صفحة جزء
[ ص: 448 ] العموم والخصوص

العموم والخصوص : العموم : قيل : هو من عوارض الألفاظ حقيقة ، لدلالتها على مسمياتها باعتبار وجوديها : اللساني ، والذهني ، بخلاف المعاني ، لتمايزها ; فلا يدل بعضها على بعض .

والتحقيق أنه حقيقة في الأجسام ، إذ العموم لغة : الشمول ، ولا بد فيه من شامل ومشمول ، كالكلة والعباءة لما تحتهما .

والعام : قيل : هو اللفظ الواحد الدال على شيئين فصاعدا مطلقا ، واحترز بالواحد عن مثل : ضرب زيد عمرا ، إذ هما لفظان ، وبمطلقا عن مثل عشرة رجال ، فإن دل على تمام العشرة لا مطلقا ، وفيه نظر .

وأجود منه : اللفظ الدال على مسميات دلالة لا تنحصر في عدد .

وقيل : اللفظ المستغرق لما يصلح له بحسب وضع واحد .

وقيل : اللفظ إن دل على الماهية من حيث هي هي فقط ; فهو المطلق أو على وحدة معينة ، كزيد وعمرو ; فهو العلم ، أو غير معينة ، كرجل ; فهو النكرة ، أو على وحدات متعددة ; فهي إما بعض وحدات الماهية ; فهو اسم العدد كعشرين رجلا ، أو جميعها ; فهو العام ; فإذن هو اللفظ الدال على جميع أجزاء ماهية مدلوله ، وهو أجودها ، وقيل فيه غير ذلك .

وينقسم اللفظ إلى لا أعم منه ، كالمعلوم ، أو الشيء ، ويسمى العام المطلق ، وقيل : ليس بموجود ، وإلى ما لا أخص منه كزيد وعمرو ، ويسمى الخاص المطلق ، وإلى ما بينهما كالموجود والجوهر والجسم النامي والحيوان والإنسان ; فيسمى عاما وخاصا إضافيا ، أي : هو خاص بالإضافة إلى ما فوقه ، عام بالإضافة إلى ما تحته .


قوله : " العموم والخصوص " .

[ ص: 449 ] - أي : هذا بيان القول في أحكام العموم والخصوص .

قوله : " العموم ، قيل : هو من عوارض الألفاظ حقيقة لدلاتها على مسمياتها باعتبار وجوديها : اللساني والذهني ، بخلاف المعاني لتمايزها ; فلا يدل بعضها على بعض . "

إنما قلت : قيل ; لأني قد رجحت خلاف هذا بعد ، وهذا البحث يوجد في أكثر كتب الأصوليين غير محقق . ووجه الكشف عنه أنا إذا قلنا : هذا الشيء من عوارض هذا الشيء ، أي : مما يعرض له ويلحقه ، واشتقاقه من العرض ، وهو المعنى الذي يذهب ويجيء ، ولهذا سمي المال والمرض عرضا ; لأن كل واحد منهما يذهب ويجيء ، قال الله عز وجل : تريدون عرض الدنيا [ الأنفال : 67 ] ، وفي الحديث : هذا ابن آدم وهذه الأعراض إلى جنبه ، إن سلم من هذه نهشته هذه . يريد به الآفات التي هو معرض لها وهي تعرض له .

[ ص: 450 ] والعرض في اصطلاح المتكلمين ، هو ما لا يدخل في حقيقة الجسم ومفهومه ، سواء كان لازما لا يفارق ، كسواد الغراب والقار ، أو مفارقا يذهب ويجيء كالحركة والسكون ، وصفرة الوجل ، وحمرة الخجل .

وبهذا المعنى قولنا : العموم من عوارض الألفاظ ، أي : أنه يلحقها ، وليس هو داخلا في حقيقتها ، وهو عرض لازم لما لحقه من الألفاظ لا ينفك عنه ، وهو خاص ببعض الألفاظ ، وهي التي وضعها الواضع لتدل على استغراق جميع ما وضعت له .

