صفحة جزء
[ ص: 381 ] القسم الثالث : إثباتها بالاستنباط وهو أنواع :

أحدها : إثباتها بالمناسبة ، وهي أن يقترن بالحكم وصف مناسب ، وهو ما تتوقع المصلحة عقيبه لرابط ما عقلي ولا يعتبر كونه منشأ للحكمة ، كالسفر مع المشقة ، فيفيد التعليل به لإلفنا من الشارع رعاية المصالح ، وبالجملة متى أفضى الحكم إلى مصلحة علل بالوصف المشتمل عليها; ثم إن ظهر تأثير عينه في عين الحكم ، أو جنسه بنص أو إجماع ، فهو المؤثر كقياس الأمة على الحرة في سقوط الصلاة بالحيض لمشقة التكرار ، ولا يضر ظهور مؤثر آخر معه في الأصل ، فيعلل بالكل كالحيض والردة والعدة ، يعلل منع وطء المرأة بها ، وكقياس تقديم الأخ للأبوين في ولاية النكاح على تقديمه في الإرث ، فالأخوة متحدة نوعا ، وإن ظهر تأثير جنسه في عين الحكم كتأثير المشقة في إسقاط الصلاة عن الحائض ، كالمسافر ، فهو الملائم ، إذ جنس المشقة أثر في عين السقوط; وإن ظهر تأثير جنسه في جنس الحكم كتأثير جنس المصالح في جنس الأحكام ، فهو الغريب .

وقيل : هذا هو الملائم; وما سواه مؤثر .


" القسم الثالث " :

من أقسام إثبات العلة : " إثباتها بالاستنباط " ، إذ قد سبق الكلام في إثباتها بالنص والإجماع ، " وهو " - يعني إثباتها بالاستنباط - " أنواع : [ ص: 382 ] أحدها : إثباتها بالمناسبة ، وهي - يعني المناسبة - أن يقترن بالحكم وصف مناسب " وقد سبق مثاله في غير موضع .

قوله : " وهو " يعني الوصف المناسب ، " ما تتوقع المصلحة عقيبه لرابط ما عقلي " .

قلت : قد اختلف في تعريف المناسب ، واستقصاء القول فيه من المهمات ، لأن عليه مدار الشريعة ، بل مدار الوجود ، إذ لا موجود إلا وهو على وفق المناسبة العقلية ، لكن أنواع المناسبة تتفاوت في العموم والخصوص ، والخفاء والظهور ، فما خفيت عنا مناسبته ، سمي تعبدا ، وما ظهرت مناسبته سمي معللا ، فقولنا : المناسب ما تتوقع المصلحة عقيبه ، أي : ما إذا وجد أو سمع ، أدرك العقل السليم كون ذلك الوصف سببا مفضيا إلى مصلحة من المصالح لرابط من الروابط العقلية بين تلك المصلحة وذلك الوصف ، وهو معنى قولي : " لرابط ما عقلي " .

ومثاله : أنه إذا قيل : المسكر حرام ، أدرك العقل أن تحريم المسكر مفض إلى مصلحة ، وهي حفظ العقول من الاضطراب ، وإذا قيل : القصاص مشروع ، أدرك العقل أن شرعية القصاص سبب مفض إلى مصلحة ، وهي حفظ النفوس ، وأمثلته كثيرة ظاهرة ، وإنما قلت : ما تتوقع المصلحة عقيبه لرابط عقلي أخذا من النسب الذي هو القرابة ، فإن المناسب هاهنا مستعار ومشتق من ذلك ، ولا شك أن المتناسبين في باب النسب كالأخوين وابني العم ونحو ذلك ، إنما كانا متناسبين لمعنى رابط بينهما وهو القرابة ، فكذلك الوصف المناسب هاهنا لابد وأن يكون بينه وبين ما يناسبه من المصلحة [ ص: 383 ] رابط عقلي ، وهو كون الوصف صالحا للإفضاء إلى تلك المصلحة عقلا .

قال الآمدي : وقد فسر أبو زيد المناسب بما لو عرض على العقول تلقته بالقبول ، وبنى على ذلك امتناع الاحتجاج على العلة به في مقام المناظرة دون النظر لاحتمال أن يقول الخصم : هذا لا يتلقاه عقلي بالقبول ، وتلقي غيري له بالقبول ليس حجة علي .

