا بالعلم به . ووجوب القضاء على المعذور غير ممتنع ، كالحائض والنائم . والقبلة تسقط بالعذر ، وهم كانوا معذورين . قلنا : العلم شرط اللزوم ; فلا يثبت دونه ، والحائض والنائم علما التكليف ، بخلاف هذا .


قوله : " ولا يلزم المكلف حكم الناسخ قبل علمه به ، اختاره القاضي " ، أي : لا يثبت النسخ في حق من لم يبلغه الناسخ .

مثاله : لو نسخت إباحة بعض المطعومات المباحة ، كالعنب ، بأن قيل : هو حرام عليكم ; فمن بلغه هذا النسخ ، ثبت التحريم في حقه ، ومن لم يبلغه ، لم يثبت في حقه عند القاضي أبي يعلى ، حتى لو أكل بعد النسخ ، وقبل العلم ، لم يكن عاصيا ، وكذا لو زيد في الصلوات صلاة ، أو في الفجر ركعة ، ولم يبلغه النسخ ، لم يكن مخاطبا بها حتى يبلغه .

" وخرج أبو الخطاب لزومه " ، أي : لزوم حكم الناسخ للمكلف قبل بلوغه " على انعزال الوكيل قبل علمه بالعزل " ، يعني أن في لزوم حكم الناسخ من لم يبلغه قولين ، كالقولين فيما إذا عزل الموكل الوكيل ، ولم يبلغه العزل ، هل ينعزل أم لا ؟

إن قلنا : ينعزل الوكيل بالعزل قبل علمه به ، لزم المكلف حكم الناسخ قبل علمه به ، وإلا فلا .

ووجه هذا التخريج : أن المكلف في التزام الأحكام بالنسبة إلى أوامر الله [ ص: 310 ] تعالى ، كالوكيل في التصرفات بالنسبة إلى إذن الموكل ، والجامع بينهما أن كل واحد منهما ، أعني المكلف والوكيل ، لا يجوز له التصرف إلا بمقتضى الإذن ، وينعزل بالعزل ، فإذا قال الموكل لوكيله : عزلتك ، انعزل . ولو قال الله عز وجل للمكلف : أسقطت عنك التكليف ، لسقط عنه ولم يجز له بعد ذلك أن يتصرف في العبادات فيما كان يتصرف فيه قبل ، بناء على ما ذكر في عدم وجوب شكر المنعم عقلا .

قوله : " وهو تخريج دوري " ، أي : تخريج أبي الخطاب لهذه المسألة ، على مسألة انعزال الوكيل ، يلزم منه الدور ; لأن هذه المسألة أصولية ، ومسألة عزل الوكيل فرعية ; فهي فرع على مسألة النسخ ; لأن العادة تخريج الفروع على الأصول ; فلو خرجنا هذا الأصل المذكور في النسخ على الفرع المذكور في الوكالة ، لزم الدور ، لتوقف الأصل على الفرع المتوقف عليه ; فيصير من باب توقف الشيء على نفسه بواسطة .

قلت : وهذا الحكم ، أعني عدم لزوم حكم الناسخ من لم يبلغه ، لا يختص الناسخ ، بل سائر النصوص ، ناسخة كانت ، أو مبتدئة ; فيها الخلاف المذكور . والأشبه ما صححناه من عدم اللزوم .

قال الآمدي : والخلاف إنما هو فيما إذا ورد الناسخ إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قبل بلوغه الأمة ; فأثبت حكمه في حق المكلفين بعض الشافعية ، ونفاه بعضهم ، وبه قال [ ص: 311 ] أحمد والحنفية ، قال : وهو المختار .

أما إذا كان مع جبريل قبل بلوغه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ; فلا يثبت حكمه في حق المكلفين اتفاقا .

قلت : لعل وجه الفرق : هو أنه إذا بلغ النص النبي ، صلى الله عليه وسلم ; فقد بلغ محل التكليف البشري ; فثبت حكمه في حق المكلفين ، تنزيلا للنبي صلى الله عليه وسلم ، منزلة جميعهم ، بخلاف ما إذا لم يبلغه .

قلت : ولا يظهر لهذا التفصيل أثر ، ولا مناسبة ، بل الأولى أن النص مطلقا لا يثبت حكمه إلا في حق من بلغه ، نفيا لتكليف ما لا يطاق ، أو للتكليف بدون العلم بالمكلف به . ولعل أحمد - رحمه الله تعالى على هذا - خرج قولا له ثالثا في أكل لحم الجزور ، إن علم بالنص في نقض الوضوء به انتقض به وضوءه ، وإلا فلا .

وكذلك فيمن خاف فوت الركعة ; فركع فذا دون الصف ، ثم دخل في الصف ، إن علم بالنهي عن ذلك ، لم تصح صلاته ، وإلا صحت ، هو قول عن أحمد ، وهو اختيار الخرقي .