ومعنى قولنا : العموم من عوارض الألفاظ حقيقة ، أي : أنه في الحقيقة لا يعرض إلا لصيغة لفظية ، كالمسلمين والمشركين ، ونحو ذلك من صيغه ، كما أن الصحة والسقم لا يعرضان بالحقيقة إلا للحيوان ، والاتصال والانفصال لا يعرضان بالحقيقة إلا للجسم ، فإذا قلنا : هذا اللفظ عام أو خاص والحكم ثابت لعموم اللفظ ; فإضافة العموم إلى اللفظ ووصفه به حقيقة ، كما أنا إذا قلنا : هذا حيوان صحيح أو سقيم ، وهذا جسم متصل أو منفصل ، كان ذلك حقيقة .

وإذا أضفنا العموم إلى المعاني ، كقولنا : هذا حكم عام ، وخصب أو جدب عام ، أو بلاء أو رخاء عام ، وهذه مصلحة عامة ، كان ذلك مجازا ، أي : لا يستحق المعنى بحسب الأصل أن يوصف بالعموم ، إنما هو بحسب الاستعارة ; إما من اللفظ أو نظرا إلى شمول مجموع أفراد المعنى المذكور لمجموع محاله ، كما إذا قلنا : هذا معنى صحيح أو سقيم ، أو كلام متصل أو منفصل ، كان ذلك مجازا ; لأن حقيقته في الجسم ، وسيتضح هذا بما بعده إن شاء الله تعالى .

[ ص: 451 ] - وقوله : " لدلالتها على مسمياتها باعتبار وجوديها اللساني والذهني " ، أي : إنما كان العموم من عوارض الألفاظ بالحقيقة دون المعاني لدلالة الألفاظ على مسمياتها باعتبار وجودها في اللسان ووجودها في الذهن .

وتقرير هذا أن كل معلوم ; فله ثلاث وجودات :

وجود في الأعيان ، كعين الحيوان الناطق المفهوم من لفظ الرجل ، أو الإنسان .

ووجود في اللسان ، وهو لفظ اسمه الدال عليه كلفظ الرجل أو الإنسان الدال على مسماه ; فهذا اللفظ وجوده في اللسان .

ووجوده في الذهن : وهو صورة مدلول اللفظ الحاصلة في الذهن ، كصورة الرجل والإنسان .

والفرق بين هذه الموجودات ، هو أن الوجود الذهني لا يختلف باختلاف الأشخاص ولا اللغات ، فإن صورة الرجل والإنسان من حيث هو رجل وإنسان واحدة لا يقع في الذهن تفاوت بينهما بالخواص العارضة ، بل هو بأخذ الماهية المشتركة بين أشخاص الرجل والإنسان ; فالوليد والرضيع والعظيم والمراهق والفتى والكهل والشيخ الهم ، كل منهم رجل وإنسان في الذهن على السواء ، وهو سواء في ذهن العربي والعجمي بخلاف الوجودين : العيني ، واللساني ; فإنهما يختلفان ، لكن العيني يختلف باختلاف الأشخاص والخواص ، فإن زيدا الطويل غير زيد القصير ، وعمرو العالم غير عمرو الجاهل ، والفطيم أكبر من الوليد ، والبالغ أقوى من الصبي ، وهذا الشخص المعين غير ذلك المعين ; فالاختلاف واقع في الوجود العيني من هذه الجهة .

[ ص: 452 ] واللفظي يختلف بالنظر إلى الألفاظ واللغات المتعددة ; فقولنا للبعير مثلا : جمل ، دوا ، أشتر . هذه ثلاثة ألفاظ مختلفة باختلاف اللغات العربي والتركي والعجمي ، والمدلول واحد .

والفرق أيضا بين الوجود اللساني والوجودين الآخرين هو أن الوجود اللساني دليل ، والآخران مدلول ، ألا ترى أن لفظة زيد تدل على هذا الإنسان الخاص الموجود في الخارج المطابق لصورته الموجودة في الذهن ; فهما مدلولان للفظ وهو دليل لهما .

