صفحة جزء
[ ص: 625 ] الشرط

الشرط : ما توقف عليه تأثير المؤثر على غير جهة السببية ; فيساوي ما سبق عند الكلام عليه ، وهو من المخصصات كالاستثناء ، وتأثيره إذا دخل على السبب في تأخير حكمه حتى يوجد ، لا في منع السببية خلافا للحنفية ، ونحوه الغاية ، نحو : ( حتى يطهرن ) [ البقرة : 222 ] ، ( حتى تنكح زوجا غيره ) [ البقرة : 230 ] .


قوله : " الشرط : ما توقف عليه تأثير المؤثر ، على غير جهة السببية " .

هذا الثاني من مخصصات العموم المتصلة ، وهو الشرط ، ولا شك أن الأحكام الشرعية لها علل ، وهي أسبابها المؤثرة في وجودها شرعا ، أي : المعرفة لها شرعا ، وشروط يتوقف تأثير العلل في الأحكام عليها ، كالزنى هو علة الرجم ، ويتوقف تأثيره في إيجاب الرجم على الإحصان ، وكالنصاب هو المؤثر في وجوب الزكاة ، ويتوقف تأثيره في إيجابها على تمام الحول ، وكالقتل هو علة القصاص ، ويتوقف تأثيره في إيجابه على وجود المكافأة ، وانتفاء الأبوة ونحو ذلك .

فصح حينئذ قولنا : " الشرط ما توقف عليه تأثير المؤثر " ، يعني العلة ، أي : الشرط : ما لا تؤثر العلة في وجود الحكم ، إلا بعد حصوله .

أما قوله : " على غير جهة السببية " فالظاهر أنه لا حاجة إليه هاهنا ، وإنما ذكرته في " المختصر " ظنا أن سبب الحكم غير علته وشرطه ; فوقع الاحتراز [ ص: 626 ] بقوله : " على غير جهة السببية " عن السبب ، وليس كذلك ، بل قد سبق أن العلة هي السبب ; فصار قولنا : " ما توقف عليه تأثير المؤثر " ، كافيا في تعريف الشرط ، اللهم إلا على ما سبق من أن السبب ما حصل الحكم عنده لا به ، فإن تصور لنا حكم يتوقف على العلة المؤثرة ، والشرط الذي يتوقف تأثيرها عليه ، والسبب الذي يوجد الحكم عنده لا به ; كان قولنا : " على غير جهة السببية " ، احترازا عن السبب ; لأن الشرط ، وإن توقف عليه تأثير العلة ، لكن لا على جهة توقفه على السبب المذكور ، مع أن هذا لا يكاد يتحقق .

- قوله : " فيساوي ما سبق " ، أي : فيساوي هذا التعريف للشرط ما سبق من تعريفه " عند الكلام عليه " في خطاب الوضع ، وهو قولنا : الشرط ما لزم من انتفائه انتفاء أمر على غير جهة السببية ; لأن ما لزم من انتفائه انتفاء أمر ، توقف وجود ذلك الأمر على وجوده ، كالإحصان ; لما لزم من انتفائه انتفاء الرجم ، توقف وجود الرجم على وجوده ، وهاهنا وجب قولنا : على غير جهة السببية ; لأنا لم نتعرض فيه لذكر العلة التي هي السبب ; فاحتجنا أن نحترز عنها ; لأنه يلزم من انتفائها انتفاء الحكم ، لكن لا على الجهة التي يلزم ذلك في الشرط ; لأن العلة مؤثرة في وجود الحكم ; فانتفاؤه لانتفاء تأثيرها في وجوده ، والشرط ليس مؤثرا في وجود الحكم ، بل هو مصحح لتأثير المؤثر ; فوجب الاحتراز في حد الشرط عن السبب بما ذكرنا ، بخلاف قولنا هاهنا : ما توقف عليه تأثير المؤثر ، فإن المؤثر هو العلة ، وليست داخلة في هذا الحد ، حتى يحترز عنها بقولنا : على غير جهة السببية ; لأنها لا يتوقف عليها تأثير المؤثر ، بل هي المؤثر نفسه . وحينئذ قولنا هاهنا : ما توقف عليه تأثير [ ص: 627 ] المؤثر ، هو المساوي لما سبق من قولنا قبل : ما لزم من انتفائه انتفاء أمر ، على غير جهة السببية ، وقولنا ذلك هاهنا لاغ ; فاعلم ذلك .

