صفحة جزء
[ ص: 555 ] الثاني عشر : القول بالموجب ، وهو : تسليم الدليل مع منع المدلول ، أو تسليم مقتضى الدليل مع دعوى بقاء الخلاف ، وهو آخر الأسئلة ، وينقطع المعترض بفساده ، والمستدل بتوجيهه ، إذ بعد تسليم العلة والحكم لا يجوز له النزاع فيهما .


" الثاني عشر : القول بالموجب " . بفتح الجيم ، أي : القول بما أوجبه دليل المستدل ، أما الموجب بكسرها ، فهو الدليل المقتضي للحكم .

قوله : " وهو " - يعني القول بالموجب - " تسليم الدليل مع منع المدلول ، أو تسليم مقتضى الدليل مع دعوى بقاء الخلاف " .

هذا على جهة التخيير في تعريفه ، أي : بأي هذين التعريفين عرف حصل المعنى المقصود منه ، لكن التعريف الثاني أحق ، لأن تسليم الخصم إنما هو لمقتضى الدليل وموجبه ، لا لنفس الدليل ، إذ الدليل ليس مرادا لذاته ، بل لكونه وسيلة إلى معرفة المدلول .

ومثال ذلك : ما إذا قال الشافعي فيمن أتى حدا خارج الحرم ، ثم لجأ إلى الحرم : يستوفى منه الحد ، لأنه وجد سبب جواز الاستيفاء منه ، فكان جائزا ، فيقول الحنبلي أو الحنفي : أنا قائل بموجب دليلك ، وأن استيفاء الحد جائز ، وإنما أنازع في جواز هتك حرمة الحرم ، وليس في دليلك ما يقتضي جوازه ، فهذا قد سلم للمستدل مقتضى دليله وهو جواز استيفاء الحد ، وادعى بقاء الخلاف في شيء آخر وهو هتك حرمة الحرم .

[ ص: 556 ] قوله : " وهو " - يعني القول بالموجب - " آخر الأسئلة " الواردة على القياس على ما يقتضيه ترتيبها ، " وينقطع المعترض بفساده والمستدل بتوجيهه " . أي : إذا فسد القول بالموجب ، انقطع المعترض ، إذ بفساده يثبت دليل المستدل على محل النزاع سالما عن معارض ، وإذا صح القول بالموجب وتوجه على المستدل صحيحا ، انقطع لأن به تبين أن دليله لم يتناول محل النزاع ، كما لو استدل على وجوب الزكاة في بعض صور النزاع فيها بسورة الإخلاص ؛ قيل له : سلمنا دلالتها على التوحيد لكن لا دلالة فيها على وجوب الزكاة ، فتبقى دعواه خالية عن دليل ، فتبطل ، فينقطع لقوله تعالى : قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين [ البقرة : 111 ] .

قوله : " إذ بعد تسليم العلة والحكم لا يجوز له النزاع فيهما " .

هذا استدلال على الأمور الثلاثة المتقدمة ، وهي أن القول بالموجب آخر الأسئلة ، وأن المعترض ينقطع بفساده ، وأن المستدل ينقطع بتوجيهه ، لأن في القول بموجب الدليل تسليم علته وحكمه ، وبعد تسليم العلة والحكم لا يجوز النزاع فيهما ، فيكون آخر الأسئلة . ثم إن استقر ، انقطع المستدل ، وإن أجاب عنه بنحو ما ذكر بعد ، انقطع المعترض ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


الخدمات العلمية