إذا ثبت هذا ; فمعنى دلالة الألفاظ على مسمياتها باعتبار وجوديها : اللساني ، والذهني ، هو أنك إذا قلت : الرجال ، دل هذا اللفظ على مسماه باعتبارين :

أحدهما : أن هذا اللفظ يفيد بالوضع أو بالاستعمال جماعة أشخاص من ذكور بني آدم ، وهو الوجود اللساني .

والثاني : أنه يدل على الصورة المطابقة لتلك الأشخاص في الذهن وهو الوجود الذهني . وهذا بخلاف المعاني ; فإنها يتميز بعضها عن بعض بتمايز محالها ; فلا يدل بعضها على بعض ; فلا يكون العموم من عوارضها حقيقة .

وتحقيق الفرق بين الألفاظ والمعاني من هذا الوجه هو أن اللفظ العام يدل على ما تحته من المسميات دلالة واحدة من جهة واحدة من غير أن يختص بعض مسمياته ببعضه ، كلفظ الكفار ، الدال على آحاد كثيرة كفار ، من غير أن يختص واحد منهم ببعض لفظ الكفار ، بخلاف المعاني ، فإن محالها [ ص: 453 ] يختص ببعضها ، كقولنا رخص عام وبلاء عام ، فإن الخصب والبلاء في كل موضع غيره في الموضع الآخر ; فرخص مصر غير رخص دمشق ، ورخاء بغداد غير رخاء الصين ، وأبين من ذلك المطر ، إذا قلنا : هذا مطر عام ، أي : شامل للأمكنة من حيث الجملة ، غير أن هذا المكان يختص من المطر بغير ما اختص المكان الآخر ; فمطر المسجد غير مطر السوق ، والواقع منه في هذه الدار غير الواقع في الدار الأخرى ، بخلاف لفظ الكفار ; فإنه بكليته يدل على كل واحد من الكفار ، ولا يختص أحدهم بلفظ الكفار ولا ببعضه ، كما اختص السوق والمسجد ببعض المطر ، وإذا كان العموم في اللغة الشمول ، وهو على التحقيق إنما يكون في الألفاظ دون المعاني ، كان أولى بأن يكون العموم من عوارضها بالحقيقة من المعاني .

واعلم أن العبارة المذكورة في " المختصر " مختطفة من كلام الشيخ أبي محمد ، وليست وافية به ; فلذلك وقع فيها غموض ، وفي تفسيرها إشكال ، وعبارة الشيخ أبي محمد ملخصة من كلام الشيخ أبي حامد .

وحاصل ما ذكراه في معنى قولنا : باعتبار وجوديها : اللساني ، والذهني ، هو أن الرجل مثلا له وجود في الأعيان ، وفي اللسان ، وفي الأذهان ، أما وجوده في الأعيان ; فلا عموم له ، إذ ليس في الوجود الخارجي رجل مطلق ، يعني كليا ، بل إما زيد أو عمرو ، أو غيرهما ; فهو مقيد بقيد التشخص والعلمية . وأما وجوده في اللسان ; فلفظ الرجل وضع للدلالة على زيد وعمرو وبكر [ ص: 454 ] وغيرهم ، ونسبته إليهم واحدة ، وهذا معنى العموم . وأما وجوده في الذهن ، فإن للرجل في الذهن صورة كلية مطابقة له تتناول زيدا وعمرا وبكرا وغيرهم ، وتدل عليهم دلالة واحدة ، كدلالة لفظ الرجل عليهم ، غير أن اللفظ يدل بالوضع ، والذهن يدرك بالتصور .

فقد ثبت أن معنى العموم والشمول موجود في اللساني والذهني دون العيني الخارجي ، وهذا هو مرادي بقولي : " لدلالتها على مسمياتها باعتبار وجوديها : اللساني ، والذهني " ، غير أن في مطابقتها له نظرا .