قلت : وهذا لا يلزم لأنا إذا نظرنا في أدنى مراتب المناسب ، وجدنا العقول تبادر إلى تلقيه بالقبول ، فإذا قال الخصم : هذا لا يتلقاه عقلي بالقبول ، فأحد الأمرين لازم; إما أن الوصف المذكور غير مناسب في نفسه ، فالخصم معذور في إنكاره ، وإما عناد من الخصم المنكر; وحينئذ على المستدل بيان مناسبته ببيان مناسبة أمثاله عند العقلاء ، خصوصا إن كان الخصم يسلم مناسبة مثل ذلك الوصف في رتبته ، فتثبت مناسبته ، إذ حكم المثلين واحد ، أو مناسبة ما هو دونه ، فتثبت مناسبته هو بطريق الأولى .

مثاله : لو استدل على إرث المبتوتة في مرض الموت بأن توريثها مناقضة للميت في قصده حرمانها ، وذلك مناسب لتلقي العقل له بالقبول ، فإذا قال الخصم : ليس هذا مناسبا ، وعقلي لا يتلقاه بالقبول ، فيقول المستدل : قد سلمت مناسبة مثل هذا الوصف في حرمان القاتل إرثه من موروثه معارضة له بنقيض قصده ، فإن سلمت المناسبة هنا ، لزمك تسليمها هناك لاستوائهما ، وإن منعت المناسبة في الموضعين; فقد سلم العقلاء مناسبة أوصاف هي مثل هذا الوصف ودونه في قبول العقل له ، ومن الممتنع عادة إصابتك وخطؤهم ، فأنت إذن معاند مسفسط تحرم المناظرة معك ، فهذا أيضا طريق جيد مناسب [ ص: 384 ] في إثبات المناسب على من أنكره .

والأصل في هذا أن القضايا العقلية أصناف; منها البديهيات والنظريات والمقبولات ، والمناسب من قبيل المقبولات ، وهي ما تلقاه العقل بجوهره بالقبول من غير قطع به ، فالعقول معيار له لا تختلف فيه ، كما لا تختلف في إدراك البديهيات مع القطع ، والنظريات بعد تحقيق مقدمات النظر .

وقال الآمدي : أما نحن; فنقول : المناسب عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب الحكم عليه حصول ما يصلح أن يكون مقصودا للشارع من تحصيل مصلحة أو تكميلها ، أو دفع مفسدة أو تقليلها دنيا وأخرى على وجه يمكن إثباته بما لو أصر الخصم على منعه بعده ، يكون معاندا .

قلت : هذا غاية ما يقال في ضبط رسم المناسب ، وتحصيل أصل المصلحة ، كشرع القصاص ، وتحريم الخمر ، وتكميلها كاشتراط المكافأة والمساواة في القصاص ، وتحريم يسير الخمر لإفضائه إلى كثيره ، ودفع المفسدة كإيجاب القود لدفع مفسدة إتلاف النفوس ، وتقليلها كإيجابه في القتل بالمثقل ، لأن فيه تقليلا للقتل ، لئلا يتخذ ذريعة إلى إزهاق النفوس ، وكإيجابه على الجماعة المشتركين في قتل أو قطع ، أو نحو ذلك .

وقال القرافي : المناسب ما تضمن تحصيل مصلحة أو درء مفسدة ، فالأول يعني تحصيل المصلحة كالغنى هو علة وجوب الزكاة لتضمنه مصلحة الفقراء ورب المال ، والثاني : - يعني درء المفسدة - كتحريم الخمر .

[ ص: 385 ] وقال النيلي : المناسب ما كان إثبات الحكم عقيبه مفضيا إلى ما يوافق نظر العقلاء في المعاش ، أو في المعاد . أما المعاش; فكبقاء الأنفس ، والزيادة في المال ، وأما في المعاد; فكتحصيل الثواب ، أو رفع العقاب . ثم الحكم تارة يكون تحصيلا للمصلحة ، وتارة تكميلا لها ، وتارة مديما لها ، وذكر أمثلة من ذلك ، وهي ظاهرة لمن له نظر في الأحكام .

