صفحة جزء
[ ص: 589 ] ثم ههنا مسائل :

الأولى : يجوز التعبد بالاجتهاد في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - للغائب عنه ، وللحاضر بإذنه وبدونه عند أكثر الشافعية ، ومنعه قوم مطلقا .

وقيل : في الحاضر دون الغائب .

لنا : حديث معاذ ، وحكم سعد بن معاذ في بني قريظة باجتهاد بحضرته - صلى الله عليه وسلم - وأذن لعمرو بن العاص وعقبة بن عامر ، ولرجلين من الصحابة فيه ، ولأنه لا محال فيه ، ولا يستلزمه .

قالوا : كيف يعمل بالظن مع إمكان العلم بالوحي .

قلنا : لعله لمصلحة ، ثم قد تعبد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحكم بالشهود وبالشاهد واليمين مع إمكان الوحي في كل واقعة بالحق الجازم فيها .


" ثم ههنا مسائل " ، يعني ما سبق من الكلام في الاجتهاد ، هو كالقاعدة الكلية له ، ثم فيه مسائل كالجزئيات :

المسألة " الأولى : يجوز التعبد بالاجتهاد " من قياس وغيره ، " في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - للغائب عنه " . أما " الحاضر " ، فيجوز له ذلك " بإذنه " عليه الصلاة والسلام ، وأما بدون إذنه ، فأجازه " أكثر الشافعية ، ومنعه " ، أي : ومنع الاجتهاد في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - " قوم مطلقا " ، يعني للغائب والحاضر ، بإذنه أو بدونه .

وقال آخرون : يمتنع في حق الحاضر عند النبي - صلى الله عليه وسلم - دون الغائب عنه ، فالمذاهب إذن ثالثها الفرق بين الحاضر والغائب ، ورابعها ولم يذكر في " المختصر " الوقف فيه في الجملة .

[ ص: 590 ] وحكى الغزالي المنع والجواز ، والفرق بين القضاة والولاة في غيبته ، لا في حضوره ، دون غيرهم ، والمجوزون منهم من اشترط الإذن ، ومنهم من اكتفى بالسكوت ، واختار هو الجواز في غيبته وحضرته ، مع إذنه أو سكوته .

قلت : وفي المسألة تفصيل أظنه أكثر من هذا ، والنزاع إما في الجواز عقلا أو شرعا ، أو في الوقوع ، والظاهر إثبات الجميع .

قوله : " لنا " إلى آخره . أي : لنا على جواز ذلك وجوه :

أحدها : " حديث معاذ " حيث قال : أجتهد رأيي ، فأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو حكم بالاجتهاد في زمنه .

قلت : لكن من يفرق بين القاضي وغيره ، أو بين الغائب وغيره ، لا يلزمه هذا .

الوجه الثاني : أن سعد بن معاذ ، حكم في قريظة ، لما حصرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ونزلوا على حكم سعد : أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم ، وكان ذلك بحضرته - عليه السلام - فصوب حكمه وقال : لقد حكمت فيهم بحكم الملك ، وفي رواية : بحكم الله من فوق سبعة أرقعة . أو : سماوات .

[ ص: 591 ] قلت : ومن يجعل سعدا واليا ، ويفرق بين الوالي وغيره ، لا يلزمه هذا أيضا .

الوجه الثالث : أنه - عليه السلام - أذن لعمرو بن العاص وعقبة بن عامر ، ولرجلين من الصحابة فيه ، أي : في الاجتهاد ، فقال لعمرو في بعض القضايا : " احكم " ، فقال : أجتهد وأنت حاضر ؟ ! قال : نعم إن أصبت فلك أجران ، وإن أخطأت فلك أجر وقال لعقبة بن عامر وصاحبيه : اجتهدوا فإن أصبتم ، فلكم عشر حسنات وإن أخطأتم فلكم حسنة فهذا من غيره بحضرته .

قلت : ومن يفرق بين الإذن وغيره لا يلزمه هذا ، لأنه بإذن من الشارع .

قلت : وهذه الآثار ذكرها الشيخ أبو محمد ، ولم أقف منها إلا على حديث عمرو بن العاص - رضي الله عنه - رواه عبد بن حميد في مسنده بإسناده .

الوجه الرابع : أن الاجتهاد في زمنه - عليه الصلاة والسلام - على سائر التفاصيل فيه ، لا هو محال في نفسه ، ولا يستلزم المحال عقلا ولا شرعا . وما كان كذلك فهو جائز ، فالاجتهاد في زمنه جائز ، والدليل بين غني عن تقرير مقدماته .

قوله : " قالوا " يعني المانعين ، قالوا : الاجتهاد في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - عمل بالظن ، مع إمكان علم حكم الواقعة بالوحي ، من جهة الرسول [ ص: 592 ] عليه السلام ، والعدول عن العلم إلى الظن غير جائز ، لأنه تهاون بالأحكام ، وترك للأقوى منها إلى الأضعف ، فلا يجوز ، كترك النص أو الإجماع إلى القياس .

قوله : " قلنا " : الجواب عن ذلك أن العمل مع إمكان العلم بالوحي " لعله لمصلحة " ، أي : لعل فيه مصلحة للمكلفين ، والشرع موضوع لتحصيل المصالح ، وإذا جاز أن يتضمن مصلحة ، وقد وقع ما يدل عليه ، وجب القول بصحته .

قوله : " ثم قد تعبد " ، إلى آخره . هذا نقض لدليلهم المذكور ، أي : ثم بعد جوابنا عما ذكرتموه ، هو منقوض بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد تعبد بالحكم في الحقوق " بالشهود وبالشاهد واليمين " ، وهو إنما يفيد الظن " مع إمكان الوحي في كل واقعة " من ذلك وغيره " بالحق الجازم " ، والعلم القاطع " فيها " .

ومما احتجوا به : أن ما ذكرتموه على الجواز أخبار آحاد ، والمسألة قطعية ، فلا يثبت بها ، والجواب بمنع كونها قطعية .

التالي السابق


الخدمات العلمية