قوله : " والتحقيق أنه " يعني العموم " حقيقة في الأجسام ، إذ العموم لغة الشمول ، ولا بد فيه من شامل ومشمول كالكلة والعباءة لما تحتهما " . أي : والتحقيق من حيث النظر أن العموم حقيقة في الأجسام ، لا في الألفاظ ، ولا في المعاني ; لأن العموم في اللغة الشمول . يقال : هذا الكساء يعم من تحته ، أي : يشملهم ، وإذا كان العموم هو الشمول ; فالشمول معنى إضافي لا بد فيه من شامل ومشمول ; فالشامل كالكلة والعباءة ، والمشمول من تحتهما ; لأنهما شملتاه ; فإذن العموم حقيقة ليس إلا في الأجسام الشاملة ، وهو في الألفاظ والمعاني مجاز لوجهين :

أحدهما : أن الأصل عدم مشاركتهما الأجسام في معنى الشمول .

والثاني : أن الشمول في الألفاظ ليس محسوسا ، بل معقولا ، وليس هو أيضا في قوة شمول الأجسام لما تحتها ، والشمول في المعاني ، نحو : عمهم العطاء والإنعام والخصب أضعف من شمول الألفاظ لما نبهنا عليه قبل من اختصاص بعض محال المعنى ببعضه ، وتمايز أجزائه بتمايز محاله .

[ ص: 455 ] والكلة : بكسر الكاف وتشديد اللام : ستر رقيق يخاط كالبيت يتوقى فيه من البق . ذكره الجوهري . والعباءة : بفتح العين والباء ومد الألف لغة في العباية ، وهي ضرب من الأكسية .

- وقال الآمدي : العموم من عوارض الألفاظ حقيقة اتفاقا ، واختلفوا في المعاني ، هل هو من عوارضها حقيقة ؟ فنفاه الأكثرون ، وأثبته الأقلون .

- وقال ابن الحاجب : العموم من عوارض الألفاظ حقيقة ، وفي المعاني أقوال : أصحها أنه حقيقة فيها أيضا ، والثاني ليس من عوارضها .

- وقال النيلي في " شرح جدل الشريف " ما معناه : إنه يمكن الفرق بين اللفظ والمعنى في ذلك بأن العموم من لواحق اللفظ ، واللفظ لما كان ثابتا بالوضع أو الاصطلاح ، أمكن التصرف فيه بالعموم والخصوص بحكم الوضع ; فدلالته عليه وضعية لا ذاتية ، بخلاف المعاني ، فإن ثبوتها لما لم يكن وضعيا ، بل هو حقيقي ، لذلك لا يمكن التصرف فيها بتعميم ، ولا تخصيص بوضع ولا اصطلاح .

واعلم أن البحث عن أن العموم من عوارض الألفاظ أو المعاني هو من رياضيات هذا العلم ، لا من ضرورياته حتى لو ترك ، لم يخل بفائدة . ولهذا كثير من الأصوليين لا يذكره ، وإنما تابعت في ذكره أصل " المختصر " والله تعالى أعلم بالصواب .

قوله : " والعام ، قيل : هو اللفظ " ، إلى آخره .

لما فرغ من المسألة الرياضية المذكورة ، وهي أن العموم من عوارض [ ص: 456 ] الألفاظ أو المعاني ، أخذ في الكشف عن حد العام ، وقد ذكرت فيه حدود كثيرة في الكتب اتفق منها في " المختصر " أربعة :

أحدها : أن العام : " هو اللفظ الواحد الدال على شيئين فصاعدا مطلقا " .

فقوله : " اللفظ " جنس يتناول العام والخاص والمشترك والمطلق وغير ذلك من أصناف اللفظ لأنها ألفاظ .

وقوله : " الواحد " احترز به عن مثل : ضرب زيد عمرا ; فإنه دل على شيئين ، لكن لا بلفظ واحد ، بل أكثر منه . وهذا أجود من قولنا في " المختصر " : " إذ هما لفظان " ; لأن قولنا : ضرب زيد عمرا ليس هو لفظين فقط ، بل ثلاثة ألفاظ ; فعل وفاعل ومفعول ، ولعل الإشارة في " المختصر " وقعت إلى الفاعل والمفعول ، وهما زيد وعمرو ، لكونهما اسمين . وضرب فعل ، لكن لا وجه للاقتصار على ذكر الفاعل والمفعول ; لأن الكلام في اللفظ الدال ، والفعل لفظ دال . فالصواب إذن أن يقال : احتراز من : ضرب زيد عمرا ، إذ هو أكثر من لفظ واحد ، أو لأنه ثلاثة ألفاظ .

