صفحة جزء
[ ص: 226 ] وأركانه : أصل ، وفرع ، وعلة ، وحكم .

فالأصل : قيل : النص ، كحديث الربا ، وقيل : محله كالأعيان الستة .

والفرع ما عدي إليه الحكم بالجامع .

والعلة والحكم مضى ذكرهما ، وهي فرع في الأصل لاستنباطها من الحكم ، أصل في الفرع لثبوت الحكم فيه بها .

والاجتهاد فيها إما بيان وجود مقتضى القاعدة الكلية المتفق أو المنصوص عليها في الفرع ، أو بيان وجود العلة فيه ، نحو : في حمار الوحش والضبع مثلهما ، والبقرة والكبش مثلهما ، فوجوب المثل اتفاقي نصي ، وكون هذا مثلا تحقيقي اجتهادي ، ومثله : استقبال القبلة واجب ، وهذه جهتها ، وقدر الكفاية في النفقة واجب ; وهذا قدرها ، ونحو : الطواف علة لطهارة الهرة ، وهو موجود في الفأرة ونحوها ، وهذا قياس دون الذي قبله للاتفاق عليه دون القياس ، ويسميان : تحقيق المناط .


قوله : " وأركانه " ، أي : أركان القياس أربعة : " أصل ، وفرع ، وعلة ، وحكم " .

اعلم أن هاهنا بحثين :

أحدهما : أن ركن الشيء هو جزؤه الداخل في حقيقته ، كركن البيت ونحوه . وقد وقع الاصطلاح والعرف بين عامة الناس أن ركن البيت هو الجزء الذي فيه الزاوية خاصة ، وهو عرف غالب ، وإلا فهو في الحقيقة الضلع الذي بين الزاويتين ، فهذا ركن كبير ، ثم كل جزء من أجزائه ركن للبيت على [ ص: 227 ] حسبه في الصغر والكبر .

واعلم أن كل واحد من الركن والشرط يتوقف وجود الماهية عليه ، لكن الفرق بينهما من وجهين :

أحدهما : أن الركن داخل في الماهية كالركوع للصلاة وسائر أركانها ، والشرط خارج عنها ، كالوضوء لها وسائر شروطها .

الوجه الثاني : أن الركن يتوقف عليه الوجود الذهني والخارجي جميعا ، والشرط إنما يتوقف عليه الوجود الخارجي فقط مع تحقق الوجود في الذهن ، فيمكننا أن نتصور صورة الصلاة بلا وضوء ، ولا يمكننا أن نتصورها في أذهاننا بلا ركوع . وأبين من هذا أننا نتصور حقيقة العلم بدون تصور حقيقة الحياة ، لكن قيام العلم بمحله في الخارج لا بد فيه من الحياة ؛ لأنها شرطه .

البحث الثاني : في أنه لم كانت أركان القياس أربعة ؟ وله توجيهات إقناعية وحقيقية .

منها : أن القياس معنى معقول ، والمعاني المعقولة محمولة على الأعيان المحسوسة . وقد تقرر أن أركان المحسوسات هي العناصر ، وهي أربعة ، فكذلك المعقولات تقتضي بحكم هذا أن تكون أركانها أربعة ، فإن زاد شيء منها أو نقص عن ذلك ، فهو خارج عن مقتضى الأصل لمقتضى خاص .

ومنها : أنه قد سبق أن مدار المحدثات على عللها الأربع : المادية ، والصورية ، والفاعلية ، والغائية ، وهي أركان لها ، وذلك بين في المحسوسات والمعقولات ملحقة بها كما سبق آنفا .

ومنها : أن القياس الشرعي راجع في الحقيقة إلى القياس العقلي المنطقي [ ص: 228 ] المؤلف من المقدمتين ؛ لأن قولنا : النبيذ مسكر ، فكان حراما كالخمر ; مختصر من قولنا : النبيذ مسكر ، وكل مسكر حرام . وقولنا : الأرز مكيل ، فيحرم فيه التفاضل كالبر ، مختصر من قولنا : الأرز مكيل ، وكل مكيل يحرم فيه التفاضل . وليس في الأول زيادة على الثاني إلا ذكر الأصل المقيس عليه على جهة التنظير به والتآنس . ولهذا لو قلنا : النبيذ مسكر فهو حرام ، والأرز مكيل فهو ربوي ، لحصل المقصود .

وإذا ثبت أن القياس الشرعي راجع إلى العقلي ; لزم فيه ما لزم في العقلي من كونه على أربعة أركان .

وبيانه : أن المقدمتين والنتيجة تشتمل على ستة أجزاء ما بين موضوع ومحمول ، يسقط منها بالتكرار جزءان ، وهو الحد الأوسط ، يبقى أربعة أجزاء هي أركان المقصود ، وهي التي يقتصر عليها الفقهاء في أقيستهم .