[ ص: 312 ] قوله : " لنا لو لزمه ، لاستأنف أهل قباء الصلاة حين علموا بنسخ القبلة " .

هذا دليل القاضي ، ومن وافقه ، على أن حكم الناسخ لا يلزم قبل بلوغه .

وتقريره : أن أهل قباء بلغهم نسخ القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة ، وهم في صلاة العصر أو الفجر فاستداروا إلى الكعبة ، وبنوا على ما مضى من صلاتهم ، ولم يستأنفوها . ولو ثبت حكم الناسخ في حقهم قبل بلوغه إياهم ، لزمهم استئناف الصلاة ; لأنهم على هذا التقدير ، قد ثبت أن القبلة شرط لصحة الصلاة في حقهم قبل الدخول فيها ; فحيث افتتحوها إلى غير القبلة ; فقد أخلوا بشرطها ; فيلزمهم أن يستأنفوها ; لأن افتتاحهم لها وقع فاسدا ، للإخلال بشرطه ، لكنهم لم يستأنفوها ، ولم ينقل أنهم أمروا باستئنافها ، مع أن مثل تلك القضية ، لا يخفى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، عادة ; فوجب القول بأن حكم الناسخ لا يلزم من لم يبلغه .

قوله : " قال " ، يعني أبا الخطاب ومن وافقه ، احتج لقوله بأن " النسخ بورود [ ص: 313 ] الناسخ لا بالعلم به " فيثبت حكمه في حق المكلف وإن لم يبلغه ، وإنما قلنا : النسخ يحصل بورود الناسخ ; لأن النسخ رفع الحكم ، وبورود الناسخ يحصل الرفع ، سواء بلغ المكلف الناسخ أو لا ، وذلك يقتضي أن يثبت في حقه مطلقا ، بلغه أو لم يبلغه .

نعم إذا لم يبلغه الناسخ ; فأخل بامتثال حكمه ، كان معذورا بعدم العلم ; فيلزمه الاستدراك بالقضاء ، ووجوب القضاء على المعذور غير ممتنع ، كالحائض والنائم ، يقضيان ما فاتهما من العبادات وقت الحيض والنوم ، مع أنهما معذوران .

كذلك من لم يبلغه الناسخ ، يقضي ما فاته من حكمه في حال عدم بلوغه إياه ، ويظهر أثر عدم العلم في سقوط الإثم ; فإنه لو علم بالناسخ ، وترك مقتضاه ، أثم ، ولزمه القضاء ، فإذا لم يعلم ، لزمه القضاء ، ولا إثم عليه للعذر .

قوله : " والقبلة تسقط بالعذر " . هذا جواب من أبي الخطاب عن قصة أهل قباء .

وتقريره : أن قصة أهل قباء لا حجة فيها على عدم لزوم حكم الناسخ من لم يبلغه ; لأنهم كانوا معذورين بعدم العلم ، وإنما أخلوا باستقبال القبلة في ابتداء صلاتهم ، واستقبال القبلة يسقط بالعذر في جميع الصلاة ، بدليل ما إذا اشتبهت عليه جهتها ; فاجتهد ; فأخطأها ، فإن صلاته تصح ، وإن وقعت جميعها إلى غير القبلة ; فلأن تصح الصلاة ، مع ترك الاستقبال في جزء منها للعذر ، أولى .

قوله : " وقلنا : العلم شرط اللزوم ; فلا يثبت دونه " ، إلى آخره . هذا جواب [ ص: 314 ] عن دليل أبي الخطاب .

وتقريره : أنا إن سلمنا أن النسخ يحصل بورود الناسخ كما قررته ، لكن العلم به ، أي : علم المكلف به ، وبلوغه إياه ، شرط للزوم حكمه له ; فلا يثبت في حقه بدونه ، أي : بدون العلم به ، لاستحالة ثبوت المشروط بدون شرطه ، وإنما قلنا : إن العلم بالحكم شرط في لزومه للمكلف ، لما سبق في شروط التكليف ، وذكر آنفا أيضا ، من لزوم تكليف ما لا يطاق ، أو تكليف ما لا يعلمه المكلف .

قوله : " ووجوب القضاء على المعذور غير ممتنع ، كالحائض والنائم " .

قلنا : الفرق بينهما : أن الحائض والنائم علما التكليف ، أي : علما أنهما مكلفان بالصوم مثلا ; فوجد شرط لزوم الحكم لهما ، بخلاف هذا ، أي : الذي لم يبلغه الناسخ ; فإنه لا يعلم أنه مكلف بالفعل ، ولم يوجد شرط لزوم الحكم له ; فلا يلزمه ; فظهر الفرق . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .

التالي السابق


الخدمات العلمية