قوله : " وبمطلقا " ، أي : واحترز بقوله : مطلقا عن مثل عشرة رجال ; فإنه دل على شيئين فصاعدا ، لكن لا مطلقا ، بل إلى تمام العشرة ، ثم تنقطع دلالته .

قوله : " وفيه نظر " ، أي : في الاحتراز بمطلقا عن مثل عشرة رجال ، وذلك لأن الاحتراز عن مثل عشرة رجال حصل بقوله : " فصاعدا " ، إذ هذه اللفظة ، أعني صاعدا ليس لها نهاية تقف عندها ، ولك ما كان من الأعداد فوق الواحد انتظمه قوله : فصاعدا ، وحينئذ لا يحتاج إلى " مطلقا " .

[ ص: 457 ] قوله : " وأجود منه " ، أي : أجود من هذا التعريف للعام ، أن يقال : هو اللفظ الدال على مسميات دلالة لا تنحصر في عدد ، وهذا هو الحد الثاني من الحدود المذكورة في " المختصر " .

فقولنا : " اللفظ الدال " جنس له يتناول ما دل على مسمى واحد ، كزيد ، أو مسميات ، كالرجال ; فاحترز بقوله : على مسميات ، عما دل على مسمى واحد .

وبقوله : " دلالة لا تنحصر في عدد " من أسماء مقادير الأعداد ، نحو : عشرة ، وعشرين ، وثلاثين ; لأن كل واحد منها ومن نظائرها لفظ واحد دال على مسميات ، لكن دلالة محصورة معلومة المقدار والنهاية ، بخلاف : المسلمين والمشركين ، فإن دلالته غير معلومة الانحصار في عدد معلوم .

قوله : " وقيل : اللفظ المستغرق " ، إلى آخره . هذا هو الحد الثالث للعام ، وهو " اللفظ المستغرق لما يصلح له بحسب وضع واحد " فاللفظ جنس ، والمستغرق لما يصلح له فصل له عما ليس بمستغرق لما يصلح له ، كالرجل إذا أريد به معين ; فإنه ليس بعام ; لأنه لم يستغرق ما يصلح له ، وهو سائر الرجال ، إذ لفظ الرجل يصلح للدلالة على جميع الرجال ، إذا جعل جنسا . وعلى هذا اعتراض ظاهر ، وبالجملة ; فاللفظ لا بد وأن يصلح للدلالة على شيء ، فإن دل على جميع ذلك الشيء الذي يصلح للدلالة عليه ; فهو العام ، وإلا ; فليس بعام .

واعلم أن على هذا إشكالا ، وهو أن يقال : قوله : العام : هو اللفظ المستغرق لما يصلح له ; إما أن يراد ما يصلح له من جهة الدلالة ، أي : يصلح [ ص: 458 ] لأن يدل عليه ، أو يراد ما يصلح من جهة إرادة المتكلم ، فإن أريد الأول ; فالعام لا بد وأن يكون مستغرقا لما يصلح له بهذا الاعتبار ، إذ كل لفظ صلح لمسمى دل عليه ، وحينئذ لا فائدة لتقييد اللفظ بكونه مستغرقا ، وإن أريد الثاني وهو صلاحيته بحسب إرادة المتكلم ; فنقول : إن أراد المتكلم بلفظ جميع ما يصلح للدلالة عليه ; فهو العام كما مر ، وإن أراد به بعض ما يصلح للدلالة عليه ; فهو لفظ عام أريد به الخاص ; فالعموم في اللفظ لازم على كل تقدير ، وإنما الخصوص في مدلول اللفظ على تقدير إرادة المتكلم بعضه .

وقوله : بحسب وضع واحد ، احتراز من المشترك ، كلفظ العين والقرء ; فإنه لفظ مستغرق لما يصلح له من مسمياته ، لكنه ليس بوضع واحد ، بل بأكثر منه ; فالقرء الدال على الحيض إنما وضع له ، وكذلك القرء الدال على الطهر إنما وضع له بوضع غير الأول ، بخلاف قولنا : الرجال ، فإن دلالته على جميع ما يصلح له بوضع واحد .