ثم المناسب ينقسم إلى ما هو في محل الضرورات ، وإلى ما هو في محل الحاجات ، وإلى ما هو في محل التتمات والتكميلات ، وهي في مراتبها على هذا الترتيب في التقديم عند التعارض يقدم الأول ثم الثاني ثم الثالث . وقد سبق بيان أقسامه عند ذكر المصالح المرسلة ، والبابان واحد ، لأن المصلحة مضمون المناسب ، والمناسب متضمن للمصلحة .

ومثال اجتماع أقسامه الثلاثة في وصف واحد أن نفقة النفس ضرورية ، ونفقة الزوجات حاجية ، ونفقة الأقارب تتمة وتكملة ، ولهذا قدم بعضها على بعض على الترتيب المذكور ، وتأكدت نفقة الزوجة على نفقة القريب حتى سقطت نفقته بمضي الزمن دون نفقتها . وقد سبق التنبيه على أن مراتب المناسب متفاوتة في الجلاء والخفاء ، والقوة والضعف ، وسرعة القبول وعدمه ، وذلك ظاهر لمن نظر في مناسبات الأحكام لعللها ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم .

[ ص: 386 ] قوله : " ولا يعتبر كونه منشأ للحكمة ، كالسفر مع المشقة " .

اعلم أن هذا المكان من دقائق هذا الباب خصوصا على نشأة الطلاب ، فيجب الاعتناء بكشفه ، وقد تضمنت الجملة المذكورة ألفاظا ينبغي الكشف عنها ، ثم ذكر معنى الجملة بعدها كما ينبغي إن شاء الله تعالى .

أما الألفاظ المذكورة ، فهي المناسب ، والمنشأ ، والحكمة .

أما المناسب ، فقد سبق الكشف عن حقيقته .

وأما الإنشاء فهو محل النشء وهو الظهور ، يقال : نشأ ينشأ نشأ ونشوءا : إذا بدا ، وظهر ، ونشأ الشيء : مظهره ومبدؤه ، وهو الموضع الذي يظهر ويبدو منه .

والحكمة غاية الحكم المطلوبة بشرعه ، كحفظ الأنفس والأموال بشرع القود والقطع .

إذا عرف هذا ، فيكون هذا الوصف المناسب منشأ للحكمة المطلوبة من الحكم غير مشترط خلافا لقوم ، بل المعتبر ثبوت المصلحة عقيبه ، وهو أعلم من أن يكون منشأ لها أو لا ، فإن قولنا : هذا الوصف مناسب يصدق باعتبارات ثلاث :

أحدها : أن يكون منشأ للحكمة ، كقولنا : السفر منشأ المشقة المبيحة للترخص ، والقتل منشأ المفسدة; وهي تفويت النفس ، والزنى منشأ [ ص: 387 ] المفسدة; وهي تضييع الأنساب وإلحاق العار ، فهذه الأوصاف ينشأ عنها الحكمة التي ثبتت هذه الأوصاف لأجلها ، وأصلح من هذا أن يقال : إيجاب القصاص منشأ حكمة الردع عن القتل ، وإيجاب الحد منشأ حكمة الردع عن الزنى والقذف والشرب ونحوها ، لأن ذلك يتضمن تحصيل مصلحة ودرء مفسدة ، وهي الحكمة المطلوبة من إثبات الحكم .

الاعتبار الثاني : أن يكون الوصف معرفا للحكمة ودليلا عليها ، كقولنا : النكاح أو البيع الصادر من الأهل في المحل يناسب الصحة ، أي : يدل على الحاجة التي اقتضت جعل البيع سببا للصحة .

قلت : التحقيق في هذا أن الحكمة هي الانتفاع بالمبيع مثلا ، والحاجة اقتضت جعل البيع سببا لتحصيل الانتفاع بواسطة الصحة ، فالحاجة مناسبة لتحصيل الانتفاع بواسطة البيع .

الاعتبار الثالث : أن يظهر عند الوصف ، ولم ينشأ عنه ، ولم يدل عليه ، كشكر النعمة المناسب للزيادة منها ، فالشكر هو الوصف المناسب ، وزيادة النعمة هي الحكمة ، ووجوب الشكر هو الحكم ، لكن في كون الشكر لا يدل على زيادة النعمة نظر .

