صفحة جزء
[ ص: 593 ] الثانية : يجوز أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - متعبدا بالاجتهاد فيما لا نص فيه ، خلافا لقوم .

لنا : لا محال ذاتي ، ولا خارجي .

قالوا : يمكنه التحقيق بالوحي ، والاجتهاد عرضة الخطأ .

قلنا : الظن متبع شرعا ولا يخطئ لعصمة الله له ، أو لا يقر عليه فيستدرك ، أما وقوعه فاختلف فيه أصحابنا والشافعية ، وأنكره أكثر المتكلمين .

لنا : ( اعتبروا ) وهو عام ، فيجب الامتثال ، وعوتب في أسارى بدر والإذن للمخلفين ، ولو كان نصا لما عوتب ، وقال : إلا الإذخر و لو قلت : نعم . لوجبت و لو سمعت شعرها لما قتلته ، وقال له السعدان والحباب : إن كان هذا بوحي فسمع وطاعة ، وإن كان باجتهاد فليس هذا هو الرأي ، فقال : بل باجتهاد ورأي رأيته ورجع إلى قولهم .

وقد حكم داود - عليه السلام - باجتهاده وإلا لما خالفه سليمان ، وإلا لما خص بالتفهيم .


المسألة " الثانية : يجوز أن يكون النبي - عليه الصلاة والسلام - متعبدا بالاجتهاد فيما لا نص فيه ، خلافا لقوم " .

اعلم أن ما فيه نص إلهي ؛ لا يجوز للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجتهد فيه بخلاف النص شرعا ، لقوله - عز وجل - : اتبع ما أوحي إليك [ الأنعام : 106 ] . أما ما [ ص: 594 ] لا نص فيه ، فهل هو متعبد بالاجتهاد فيه أم لا ؟ والمذاهب فيه أربعة :

أحدها : الإثبات ، وهو مذهب أحمد ، والقاضي أبو يوسف .

والثاني : النفي ، وهو قول أبي علي الجبائي ، وابنه أبي هاشم .

والثالث : الإثبات في الحروب والآراء ، دون الأحكام الشرعية .

والرابع : تجويزه من غير قطع به . حكاه الآمدي عن الشافعي في رسالته .

قال : وبه قال بعض الشافعية ، والقاضي عبد الجبار ، وأبو الحسين البصري .

والتحقيق أن الكلام في جواز ذلك ووقوعه ، والأصح جوازه ، إذ لا يلزم منه محال ، ولا أحسب أحدا ينازع في الجواز عقلا ، إنما ينازع من ينازع فيه شرعا .

وأما الوقوع ، فحكى الغزالي فيه أقوالا ، ثالثها الوقف واختاره . وقال القرافي : توقف أكثر المحققين في الكل ، واختار الآمدي الجواز والوقوع .

وذكر القرافي أن الشافعي وأبا يوسف قالا بالوقوع .

قوله : " لنا " ، أي : الدليل على جواز كونه متعبدا بالاجتهاد أنه " لا محال " فيه " ذاتي ولا خارجي " ، أي : لا يلزم من فرض وقوعه محال لذاته ، ولا لأمر خارج ، وكل ما كان كذلك ، فهو جائز .

قوله : " قالوا : " . هذه حجة الخصم .

وتقريرها : أنه - عليه السلام - يمكنه تحقيق الأحكام ، وتحقيقها بالوحي ، " والاجتهاد عرضة الخطأ " فلا يجوز المصير إليه مع القدرة على الصواب قطعا . وهذا نحو مما سبق لهم في المسألة قبلها .

قوله : " قلنا : " ، أي : الجواب عما ذكرتموه من وجهين :

أحدهما : أن " الظن متبع " في الشرع ، واجتهاده - عليه السلام - أقل أحواله [ ص: 596 ] أن يفيد الظن ، فيجب اتباعه كغيره ، وأولى .

الثاني : أن الاجتهاد يفيد الظن ، وظنه - عليه السلام - لا يخطئ لعصمة الله - عز وجل - له ، بخلاف غيره من الناس ، أو يخطئ لكنه لا يقر عليه ، بل ينبه على الخطأ ، فيستدركه ، والكلام في " المختصر " إلى ههنا في الجواز .

ومما يدل عليه : مسألة التفويض ، وهي ما إذا قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : احكم برأيك ، فإنك لا تحكم إلا بالحق ، والصحيح جوازه . وهو اجتهاد فيما لا نص فيه ، وفيه نظر .

قوله : " أما وقوعه " ، أي : وقوع الاجتهاد منه فيما لا نص فيه ، " فاختلف فيه أصحابنا والشافعية ، وأنكره أكثر المتكلمين " . وقد سبقت حكاية المذاهب فيه .

قوله : لنا " اعتبروا " إلى آخره . أي : لنا على وقوعه وجوه :

أحدها : قوله - عز وجل - : فاعتبروا ياأولي الأبصار [ الحشر : 2 ] ، وهو عام في الرسول وغيره ، فيتناوله الأمر بالاعتبار ، وهو الاجتهاد ، ويجب عليه الامتثال ، وإلا كان عاصيا ، وهو مع عصمة النبوة محال .

قلت : هذا يقتضي وجوب الاجتهاد عليه .