قوله : " وقيل : اللفظ إن دل على الماهية " ، إلى آخره . هذا هو الحد الرابع للعام ، وبيانه بطريق التقسيم . وتقريره أن اللفظ إما أن يدل على ماهية مدلوله من حيث هي هي ، أو لا ، فإن دل على الماهية من حيث هي ، أي : مع قطع النظر عن جميع ما يعرض لها من وحدة وكثرة وحدوث وقدم وطول وقصر وسواد وبياض ; فهذا هو المطلق ، وذلك لأن الإنسان مثلا من [ ص: 459 ] حيث هو إنسان ، إنما يدل على حيوان ناطق ، لا على واحد ، ولا حادث ، ولا طويل ، ولا أسود ، ولا على ضد شيء من ذلك ، وإن كنا نعلم أنه لا ينفك عن بعض تلك .

وإن لم يدل على الماهية من حيث هي ; فإما أن يدل على وحدة أو وحدات متعددة . فإن دل على وحدة ; فهي إما معينة ، كزيد وعمرو ، وهو العلم ، أو غير معينة ، كرجل وفرس ، وهو النكرة . وإن دل على وحدات متعددة ، وهي الكثرة ; فتلك الكثرة إما بعض وحدات الماهية أو جميعها ، فإن كانت بعضها ; فهو اسم العدد ، كعشرين وثلاثين ونحوها ، وإن كانت جميع وحدات الماهية ; فهو العام .

فالعام إذن : هو اللفظ الدال على جميع أجزاء ماهية مدلوله ، وهو أجودها ، أي : أجود الحدود المذكورة .

وإنما قلنا : إن هذا الحد مستفاد من التقسيم المذكور لأن التقسيم الصحيح يرد على جنس الأقسام ، ثم يميز بعضها عن بعض بذكر خواصها التي يتميز بها ; فيتركب كل واحد من أقسامه من جنسه المشترك ومميزه الخاص وهو الفصل ، ولا معنى للحد إلا اللفظ المركب من الجنس والفعل ، وعلى هذا ; فقد استفدنا من هذا التقسيم معرفة حدود ما تضمنه من الحقائق ، وهو المطلق والعلم والنكرة واسم العدد .

فالمطلق : هو اللفظ الدال على الماهية المجردة عن وصف زائد .

[ ص: 460 ] والعلم : هو اللفظ الدال على وحدة معينة .

والنكرة : هو اللفظ الدال على وحدة غير معينة .

واسم العدد : هو اللفظ الدال على بعض وحدات ماهية مدلوله ، والعام ما ذكرناه .

فإن قلت : قولكم : العام هو اللفظ الدال على جميع وحدات الماهية ، يقتضي أن الخاص هو اللفظ الدال على بعض وحدات الماهية ; لأن الخاص مقابل العام ، وحينئذ يتحد حد الخاص واسم العدد .

قلت : هو كذلك ، غير أن بعض وحدات الماهية في الخاص هو وحدة واحدة معينة أو مخصوصة ، وفي اسم العدد هو وحدات متعددة غير مستغرقة ; فيزاد بين الحقيقتين ، أعني حقيقة الخاص واسم العدد ، هذا الفصل .

وإنما قلنا : إن حد العام المذكور هو أجود حدوده المذكورة ; لأنه أضبط وأحق ، إذ هو ناشئ عن تقسيم دائر بين النفي والإثبات وارد على جنس الأقسام ، ملحق بفصولها كما سبق .

قوله : " وقيل فيه غير ذلك " ، أي : قيل في حد العام غير ما ذكرناه .

فمنها ما ذكره الآمدي ، وهو أن العام هو اللفظ الواحد الدال على مسميين فصاعدا مطلقا معا ، واحترازاته قد سبق القول فيها ، إلا قوله : معا ، وأحسب أنه احترز به من اللفظ المشترك ، كالعين ونحوه ; فإنه يدل على مسميين فصاعدا إذا تكثرت موضوعاته لكن لا معا ، أي : لا يراد جميعها عند إطلاقه ، بل بعضها على البدل .