مثاله : أنا نقول : النبيذ مسكر ، هذان جزءان : موضوع : وهو النبيذ ، ومحمول : وهو مسكر ، وهما في عرف النحاة مبتدأ وخبر . ثم نقول : وكل مسكر حرام ، فهذان جزءان ، ويلزم عن ذلك ، النبيذ حرام ، وهما جزءان آخران ; صارت ستة أجزاء هكذا : النبيذ مسكر ، وكل مسكر حرام ، فالنبيذ حرام ; يسقط منها لفظ مسكر مرتين لأنه محمول في المقدمة الأولى موضوع في الثانية ; يبقى هكذا : النبيذ مسكر فهو حرام ، وهما صورة قياس الفقهاء .

فقد بان بهذا أن القياس الشرعي محمول على العقلي في بنائه على أربعة أركان بالجملة .

ومنها : أن القياس معنى إضافي يفتقر في تحقيقه إلى مقيس - وهو [ ص: 229 ] المسمى : فرعا - وإلى مقيس عليه - وهو المسمى : أصلا - وإلى مقيس له - وهو المسمى : علة - وإلى مقيس فيه - وهو المسمى : حكما - فلما تعلق بهذه المعاني الأربعة ، وافتقر في تحققه إليها ، لا جرم كانت أركانا له .

قوله : " فالأصل : قيل " : هو " النص ، كحديث الربا ، وقيل : محله كالأعيان الستة " .

لما بين أن أركان القياس أربعة ، شرع في الكلام على حقائقها ركنا ركنا .

أما الأصل الذي هو أحد أركان القياس ، اختلفوا فيه ، هل هو النص الذي ثبت به الحكم في المقيس عليه " كحديث الربا " ، أو محل النص " كالأعيان الستة " المذكورة في حديث الربا ، وهي البر والشعير ونحوهما ، أو الحكم الذي هو تحريم التفاضل ، فمعنا ثلاثة أشياء : النص ومحل النص وهو العين ، أو الفعل الذي تعلق به حكم النص ، والحكم الذي ثبت بالنص في المحل ، فاختلف في الأصل ، أي الثلاثة هو ؟ والثالث وهو الحكم لم يذكر في " المختصر " ، لكن ذكره الآمدي ، وكذلك في قياس النبيذ على الخمر في التحريم حيث قلنا : النبيذ مسكر ، فكان حراما كالخمر ، هل الأصل فيه النص الدال على تحريم الخمر ، وهو قول الشارع : حرمت الخمر ، أو محل هذا النص وهو الخمر ، أو حكم النص المتعلق بالخمر ، وهو التحريم ؟ فيه الخلاف المذكور ، والنزاع في هذا لفظي ؛ لأنا قد بينا أول الكتاب أن أصل كل شيء ما يتوقف عليه تحقق ذلك الشيء ، والقياس يتوقف على كل من هذه الثلاثة : [ ص: 230 ] النص ، وحكمه ، ومحله ، وكذلك العلة الجامعة فلا يمتنع إطلاق اسم الأصل على كل واحد منهما ، فالنص أصل ؛ لأن الحكم يثبت به ، والمحل أصل كالخمر والأعيان الستة ؛ لأن الحكم ثبت فيه ، والحكم أصل ؛ لأن حكم الفرع مستفاد منه وملحق به ، والعلة أصل ؛ لأنها مصححة للإلحاق ، فأركان القياس الأربعة أصول له ، لكن المشهور بين الفقهاء في مناظراتهم أن الأصل هو محل حكم النص كالخمر والبر ، وسمي هذا محلا للحكم ؛ لأن الحكم تعلق به عقلا تعلق الحال بمحله حسا .

وحديث الربا والأعيان الستة المشار إليها في عبارة " المختصر " هو ما روى عبادة بن الصامت ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الذهب بالذهب مثلا بمثل ، والفضة بالفضة مثلا بمثل ، والتمر بالتمر مثلا بمثل ، والبر بالبر مثلا بمثل ، والملح بالملح مثلا بمثل ، والشعير بالشعير مثلا بمثل ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى ، الحديث .

قوله : " والفرع ما عدي إليه الحكم بالجامع " .

قلت : وذلك كالنبيذ والأرز في قولنا : النبيذ مسكر ، فيحرم كالخمر ، والأرز مكيل ، فيحرم فيه التفاضل كالبر ، وكالأمة في قولنا : رقيق ، فيسري فيه العتق كالعبد ، وكالقتل بالمثقل في قولنا : قتل عمد عدوان ، فيجب به القصاص كالقتل بالمحدد ، وهذا أحد القولين في الفرع أنه المحل الذي تعدى إليه الحكم بالوصف الجامع بينه وبين محل النص .