- قوله : " وهو " يعني الشرط ، من " المخصصات " للعموم ، " كالاستثناء " . قد سبق دليل هذا ومثاله .

ومن أمثلته : قوله سبحانه وتعالى : ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) [ النساء : 101 ] ; فأجاز قصر الصلاة بشرطين :

أحدهما : الضرب في الأرض .

والآخر : خوف فتنة الكفار .

فنسخ اعتبار الشرط الثاني بالرخصة ، حتى جاز القصر مع الأمن ، بحديث عمر بن الخطاب في ذلك ، وبقي الشرط الأول وهو الضرب في الأرض ; فلا يجوز القصر بدونه .

ومنها : قوله سبحانه وتعالى : ( والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ) [ النور : 33 ] ، فمشروعية كتابة العبد ، استحبابا ، أو وجوبا ، على الخلاف فيه مشروطة بأن يعلم منه صلاح . وأمثلة ذلك كثيرة .

- قوله : " وتأثيره إذا دخل على السبب : في تأخير حكمه حتى يوجد ، لا [ ص: 628 ] في منع السببية ، خلافا للحنفية " .

معنى هذا الكلام : أن الشرط إذا دخل على السبب ، لم يمنع من انعقاد السبب ، بل تأثيره في تأخير حكم السبب ، حتى يوجد ، يعني الشرط .

مثاله : إذا قال : بعتك بشرط الخيار إلى ثلاث ; فالبيع سبب الملك ، ودخول شرط الخيار عليه لا يقدح في سببيته عندنا ; فينتقل الملك في مدة الخيار ، لكن يتأخر حكم البيع ، وهو لزوم الملك واستقراره ، حتى يوجد الشرط ، بانقضاء مدة الخيار .

وعند الحنفية : خيار الشرط مانع من انعقاد البيع سببا ناقلا للملك بالجملة ، على تفصيل لهم فيه ، وإنما ينعقد سببا عند وجود الشرط . وهذا معنى ما حكاه الزنجاني من هذا الأصل .

ومثاله على ما أحسب : - وقد بعد عهدي به - وقد ذكر ذلك أو نحوه أبو بكر السمرقندي من الحنفية ، في كتاب " الميزان " فقال : وقران الشرط بالأمر ، أثره مع انعقاد العلة ، إلى أن يوجد الشرط عندنا ، وعند الخصم ، أثره تأخير الحكم عن السبب ، مع انعقاده شرعا .

قوله : " ونحوه الغاية " ، والغاية في تخصيصها للعموم نحو الشرط ، مثل قوله : ( ولا تقربوهن حتى يطهرن ) [ البقرة : 222 ] ، فقوله : ( حتى يطهرن ) رفع المنع الدائم ، المفهوم من قوله عز وجل : ( لا تقربوهن ) ، وبقي المنع [ ص: 629 ] خاصا بحال الحيض ، فإذا طهرت ، جاز وطؤها .

وكذلك قوله عز وجل : ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد ) [ البقرة : 230 ] ، اقتضى هذا تحريمها عليه بعد الثلاث أبدا ; فبقوله : ( حتى تنكح زوجا غيره ) [ البقرة : 230 ] ، ارتفع عموم التحريم ، وبقي مختصا بما قبل نكاحها زوجا غيره ، فإذا نكحت زوجا غيره ، حلت له .

ومن صيغ الغاية " إلى " نحو : ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) [ البقرة : 187 ] ، ( وأيديكم إلى المرافق ) [ المائدة : 6 ] ، ( وأرجلكم إلى الكعبين ) [ المائدة : 6 ] ، ونحوه .

وحكم الغاية : أن يكون ما بعدها مخالفا لما قبلها ، وإلا لم تكن مخصصة ، ولا غاية ، بل وسطا .

وقد سبق مثال التخصيص بالصفة في أول الاستثناء ، وحكم الشرط والغاية والصفة ، في رجوعها إلى الجمل المتعددة قبلها ، أو إلى الأخيرة منها ، حكم الاستثناء ، غير أن الخلاف في الشرط في ذلك مع بعض النحاة ، أما الأئمة الثلاثة : أبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، فاتفقوا على رجوعه إلى الجميع كما سبق في الاستثناء ، والله تعالى أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية