صفحة جزء
[ ص: 356 ] وترجع أدلة الشرع إلى نص ، أو إجماع ، أو استنباط ، وتثبت العلة بكل منها :

القسم الأول : إثباتها بدليل نقلي ، وهو ضربان :

صريح في التعليل نحو : كي لا يكون دولة ، لكي لا تأسوا ، ليعلم ، ذلك بأنهم شاقوا الله ، من أجل ذلك كتبنا ، إلا لنعلم ، ليذوق وبال أمره ، إنما نهيتكم من أجل الدافة ، لأمسكتم خشية الإنفاق ، حذر الموت .

فإن أضيف إلى ما لا يصلح علة ، نحو : لم فعلت ؟ فيقول : لأني أردت ، فهو مجاز ، أما نحو : " إنها رجس " " إنها ليست بنجس " فصريح أيضا عند أبي الخطاب ، وإن لحقته الفاء نحو : فإنه يبعث ملبيا فهو آكد ، وإيماء عند غيره " .

الثاني : الإيماء وهو أنواع :

أحدها : ذكر الحكم عقيب الوصف بالفاء ، نحو : قل هو أذى فاعتزلوا ، والسارق والسارقة فاقطعوا ، من بدل دينه فاقتلوه ، من أحيا أرضا ميتة فهي له إذ الفاء للتعقيب ، فتفيد تعقب الحكم الوصف ، وأنه سببه ، إذ السبب : ما يثبت الحكم عقيبه ، ولهذا تفهم السببية مع عدم المناسبة ، نحو : من مس ذكره فليتوضأ ، وكذلك لفظ الراوي نحو : سها فسجد ، وزنى ماعز فرجم . اعتمادا على فهمه وأمانته ، وكونه من أهل اللغة ، واشترط بعضهم المناسبة ، وإلا لفهم من : صلى فأكل ، سببية الصلاة للأكل .


قوله : " وترجع أدلة الشرع " إلى آخره . لما فرغ من بيان أصناف القياس من حيث القطع والظن ، وكان ذلك فيما يتوقف على معرفة العلة في قوتها وضعفها ، والقوة والضعف فيها مستفاد من دليل ثبوتها الشرعي ، [ ص: 357 ] احتجنا إلى بيان أدلة الشرع التي تثبت بها العلة الشرعية .

وأدلة الشرع ترجع ، أي : تنحصر في النص والإجماع والاستنباط ، لأن النص يعم الكتاب والسنة ، والاستنباط هو أعم من الاستدلال ، فانحصرت أدلة الشرع المعتبرة في ذلك ، والعلة القياسية يصح إثباتها بكل واحد من هذه الأدلة ، وليس المراد أن كل فرد من أفراد العلة يجوز إثباته بكل فرد من أفراد هذه الأدلة ، بل المراد إثبات كل فرد من أفراد العلة بأدلة الشرع المذكورة على البدل ، أي : إذا لم يوجد في النص ما يثبتها ، ففي الإجماع ، فإن لم يوجد ففي الاستنباط ، فمجموع الأدلة في الإثبات مقابل لمجموع العلل ، وقد بان المراد من ذلك .

" القسم الأول " : يعني من أقسام طرق إثبات العلة :

الدليل النقلي ، وهو يعم الكتاب والسنة ، " وهو " يعني إثبات العلة أو الدليل النقلي في إثباتها " ضربان " :

أحدهما : " صريح في التعليل " أي : في بيان كون المذكور علة ، وهو أن يكون اللفظ موضوعا لذلك أو مشهورا فيه في عرف اللغة ، " نحو " قوله - سبحانه وتعالى - : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم [ الحشر : 7 ] ، أي : إنما جعل مصرفه هذه الجهات لئلا يتداوله الأغنياء قوما بعد قوم ، فيفوت نفعه تلك الجهات المحتاجة إليه ، ولا يقع من الأغنياء موقع ضرورة ، وكقوله - سبحانه وتعالى - : فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم [ آل عمران : 153 ] ، أي : شغل قلوبكم بالغم الأعظم ، لئلا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة . وكقوله - سبحانه وتعالى - : [ ص: 358 ] وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول [ البقرة : 143 ] ، أي : ليمتحنهم بالانقياد للانتقال من قبلة إلى قبلة . وكذا قوله - عز وجل - : وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك [ سبأ : 21 ] ، أي : ما سلطنا إبليس على الخلق بالإغواء إلا امتحانا لهم بالإيمان ، وإلا فهو لا يستقل بإضلالهم ، كما جاء في الأثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : بعثت داعيا وليس إلي من الهداية شيء ، وخلق إبليس مزينا وليس إليه من الضلال شيء أو كما قال ، وكقوله - عز وجل - : فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ذلك بأنهم شاقوا الله [ الأنفال : 12 - 13 ] ، وكذا قوله تعالى : ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله [ الحشر : 3 - 4 ] ، أي : إنما عذبناهم في الدنيا بالقتل ، وفي الآخرة بالنار لسبب شقاقهم ، أو لعلة شقاقهم ، وكذا قوله - سبحانه وتعالى - : فأصبح من النادمين من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل [ المائدة : 31 - 32 ] ، المشهور أن : من أجل ذلك متعلق بـ " كتبنا " أي : كتبنا على بني إسرائيل القصاص من أجل قتل ابن آدم أخاه ، يعني ذلك هو السبب في شرع القصاص حراسة للدماء ، وقيل : هو متعلق بندامة ابن آدم القاتل ، أي : أصبح من النادمين من أجل قتله ، أو من أجل تركه لم يواره حتى نبهه الغراب على مواراته ، والتعليل صحيح [ ص: 359 ] على التقديرين . وقوله - سبحانه وتعالى - : ( إلا لنعلم ) قد سبق بيانه ، وقوله - عز وجل - : ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم إلى قوله : ليذوق وبال أمره [ المائدة : 95 ] ، أي : أوجبنا عليه الفدية عقوبة على فعله ليذوق وبال أمره ، أي : لعلة إذاقته وبال أمره ، ومقابلته على فعله . وقوله - عليه السلام - : إنما نهيتكم يعني عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث من أجل الدافة وهم قوم وردوا عربا ، فأمرهم أن لا يدخروا لحوم الأضاحي توسعة عليهم . وكذا قوله - عليه الصلاة والسلام - : إنما جعل الاستئذان من أجل النظر . وقوله - عز وجل - : إذا لأمسكتم خشية الإنفاق [ الإسراء : 100 ] ، وقوله - عز وجل - : يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت [ البقرة : 19 ] ، أي : خشية الإنفاق ، وحذر الموت ، لأن هذا من باب المفعول له ، وهو علة الفعل .

