صفحة جزء
[ ص: 340 ] خاتمة

لا يعرف النسخ بدليل عقلي ولا قياسي ، بل بالنقل المجرد ، أو المشوب باستدلال عقلي ، كالإجماع على أن هذا الحكم منسوخ ، أو بنقل الراوي ، نحو : " رخص لنا في المتعة ، ثم نهينا عنها " . أو بدلالة اللفظ ، نحو : كنت نهيتكم عن زيارة القبور ; فزوروها . وبالتاريخ ، نحو : قال سنة خمس كذا ، وعام الفتح كذا . أو يكون راوي أحد الخبرين مات قبل إسلام الثاني ، والله أعلم .

ثم لما كان الكتاب والسنة تلحقهما أحكام لفظية ومعنوية ، كالأمر ، والنهي ، والعموم ، والخصوص ونحوها ، عقبناهما بذكرها .


خاتمة ، يعني لباب النسخ ، وهي فيما يعرف به النسخ :

" لا يعرف النسخ بدليل عقلي ، ولا قياسي " ، وذلك لأن النسخ إما رفع الحكم الشرعي ، أو بيان مدة انتهائه ، وكلاهما لا طريق للعقل إلى معرفته . ولو كان للعقل طريق إلى معرفة النسخ بدون النقل ; لكان له طريق إلى معرفة ثبوت الأحكام بدون النقل ، وليس كذلك .

قوله : " بل بالنقل المجرد " ، أي : لا يعرف النسخ بالعقل ، بل بالنقل المجرد ، أو المشوب باستدلال عقلي ، كالإجماع على أن هذا الحكم منسوخ ، كإباحة الخمر ، فإن نسخها عرف بالإجماع ، أو بنقل الراوي ، نحو قوله : رخص لنا في المتعة - يعني متعة النساء - ثم نهينا عنها . كما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، نهى عن متعة النساء ، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر . متفق عليه . [ ص: 341 ] وروى محمد بن كعب عن ابن عباس قال : إنما كانت المتعة في أول الإسلام ، كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة ; فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم ; فتحفظ له متاعه ، وتصلح شيأه حتى نزلت : إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم [ المؤمنون : 6 ] . قال ابن عباس : فكل فرج سوى هذين حرام . رواه الترمذي .

وقوله : أو بدلالة اللفظ ، أي : يعرف النسخ بالإجماع ، أو بنقل الراوي ، أو بدلالة اللفظ ، أي : لفظ الحديث على النسخ ، كما روى بريدة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كنت نهيتكم عن زيارة القبور ; فقد أذن لمحمد في زيارة [ ص: 342 ] قبر أمه ; فزوروها ; فإنها تذكر الآخرة . رواه الترمذي وصححه ; فهذا نص في الدلالة على نسخ المنع ، وتصريح به .

وكذلك حديث عبد الله بن عكيم : كنت رخصت لكم في جلود الميتة ، فإذا جاءكم كتابي هذا ; فلا تنتفعوا منها بإهاب ولا عصب .

[ ص: 343 ] قوله : " وبالتاريخ " ، أي : ويعرف النسخ بالتاريخ ، مثل أن يقول الراوي : قال النبي صلى الله عليه وسلم ، سنة خمس كذا ، أو عام الفتح - وهي سنة ثمان - كذا ، أو يكون في الحديث ما يدل على تأخر أحد الخبرين ، كحديث قيس بن طلق ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، في مس الذكر : هل هو إلا بضعة منك ، فإن في بعض ألفاظه : جئت وهم يؤسسون المسجد ، وكان ذلك أول الإسلام ، وحديث أبي هريرة وبسرة وأم حبيبة في نقض الوضوء بمس الذكر بعد ذلك ; لأن أبا هريرة متأخر الإسلام ، أسلم سنة سبع ، [ ص: 344 ] وبناء المسجد كان في أول السنة الأولى من الهجرة .

وكذلك زعم بعض أصحابنا أن حديث ابن عمر رضي الله عنهما في قطع الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين ; كان ورسول الله صلى الله عليه وسلم ، في المدينة .

وحديث ابن عباس كان ورسول الله صلى الله عليه وسلم ، بمكة في وقت الحج ، كما دلت عليه الروايات ، ولم يذكر قطع الخفين ; فكان تركه لبيان وجود قطع الخفين في وقت الحاجة دليلا على نسخه .

قوله : " أو يكون راوي أحد الخبرين مات قبل إسلام الثاني " . هذا مما يعرف به النسخ ، كما لو روى مثلا حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ، أو مصعب بن [ ص: 345 ] عمير ، أو سعد بن معاذ ، ونحوهم ممن تقدمت وفاتهم رضي الله عنهم ، المنع من المسح على الخفين ، ثم رأينا جرير بن عبد الله رضي الله عنه يروي جوازهن علمنا أن حديثه ناسخ لما قبله ، وهذا مثال ، وإن لم يقع منه إلا رواية جرير للمسح ، وهذا بخلاف ما إذا علمنا أن راوي أحد الخبرين لم يمت قبل إسلام راوي الثاني ، بل بعده ; فإنه يحتمل أن كل واحد من الخبرين قيل قبل الآخر ; فلا يتحقق أيهما الناسخ ، ولمعرفة الناسخ طرق أخر ، لم تذكر في " المختصر " تبعا لأصله ، والله تعالى أعلم .

قوله : " ثم لما كان الكتاب والسنة تلحقهما أحكام لفظية ومعنوية ، كالأمر والنهي ، والعموم والخصوص ، ونحوها " يعني كالمطلق والمقيد ، وغيرهما من عوارض الألفاظ " عقبناهما " ، أي : عقبنا الكتاب والسنة بذكرها ، أي : بذكر ما يلحقهما من العوارض المذكورة ، أي : ذكرناها عقيبها . وهذا على جهة البيان لمناسبة تعقيب الكتاب والسنة بهذه العوارض ، كما بينا مناسبة تعقيب الكتاب والسنة بالنسخ في أوله ، وكان تقديم النسخ أولى من تقديم عوارض الألفاظ المذكورة ; لأن اللفظ إنما ينظر في أحكام عوارضه إذا كان معمولا به ، والمنسوخ غير معمول به ، فإذا تبين بمعرفة الناسخ والمنسوخ ، ما اللفظ الذي يعمل به ويعتمد عليه ، نظر حينئذ في أحكام عوارضه ، لئلا يضيع النظر في لفظ قد بطل بالنسخ .

التالي السابق


الخدمات العلمية