ومنها : أنه القول المتعلق بمعلومين ، أو القول المشتمل على مسميين [ ص: 461 ] فصاعدا ، ذكره الكتاني في " المطالع " وهو معنى ما سبق .

ومنها : أن العام هو الموضوع لمعنى كلي يفيد تتبعه في محاله . ذكره القرافي في " التنقيح " وذكره في شرحه أنه إنما أداه إلى هذه العبارة الغريبة سؤال أورده هو على حد العام المتداول ، ولم ير أحدا أجاب عنه ، وبما ذكره في هذا الحد يندفع ذلك السؤال ، ثم ذكر السؤال واندفاعه بالحد المذكور . وذكره يطول هنا ; فلينظر في شرحه .

قوله : " وينقسم اللفظ إلى ما لا أعم منه كالمعلوم ، أو الشيء ، ويسمى العام المطلق ، وقيل : ليس بموجود ، وإلى ما لا أخص منه ، كزيد وعمرو ، ويسمى الخاص المطلق ، وإلى ما بينهما كالموجود والجوهر والجسم النامي والحيوان والإنسان ; فيسمى عاما وخاصا إضافيا ، أي : هو خاص بالإضافة إلى ما فوقه ، عام بالإضافة إلى ما تحته " .

قلت : هذا تقسيم للعام والخاص بحسب مراتبه علوا ونزولا وتوسطا ; فاللفظ إما عام مطلق ، وهو ما ليس فوقه أعم منه ، أو خاص مطلق ، وهو ما ليس تحته أخص منه ، أو عام وخاص إضافي .

مثال العام المطلق ، المعلوم أو الشيء ; لأن المعلوم يتناول جميع الأشياء قديمها ومحدثها ومعدومها وموجودها لتعلق العلم بذلك كله ، والشيء يتناول القديم والمحدث والجوهر والعرض وسائر الموجودات ، والشيء أخص من المعلوم ; لأن كل شيء معلوم ، وليس كل معلوم شيئا عندنا ، خلافا للمعتزلة حيث قالوا : المعدوم شيء . ولهذا حكى الشيخ أبو محمد الشيء قولا في مثال العام المطلق ; فقال : العام ينقسم إلى عام لا أعم منه يسمى عاما مطلقا ، كالمعلوم يتناول الموجود والمعدوم . وقيل : الشيء ، أي : العام [ ص: 462 ] المطلق ، كالشيء لا كالمعلوم لأن من جملة المعلوم المعدوم والعدم ، وهو لا يتصف بالعموم والخصوص ; لأنهما معنيان محتاجان إلى ما يقومان به ، وذلك يجب أن يكون شيئا ; لأن الشيء هو الموجود ; لأن المشيئة مع القدرة أثرت فيه ، أما المعدوم ; فلا يصح قيام المعاني به ، والعموم والخصوص معنيان لا يقومان به .

وإنما ذكرتهما بلفظ أو ; فقلت : ينقسم اللفظ إلى ما لا أعم منه كالمعلوم أو الشيء ، تنبيها على الخلاف المذكور بلفظ أو التي هي لأحد الشيئين وإن كان تنبيها خفيا ، ولأن الخطب في هذا يسير ، إذ لا يضرنا في ضرب المثال ، أيهما كان هو الأعم مطلقا بعد تقرير القاعدة في تقسيمه .

فأما قوله : " وقيل : ليس بموجود " فإشارة إلى العام المطلق . قيل : هو موجود كما سبق ، وقيل : ليس بموجود ، وليس لنا عام مطلق . وهذا ذكره الغزالي باعتبار ، وتابعه الشيخ أبو محمد ; فجعله قولا ثانيا ، ولنحك كلام الغزالي ليبين ما ذكرناه .