قوله : " فإن أضيف إلى ما لا يصلح علة " إلى آخره . معنى هذا الكلام أن الفعل بحكم الأصل في وضع اللغة أو استعمالها إنما يضاف إلى علته وسببه ، فإن أضيف إلى ما لا يصلح علة ، فهو مجاز ، ويعرف ذلك بقيام الدليل على عدم صلاحيته علة ، مثل أن يقال للفاعل : " لم فعلت ؟ فيقول : لأني أردت " فإن هذا لا يصلح أن يكون علة ، فهو استعمال اللفظ في غير محله ، وإنما قلنا : إن الإرادة ليست علة للفعل وإن كانت هي الموجبة [ ص: 360 ] لوجوده ، أو المصححة له ، لأن المراد بالعلة في الاصطلاح هو المقتضي الخارجي للفعل ، أي : المقتضي له من خارج ، والإرادة ليست معنى خارجا عن الفاعل .

قوله : " أما نحو : إنها رجس " إلى آخره . هذا ذكر أمثلة اختلف فيها ، هل هي صريح في التعليل أو تنبيه ؟

منها قوله - عليه السلام - في الروثة لما جيء بها ليستجمر بها : إنها رجس وقوله في الهرة : إنها ليست بنجس وقوله : لا تنكح المرأة على عمتها ، ولا على خالتها ، إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم . وقوله في المحرم الذي مات : لا تقربوه طيبا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا . وفي الشهداء : زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم [ ص: 361 ] تشخب دما ، فهذا كله " صريح " في التعليل " عند أبي الخطاب " خصوصا فيما لحقته الفاء ، نحو : فإنه يبعث ملبيا ، فإنه يزداد بها تأكدا لدلالتها على أن ما بعدها سبب للحكم قبلها ، وهو " إيماء عند غير " أبي الخطاب .

قلت : النزاع في هذا لفظي ، لأن أبا الخطاب يعني بكونه صريحا في التعليل كونه تبادر منه إلى الذهن بلا توقف في عرف اللغة ، وغيره يعني بكونه ليس بصريح أن حرف إن ليست موضوعة للتعليل في اللغة . وهذا أقرب إلى التحقيق ، وإنما فهم التعليل منه فهما ظاهرا متبادرا بقرينة سياق الكلام وصيانة له عن الإلغاء ، لأن قوله : إنها من الطوافين عليكم والطوافات إنها ليست بنجس ونحو ذلك; لو قدر استقلاله وعدم تعلقه بما قبله ، لم يكن له فائدة ، فتعين لذلك ارتباطه بما قبله ، ولا معنى له إلا ارتباط العلة بمعلولها ، والسبب بمسببه . فبهذا الطريق يثبت كونه للتعليل لا بوضع اللغة .