وبالجملة فهذه أمثلة تقريبية إن لم تكن تحقيقية . ومن ذلك قولنا : الغنى مناسب لإيجاب الزكاة مواساة للفقراء ، ودفعا لضرر الفقر عنهم ، فالغنى هو الوصف ، وإيجاب الزكاة هو الحكم ، ومواساة الفقراء هي الحكمة ، وكل حكم شرعي تعليلي ، فلا بد له من سبب مناسب يقتضيه ، ومن حكمة هي الغاية المطلوبة منه تترتب عليه . واعتبر هذا بالاستقراء والاستئناس بما ذكرناه من الأمثلة تجده صحيحا وإنما قيدنا الحكم بأنه تعليلي ، لأن الحكم التعبدي [ ص: 388 ] وإن اقتضاه سبب ، وترتبت عليه حكمة ، لكن سببه تارة يناسب ، وتارة لا يناسب كأكل لحم الجزور لنقض الوضوء .

قوله : " فيفيد التعليل به " أي : متى كان الوصف مما يتوقع عقيبه مصلحة لرابط عقلي ، فهو مناسب ، فيفيدنا تعليل الحكم ، أي : إن الحكم معلل به ، " لإلفنا من الشارع رعاية " مصالح العباد تفضلا لا وجوبا ، فمتى رأينا حكما ثبت عقيب وصف مناسب ، وذلك الحكم متضمن مصلحة; غلب على ظننا أن ذلك الحكم ثبت لتحصيل تلك المصلحة التي أفضى إليها ذلك الوصف .

" وبالجملة متى أفضى الحكم إلى مصلحة علل بالوصف المشتمل عليها " كقتل المرتد المفضي إلى صيانة الدين ، يعلل بما اشتمل عليه تبديل الدين من المفسدة التي درؤها من أكبر المصالح .

قال الآمدي : الحكمة إما أن تكون ناشئة عن ضابطها ، أو لا ، فالأول كمشقة السفر المعتبرة في جواز الترخص . والثاني وهو الذي لا تكون الحكمة فيه ناشئة عن ضابطها; إما أن يكون الضابط دالا على الحاجة إليها ، أو لا . فالأول : كالانتفاع المعتبر في صحة البيع بالنسبة إلى التصرف من الأهل . والثاني : كزيادة النعمة المعتبرة في إيجاب الزكاة بالنظر إلى ملك النصاب .

قلت : هذا معنى كلامه بأبسط منه ، وربما كان فيه غموض على بعض الناظرين ، وقد سبق معناه ممثلا ، وضابط الحكمة هو الوصف الذي رتب [ ص: 389 ] الشارع عليه الحكم ، وربطه به لتحصيلها .

ثم الحكمة قد يمكن اعتبار حقيقتها لانضباطها في نفسها ، فيعتبر حصولها حقيقة ، كصيانة النفوس الحاصل من إيجاب القصاص ، وقد لا يمكن فيعتبر بمظنتها ، كربط جواز الترخص بالسفر لكونه مظنة المشقة المبيحة للترخص .

وهذا المثال إن كان مطابقا للمراد ، فذاك ، وإن لم يكن مطابقا ، فالقاعدة المذكورة محصلة له عند الفطن .

قوله : " ثم إن ظهر تأثير عينه في عين الحكم أو جنسه بنص أو إجماع ، فهو المؤثر " إلى آخره .

هذا بيان لأقسام تأثير المناسب في الحكم ومعنى تأثيره ، وهو اقتضاؤه بحكم المناسبة لترتب الحكم عليه ، وأقسامه على ما في " المختصر " أربعة : لأنه إما أن يؤثر عينه في عين الحكم ، أو عينه في جنس الحكم ، أو يؤثر جنسه في جنس الحكم ، أو جنسه في عين الحكم ، وإن شئت ، قلت : إما أن يؤثر عينه في عين الحكم ، أو جنسه في جنس الحكم ، أو عينه في جنس الحكم ، أو جنسه في عين الحكم .

ومعنى ذلك أنا إذا رأينا حكما قد ترتب على وصف مناسب ثبتت مناسبته بنص أو إجماع; ألحقنا به إثبات عين ذلك الحكم أو جنسه بذلك الوصف المناسب في صورة أخرى . هذا معنى قوله : " ثم إن ظهر تأثير عينه في [ ص: 390 ] عين الحكم أو جنسه بنص أو إجماع " فهذا المؤثر أي : ثبت تأثير الوصف في حكم الأصل المقيس عليه بنص أو إجماع كما سبق . ثم إنا نورد الأمثلة على ترتيب " المختصر " ونبين مقاصد ما يحتاج إلى البيان من ألفاظه إن شاء الله تعالى .