الوجه الثاني : أنه - عليه السلام - " عوتب في أسارى بدر " ، حيث قبل منهم الفداء ، ولم يقتلهم ، بقوله تعالى : ما كان لنبي أن تكون له أسرى حتى يثخن في الأرض إلى قوله - عز وجل - : لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم [ الأنفال : 67 ، 68 ] ، وعوتب في إذنه للمخلفين عن القتال في غزاة تبوك ، بقوله - عز وجل - : عفا الله عنك لم أذنت لهم [ التوبة : [ ص: 596 ] 43 ] ، ولو كان ذلك عملا منه بالنص ، لما عوتب ، فدل على أنه كان بالاجتهاد .

الوجه الثالث : أنه - عليه الصلاة والسلام - لما قال في شأن مكة شرفها الله تعالى : لا يختلى خلاها ، ولا يعضد شجرها قال العباس - رضي الله عنه - : إلا الإذخر يا رسول الله ، فإنه لبيوتنا وقبورنا - أو : لقبورنا - فقال : إلا الإذخر . وهذا يدل على أنه استثناه باجتهاده ، إجابة للعباس - رضي الله عنه - إلى المصلحة العامة ، إذ لو دخل الإذخر في عموم المنع منه ؛ لما جاز أن يجيب العباس إليه .

ولما سأله الأقرع بن حابس عن الحج : ألعامنا هذا ، أم للأبد ؟ قال : للأبد ، ولو قلت : لعامنا ، لوجبت الكلمة أو الحجة مكررة كل عام . وهذا يدل على أنه قاله باجتهاده .

قلت : إنما يدل هذا على جواز الاجتهاد إن دل ، والكلام في الوقوع . ولما قتل النضر بن الحارث ببدر ، جاءت أخته قتيلة بنت الحارث ، فأنشدته أبياتا منها : [ ص: 597 ]

أمحمد ولأنت نجل كريمة من قومها والفحل فحل معرق     ما كان ضرك لو مننت وربما
من الفتى وهو المغيظ المحنق



فقال - عليه السلام - : لو سمعت شعرها قبل قتله ، ما قتلته ، ولو قتله بالنص ، لما قال ذلك .

" وقال له السعدان " : يعني سعد بن معاذ وسعد بن عبادة - رضي الله عنهما - لما أراد صلح الأحزاب على شطر نخل المدينة ، وقد كتب بعض الكتاب بذلك : إن كان بوحي ، فسمعا وطاعة ، " وإن كان باجتهاد ، فليس هذا هو الرأي " ، وكذلك الحباب بن المنذر ؛ لما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينزل ببدر دون الماء ؛ قال له : إن كان هذا بوحي ، فنعم ، وإن كان الرأي والمكيدة ، فانزل بالناس على الماء ، لتحول بينه وبين العدو ، فقال لهم : ليس بوحي إنما هو رأي واجتهاد رأيته " ورجع إلى قولهم " ، فدل على أنه متعبد بالاجتهاد .

[ ص: 598 ] قلت : ومن يفرق بين الحروب والآراء ، والأحكام لا يلزمه هذا ، ولا قصة النضر بن الحارث ، وفداء الأسارى ، والإذن للمخلفين ، لأنها من متعلقات الحروب .

ويرد على هذه الصور جميعها جواز اقتران الوحي بها ، أو تقدمه عليها ، بأن يكون قد أوحي إليه : إذا كان كذا فافعل كذا ، وتخصيص قضية الحج بأن يكون معنى كلامه : لو قلت : لعامنا ، لما قلت إلا عن وحي ، ولوجب - لا محالة - تكراره .

الوجه الرابع : أن داود وسليمان عليهما السلام حكما في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم باجتهادهما ، أما داود ؛ فلأنه لو لم يكن حكم باجتهاده ، لما جاز لسليمان - عليه السلام - أن يخالفه ، ولا لداود أن يرجع إليه ، وأما سليمان ؛ فلأنه لو لم يكن حكم باجتهاده ، لما خص بالتفهيم بقوله - سبحانه وتعالى - : ففهمناها سليمان [ الأنبياء : 79 ] على طريق المدح .

ولقائل أن يقول : يحتمل أن سليمان لم يعلم أن داود حكم بالوحي ، فلذلك خالفه ، وأن تفهيم سليمان كان بالنص كقوله - عز وجل - : وعلمك ما لم تكن تعلم [ النساء : 113 ] وهو بالوحي .

ويجاب عنه : بأن داود لو حكم بالوحي ، لما رجع إلى قول سليمان ، ولرجع سليمان عن رأيه لما علم بالوحي ، وسليمان لم يكن بعد قد أوحي إليه ، لأن القصة كانت وهو صبي بعد . وفي هذه القصة دليل على جواز تعبد نبينا - صلى الله عليه وسلم - باجتهاده ، لأن هذين نبيان قد حكما باجتهادهما . وقد أمر أن يقتدي بهما وبغيرهما من الأنبياء ، لقوله - عز وجل - : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [ الأنعام : 90 ] . ولقائل أن يقول : الأمر بالاقتداء بهم مطلق لا عموم له ، فلا يتناول الحكم بالاجتهاد .

التالي السابق


الخدمات العلمية