" الثاني " : أي : الضرب الثاني من إثبات العلة بدليل نقلي " الإيماء " : وهو ضرب من الإشارة ، والفرق بينه وبين النص أن النص يدل على العلة بوصفه لها ، والإيماء يدل عليها بطريق الالتزام ، كدلالة نقص الرطب على التفاضل ، أو بطريق من طرق الاستدلال عقلا ، " وهو أنواع " : [ ص: 362 ] " أحدها : ذكر الحكم عقيب الوصف بالفاء ، نحو " قوله - سبحانه وتعالى - : ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض [ البقرة : 222 ] ، وقوله - عز وجل - : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما [ المائدة : 38 ] ، وقوله - عليه السلام - : من بدل دينه فاقتلوه ، من أحيا أرضا ميتة فهي له . فهذه كلها أحكام ذكرت عقيب أوصاف كاعتزال النساء عقيب المحيض ، وقطع السارق عقيب السرقة ، وقتل المرتد عقيب التبديل ، وملك الأرض بعد الإحياء ، وذلك يفيد في عرف اللغة أن الوصف الذي قبل الحكم علة وسبب لثبوته ، لأن " الفاء " في اللغة " للتعقيب " على ما تقرر في كتب العربية ، " فتفيد تعقب الحكم الوصف " أي : ثبوت الحكم عقيب الوصف ، وأنه - يعني الوصف - سبب الحكم ، لأن " السبب ما يثبت الحكم عقيبه " كما سبق بيانه في خطاب الوضع .

" ولهذا " أي : ولكون السبب ما يثبت الحكم عقيبه ، أو لكون ما بعد الفاء مسببا لما قبلها في عرف اللغة ، في مثل هذه الصيغ المذكورة ، " تفهم السببية مع عدم المناسبة " أي : يفهم كون الوصف سببا لما بعده مع عدم مناسبته له ، وذلك نحو قوله - عليه السلام - : من مس ذكره فليتوضأ ، من أكل لحم الجزور فليتوضأ ، ونحو ذلك ، إذ لا مناسبة فيه بين الحكم والوصف ، والسببية مفهومة .

[ ص: 363 ] قوله : " وكذلك لفظ الراوي " أي : في كون ترتيب الحكم على الوصف بالفاء يفيد السببية ، لأنه والشارع جميعا من أهل اللغة ، واقتضاء اللغة واحد ، فلا يفترقان فيه ، وذلك كقول الراوي : سها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسجد ، وزنى ماعز فرجم ، فرتب السجود على السهو ، والرجم على الزنى ، وكذا قول أنس - رضي الله عنه - : رضخ يهودي رأس جارية ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرضخ رأسه بين حجرين . وقول الآخر : عتقت بريرة تحت عبد ، فخيرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأشباه ذلك .

قوله : " اعتمادا على فهمه " إلى آخره . أي : حكمنا بالسببية في لفظ الراوي اعتمادا على فهمه لها من فعل الشارع ، " وكونه من أهل اللغة " فلا يخفى عليه ما تقتضيه ألفاظها ، فلا يروي لنا صورة إلا وهي تفيد الواقع ، وعلى كونه أمينا على الشريعة ، فلا يروي لنا ما يوقع التدليس فيها ، ولا شك أن اللبس إنما يقع مع رواية جاهل أو خائن ، والراوي إن كان صحابيا ، فالجهل والخيانة منفيان عنه ، وإن كان غير صحابي ، فنحن لا نقبل إلا رواية من انتفت عنه الصفتان ، فحصل الأمان من اللبس .

[ ص: 364 ] قوله : " واشترط بعضهم المناسبة " إلى آخره . اعلم أن الأصوليين اختلفوا : هل يشترط في استفادة السببية من ترتيب الحكم على الفاء أن يكون السبب مناسبا للحكم ، كمناسبة الزنا للرجم ونحوه أم لا ؟ والكلام فيما قدمناه في ذلك عام فيما إذا كان مناسبا أو غير مناسب وهو الصحيح ، واشترط بعض الأصوليين أن يكون مناسبا ، إذ لو لم تشترط مناسبته ، " لفهم من " قولنا : " صلى " زيد " فأكل " أن الصلاة سبب للأكل ، لكنه باطل في اللغة والعرف ، فوجب أن تكون المناسبة شرطا .

والجواب : لا نسلم بطلان ذلك في اللغة ولا العرف بدليل أن من قال : أكرم الجهال وأهن العلماء ; نفر من كلامه كل عاقل ، وما ذاك إلا أنهم يفهمون سببية العلم للإهانة والجهل للإكرام ، وهو مما تأباه العقول .

وقولكم : صلى زيد فأكل ، وأكل ماعز فرجم ، وباع الأعرابي ، فوجب عليه الكفارة ، وقام النبي فسجد ، وأشباه ذلك; حجة عليكم ، لأنكم إنما أنكرتموه بناء على فهم سببية ما ليس بمناسب ، إذ لو لم تفهموا السببية لما أنكرتم هذا الكلام ، وإنما لم يفهم من قول القائل : صلى فأكل ، سببية الصلاة للأكل ، لأنه غير مناسب عقلا ، وليس الكلام في المناسبة العقلية; إنما الكلام في إفادة الكلام السببية لغة ، ونحن نقول به ، إذ لو روي لنا من وجه [ ص: 365 ] صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى فأكل ، أو أكل فسجد ، وما شئتم من هذا الباب ، لحكمنا بالسببية فيه بناء على أنه فعل ذلك ، ومتابعته علينا واجبة في الواجبات ، ومندوبة في المندوبات ، ونجعل ذلك من قبيل الأسباب التعبدية ، نحو : من مس ذكره فليتوضأ ، و : من أنزل الماء فليغتسل . وأشباه ذلك .

التالي السابق


الخدمات العلمية