وهذا المكان من مشكلات القياس تحقيقا وتصورا ، خصوصا على المبتدئ ومن ضعفت أنسته به .

مثال الأول ، وهو ما ظهر تأثير عينه في عين الحكم بنص أو إجماع قولنا : سقطت الصلاة عن الحرة الحائض بالنص والإجماع لمشقة التكرار ، لأن الصلاة تتكرر ، فلو وجب قضاؤها ، لشق عليها ذلك ، فقد ظهر تأثير المشقة المذكورة في إسقاط الصلاة بالإجماع ، فألحقنا الأمة بالحرة في ذلك ، فعين الوصف وهو المشقة أثر في عين الحكم وهو سقوط الصلاة .

قلت : وفي هذا المثال نظر ، لأن دليل الشرع لم يرد بذلك في خصوص الحرة حتى يكون إثبات الحكم في الأمة قياسا عليها ، بل ورد في الحائض ، وهي أعم من الحرة والأمة ، فالحكم ثابت في الأمة بما ثبت في الحرة ، والدليل الشرعي هو ما روي أن عمرة قالت لعائشة - رضي الله عنها - : ما بال الحائض تقضي الصوم ، ولا تقضي الصلاة ؟ فقالت : كنا نحيض على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنقضي الصوم ، ولا نقضي الصلاة . وهذا إخبار عن عموم النساء في ذلك الحرة والأمة ، ثم انعقد عليه الإجماع .

[ ص: 391 ] نعم ، هذا المثال يصح على جهة التقدير ، أي : لو قدرنا أن النص ورد بذلك في خصوص الحرة ، لكان إلحاق الأمة بها فيه من باب ما أثر عينه في عين الحكم .

ومن هذا الباب إلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق ، وإلحاق ولاية النكاح بولاية المال بجامع الصغر ، فالصغر وصف أثر عينه في عين الحكم وهو الولاية على الصغير ، ولم يختلف إلا محل الولاية وهو المال والنكاح .

وكذلك قولنا : الطواف موجود في الفأرة ونحوها ، فتكون طاهرة كالهر ، فالطواف وصف أثر عينه في الحكم وهو الطهارة .

قوله : " ولا يضر ظهور مؤثر آخر معه في الأصل فيعلل بالكل " إلى آخره . أي : إن هذا الوصف المؤثر عينه في عين الحكم لا يضر وجود وصف آخر معه في الأصل المقيس عليه الثابت تأثير الوصف فيه بالنص أو الإجماع ، بل إن وجد معه مؤثر آخر ، علل بهما الأصل ، وألحق الفرع به بجامع الوصف المشترك بينهما ، وذلك كالحائض المعتدة المرتدة; يعلل امتناع وطئها بالأسباب الثلاثة : الحيض والعدة والردة ، فلو أردنا أن نقيس الأمة على الحرة في ذلك بأحد الأوصاف المذكورة ، صح ، وكان من باب المناسب المؤثر بتقدير أن لا يكون النص شاملا لها .

قوله : " وكقياس تقديم الأخ للأبوين في ولاية النكاح على تقديمه في الإرث " .

هذا مثال الثاني ، وهو ما أثر عينه في جنس الحكم ، كقولنا : الأخ للأبوين [ ص: 392 ] مقدم في ولاية النكاح قياسا على تقديمه في الإرث ، فالوصف الذي هو الأخوة في الأصل والفرع متحد بالنوع ، والحكم الذي هو الولاية والإرث متحدان بالجنس لا بالنوع ، فهذا وصف أثر عينه في جنس الحكم ، وهو جنس التقديم ، فعين الأخوة أثرت في جنس التقديم بخلاف ما قبل هذا; وهو تأثير المشقة في سقوط الصلاة ، فإن المشقة والسقوط متحدان بالنوع ، أي : المشقة في الأمة والحرة متحدان بالنوع ، وسقوط الصلاة في حقهما كذلك ، إذ هي مشقة ومشقة ، وسقوط وسقوط ، بخلاف الأخوة مع الولاية والإرث ، إذ نقول : هي أخوة وأخوة ، فيتحدان بالنوع ، ولا نقول : ولاية وولاية ، ولا إرث وإرث; حتى يتحدا في نوع واحد ، بل نقول : ولاية نكاح وإرث ، فيختلفان بالنوع ، أي : لا يجمعهما نوع واحد ، بل إنما يجمعهما جنس واحد ، وهو جنس التقديم .