قال : واعلم أن اللفظ إما خاص في ذاته مطلقا ، نحو : زيد ، وهذا الرجل . وإما عام مطلق كالمذكور والمعلوم ، إذ لا يخرج منه موجود ولا معدوم . وإما عام بالإضافة كلفظ المؤمنين ; فإنه عام بالإضافة إلى آحاد المؤمنين ، خاص بالإضافة إلى جملتهم ، إذ يتناولهم دون المشركين ; فكأنه يسمى عاما من حيث شموله للآحاد ، خاصا من حيث اقتصاره على ما شمله ، [ ص: 463 ] وقصوره عما لم يشمله . ومن هذا الوجه يمكن أن يقال : ليس في الألفاظ عام مطلق لأن لفظ المعلوم لا يتناول المجهول ، والمذكور لا يتناول المسكوت عنه .

قلت : فحاصل قوله : أن كل لفظ فهو بالنظر إلى شموله أفراد ما تحته عام ، وبالنظر إلى اقتصاره على مدلوله خاص ، وبهذا التفسير لا يبقى لنا عام مطلق ، لكن هذا غير تفسيرنا العام المطلق بما لا أعم منه ; لأن من الألفاظ ما يكون عاما لا أعم منه ، مع أنه مقصور الدلالة على ما تحته ; فيكون حينئذ عاما مطلقا لا عاما مطلقا باعتبارين ، كما ذكر من التفسيرين ، لكن مثل هذا لا ينبغي أن يحكى قولا مطلقا كما فعل الشيخ أبو محمد ، لئلا يوهم أن في وجود العام المطلق بتفسير واحد قولين ، وليس كذلك ، بل نذكر ذلك بتفسيرين كما فعل الغزالي - رحمهما الله تعالى .

ومثال الخاص المطلق ، وهو ما لا أخص منه أسماء الأشخاص نحو زيد وعمرو ، إذ لا يوجد أخص من ذلك يعرف به ، ولهذا كانت الأعلام أعرف المعارف عند بعض النحويين .

ومثال العام والخاص الإضافي هو ما وقع بين العام المطلق والخاص المطلق ، كالموجود ; فإنه خاص بالنسبة إلى المعلوم ، عام بالنسبة إلى الجوهر .

أما الأول ; فلأنك تقول : كل موجود معلوم ، وليس كل معلوم موجودا ، إذ المعدوم معلوم وليس موجودا .

[ ص: 464 ] وأما الثاني ; فلأنك تقول : كل جوهر موجود ، وليس كل موجود جوهرا ; لأن العرض موجود ، وليس جوهرا ; فالموجود أعم من الجوهر ، والجوهر عام بالنسبة إلى الجسم من جهة أن الجسم يستلزم الجوهر ضرورة تركبه من الجواهر ، والجوهر لا يستلزم الجسم لجواز أن يكون جوهرا فردا ، وهو الجزء الذي لا يتجزأ ; فالجسم إذن خاص بالنسبة إلى الجوهر ، عام بالنسبة إلى النامي ، إذ كل نام جسم ، وليس كل جسم ناميا ، والنامي عام بالنسبة إلى الحيوان ، إذ كل حيوان نام ، وليس كل نام حيوانا ، بدليل النبات ، هو نام وليس بحيوان ، والحيوان عام بالنسبة إلى الإنسان ، إذ كل إنسان حيوان ، وليس كل حيوان إنسانا ، بدليل الفرس ، ونحوه .

والضابط في العام والخاص أن كل شيئين انقسم أحدهما إلى الآخر وغيره ; فالمنقسم أعم من المنقسم إليه ; فالموجود ينقسم إلى جوهر وغيره ، كالعرض ، والجوهر ينقسم إلى نام وغيره ، كالجماد ، والنامي ينقسم إلى حيوان وغيره ، كالنبات ، والحيوان ينقسم إلى إنسان وغيره ، كالفرس .

وقولنا : هذا الشيء عام بالإضافة إلى ما تحته ، أو عام بالقياس إلى ما تحته ، أو بالنسبة ، أو بالنظر إلى ما تحته واحد ، وإنما تختلف الألفاظ ، وقد سبق في أول الكتاب عند تعريف العلم بحث طويل فيما يتعلق بالعموم والخصوص ويناسب هذا البحث .

التالي السابق


الخدمات العلمية