وقيل : الفرع هو الحكم المنازع فيه ، وهو تحريم النبيذ ، وتحريم [ ص: 231 ] التفاضل في الأرز ، وسراية العتق في الأمة مثلا ، ووجوب القصاص بالقتل بالمثقل ، فالفرع إذن هو النبيذ مثلا أو تحريمه ، والأول أصح .

قوله : " والعلة والحكم مضى ذكرهما " .

قلت : قد بينا أن أركان القياس أصل ، وفرع ، وعلة ، وحكم ، وقد بينا حقيقة الأصل والفرع ما هي ، وبقي علينا بيان حقيقة العلة والحكم ، لكن قد سبق الكلام عليهما مفصلا في أول الكتاب ، فلا فائدة في تكراره ، فلنقنع بالإحالة على ما سبق فيهما ، غير أنا نشير إليهما هاهنا إشارة خفيفة ؛ لئلا يخلو هذا الموضع عن بيانهما .

فنقول : العلة : هي الوصف أو المعنى الجامع المشترك بين الأصل والفرع الذي باعتباره صحت تعدية الحكم ، كالإسكار في الخمر ، وتبديل الدين في قتل المرتد ، حيث قلنا في المرتدة : بدلت دينها ، فتقتل كالمرتد ، وسمي هذا علة ؛ لوجود الحكم به حيث وجد ، كوجود السقم بالعلة الطبيعية حيث وجدت .

وأما الحكم : فهو قضاء الشرع المستفاد من خطابه أو إخباره الوضعي بوجوب ، أو ندب ، أو كراهة ، أو حظر ، أو إباحة ، أو صحة ، أو فساد أو غير ذلك من أنواع قضائه . وقد سبق أن الحكم هو مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع ، وهناك له مزيد بيان ، [ ص: 232 ] فارجع إليه .

قوله : " وهي " ، يعني العلة " فرع في الأصل " ، " أصل في الفرع " . أما أنها " فرع في الأصل " ، فلأنها مستنبطة من حكمه ، فإن الشارع لما حرم الخمر ، استنبطنا منه أن علة تحريمها الإسكار المفسد للعقول ؛ إذ لا مناسب للتحريم فيها سواه ، وكذلك لما نص على تحريم التفاضل في الأعيان الستة ، استخرجنا من تحريمه أن علته الكيل أو الوزن مع الجنس ، وكذلك قوله - عليه الصلاة والسلام - من بدل دينه فاقتلوه و لا يقضي القاضي وهو غضبان جزم بالحكم وهو قتل المرتد وتحريم الحكم مع الغضب ، وأشار إلى أن العلة تبديل الدين واضطراب رأي القاضي بالغضب ، فكانت العلة فرعا فيه ؛ لأنه جزم بالحكم جزما ، وأشار إليها إشارة ، والاهتمام بالأصول أولى من الاهتمام بالفروع ، فكان المجزوم به أصلا ، والمشار إليه فرعا .

وأما أن العلة " أصل في الفرع " ; فلأنها إذا تحققت فيه ، ترتب عليها إثبات حكم الأصل ، كالإسكار لما تحقق في النبيذ ، ترتب عليه إثبات التحريم ، فالعلة مستخرجة من حكم الأصل ، والمستخرج فرع على المستخرج منه ، والحكم في الفرع مبني يترتب عليها ، والمبني فرع على المبني عليه ، والمترتب فرع على المترتب عليه .

قوله : " والاجتهاد فيها " ، أي : في العلة ، " إما ببيان مقتضى القاعدة [ ص: 233 ] الكلية المتفق " عليها " أو المنصوص عليها في الفرع " ، إلى آخره .

هذا إشارة إلى أنواع الاجتهاد في العلة الشرعية المتعلقة بالأقيسة ، وهو إما بتحقيق المناط ، أو تنقيحه ، أو تخريجه ، والمناط : ما نيط به الحكم ، أي : علق به ، وهو العلة التي رتب عليها الحكم في الأصل ، يقال : نطت الحبل بالوتد ، أنوطه نوطا : إذا علقته ، ومنه ذات أنواط : شجرة كانوا في الجاهلية يعلقون فيها سلاحهم ، وقد ذكرت في الحديث .

أما تحقيق المناط ، فنوعان وإليهما الإشارة بقوله فيما بعد : " وهذا قياس دون الذي قبله " - :

أحدهما : أن يكون هناك قاعدة شرعية متفق عليها ، أو منصوص عليها ، وهي الأصل ، فيتبين المجتهد وجودها في الفرع ، وإليه الإشارة بقوله : " إما ببيان وجود مقتضى القاعدة الكلية المتفق ، أو المنصوص عليها في الفرع " .