قوله : " وإن ظهر تأثير جنسه في عين الحكم " إلى آخره .

هذا مثال القسم الثالث من أقسام المناسب ، وهو ما أثر جنسه في عين الحكم ، كقولنا : سقطت الصلاة عن الحائض لأجل المشقة قياسا على المسافر ، فقد أثر جنس المشقة في عين السقوط ، إذ مشقة تكرار الصلاة في حق الحائض مخالفة لمشقة إتمامها في حق المسافر ، إن لم يكن بالحقيقة والماهية فبالكمية والكيفية ، أما ماهية السقوط في حقهما فواحدة . ولقائل أن [ ص: 393 ] يقول : هذا المثال هو من القسم الأول; وهو ما أثر عينه في عين الحكم ، لأن نوع المشقة في التأثير واحد ، وكذا نوع الحكم ، وإنما اختلفا من جهة سببهما ، إذ هذه مشقة تكرار ، وهذه مشقة إتمام ، وهذا سقوط أصل الصلاة ، وذاك سقوط ركعتين منها .

والأجود أن يقال في المثال المذكور : كإسقاط الصلاة عن الحائض للمشقة ، فإن جنس المشقة أثر في عين هذا السقوط من غير تعرض لمسافر ولا غيره . وهذا يسمى " الملائم " أي : الموافق أي : هو موافق لتصرف الشرع في تأثير جنس الأسباب في أعيان الأحكام ، وهذا تخصيص اصطلاحي ، وإلا فسائر أقسام المناسب ملائمة بهذا الاعتبار ، إذ هي موافقة لجنس مراعاة الشرع للمصالح المناسبة ، وكذلك تحريم يسير الخمر والنبيذ ، والخلوة بالأجنبية لإفضاء ذلك بالاسترسال فيه إلى السكر والوطء المحرمين من باب حسم المواد ، فجنس حسم المواد أثر في تحريم عين شرب اليسير وعين الخلوة .

قوله : " وإن ظهر تأثير جنسه في جنس الحكم " إلى آخره .

هذا مثال القسم الرابع من أقسام المناسب ، وهو ما أثر جنسه في جنس الحكم ، " كتأثير جنس المصالح في جنس الأحكام " أي : إلحاق بعض الأحكام ببعض بجامع المناسبة المصلحية المطلقة .

ومثله القرافي بإلحاق شارب الخمر بالقاذف في جلده ثمانين ، كما قال علي - رضي الله عنه - : أراه إذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، فأرى عليه حد المفتري . فأخذ مطلق المناسبة ، ومطلق المظنة .

[ ص: 394 ] قلت : فمظنة جنس الافتراء وهو الوصف أثرت في جنس الجلد أو الحد ، وهو الحكم . وهذا يسمى المناسب " الغريب " لقلة التفات الشرع إليه في تصرفاته ، فبقي لقلة وقوعه ، كالغريب بين أهل البلد .

" وقيل : هذا هو الملائم " يعني قال بعض الأصوليين : الملائم ما ظهر تأثير جنسه في جنس الحكم ، " وما سواه " من الأقسام المتقدمة " مؤثر " وهي تأثير العين في العين ، وتأثير العين في الجنس ، وتأثير الجنس في العين .

ووجه هذا القول هو أنا باستقراء موارد الشرع ومصادره نجده من حيث الجملة يراعي جنس المصالح في جنس الأحكام . وحينئذ يكون تأثير الجنس في الجنس ملائما لتصرف الشرع . وأما ما سوى ذلك من أنواع تأثير الوصف ، فهو أقوى من هذا النوع المذكور كما سيأتي عن قريب إن شاء الله تعالى .

وإذا كان الأضعف ملائما ، فجدير أن يكون الأقوى مؤثرا ، وإن تفاوت في قوة التأثير وضعفه ، ويتعلق بهذا كلام يأتي إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


الخدمات العلمية