والنوع الثاني : أن يعرف علة حكم ما في محله بنص ، أو إجماع ، فيتبين المجتهد وجودها في الفرع ، وإليه الإشارة بقوله : " أو بيان وجود العلة فيه " .

مثال النوع الأول أن يقال : " في حمار الوحش والضبع مثلهما " ، أي : في حمار الوحش إذا قتله المحرم مثله ، وفي الضبع أيضا يقتلها المحرم مثلها ؛ لقوله تعالى : ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم [ المائدة : [ ص: 234 ] 95 ] ، " والبقرة والكبش " كذلك ، أي : البقرة مثل حمار الوحش ، والكبش مثل الضبع ، فيجب أن يكون هو الجزاء ، " فوجوب المثل اتفاقي نصي " ، أي : متفق عليه ثابت بالنص المذكور ، " وكون هذا مثلا " يعني كون البقرة مثل الحمار ، والكبش مثل الضبع " تحقيقي اجتهادي " أي : ثابت بالاجتهاد في تحقيق المناط ؛ إذ لا نص فيه ، ولا إجماع ؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - لم ينص على أن الكبش مثلا مثل الضبع ، إنما نص على أن الواجب فيها مثلها ، وفوض تعيين المثل إلى نظر المجتهد ، فتحقق مثليتها في الكبش .

قوله : " ومثله " ، أي : ومن هذا النوع أن يقال : " استقبال القبلة واجب ، وهذه جهتها " ، فوجوب استقبال القبلة ثابت بالنص والإجماع ، أما كون هذه جهتها في حق من اشتبهت عليه ، فليس منصوصا عليه ، فيثبت بالاجتهاد .

وكذلك قولنا : " قدر الكفاية في " نفقة الزوجات والأقارب ونحوهم " واجب " ، وكذلك قدرها كالرطل والرطلين ونحو ذلك ، فوجوب قدر الكفاية متفق عليه ، أما كون قدر الكفاية رطلا أو رطلين ، فيعلم بالاجتهاد .

ومن هذا الباب : من أتلف شيئا فعليه ضمانه بمثله أو قيمته ، فهذا متفق عليه ، لكن كون هذا مثلا له ، أو هذا المقدار قيمته ، فهو اجتهادي .

وقولنا : هذا الفعل يجب فيه التعزير الرادع ، لكن كون عشرة أسواط وما فوقها أو دونها رادعا ، فهو راجع إلى اجتهاد الإمام على رأي من لم يتقيد في التعزيز بخبر أبي بردة .

[ ص: 235 ] وكذلك قولنا : نصب الإمام والوالي والقاضي واجب ، لكن تعيين فلان أو فلان لذلك هو إلى اجتهاد أهل الحل والعقد في ذلك ، فهذا تمام القول في النوع الأول وهو تحقيق المناط .

ومثال النوع الثاني أن يقال : " الطواف علة لطهارة الهرة " بناء على قوله - عليه السلام : إنها ليست بنجس ، إنها من الطوافين عليكم والطوافات ، والطواف " موجود في الفأرة ونحوها " من صغار الحشرات ، وفي الكلب أيضا حيث يتحقق فيه الطواف على رأي من يقول بطهارته استدلالا بهذا الحديث ، وكذلك يقال : الحياء علة الاكتفاء من البكر في تزويجها بالصمات ، وهو موجود فيمن زالت بكارتها بغير نكاح .

قوله : " وهذا قياس دون الذي قبله " ، أي : هذا النوع الثاني من تحقيق المناط الذي هو بيان وجود العلة المنصوص عليها في الفرع ، هو قياس دون النوع الأول الذي هو بيان القاعدة الكلية المتفق عليها أو المنصوص عليها في الفرع ؛ لأن هذا النوع الأول متفق عليه بين الأمة ، وهو من ضروريات الشريعة لعدم وجود النص على جزئيات القواعد الكلية فيها ، كعدالة الأشخاص وتقدير كفاية كل شخص ونحو ذلك ، والقياس مختلف فيه والمتفق عليه غير المختلف فيه ، فالنوع الأول والثاني متغايران ، والثاني قياس ، [ ص: 236 ] والأول ليس بقياس .

قوله : " ويسميان : تحقيق المناط " ، يعني : النوع الأول والثاني ، وكل واحد منهما يسمى تحقيق المناط ؛ لأن معنى تحقيق المناط هو إثبات علة حكم الأصل في الفرع ، أو إثبات معنى معلوم في محل خفي فيه ثبوت ذلك المعنى ، وهو موجود في النوعين ، وإن اختلفا في أن أحدهما قياس دون الآخر ، فتحقيق المناط أعم من القياس .

التالي السابق


الخدمات العلمية