صفحة جزء
[ ص: 698 ] وأما الثاني : فمبناه تفاوت دلالات العبارات في أنفسها ، فيرجح الأدل منها فالأدل ، فالنص مقدم على الظاهر ، وللظاهر مراتب باعتبار لفظه ، أو قرينته ، فيقدم الأقوى منها فالأقوى بحسب قوة دلالته وضعفها ، والمختلف لفظا فقط على متحده ، لدلالة اختلاف ألفاظه على اشتهاره ; وقد يعارض بأن اختلاف الألفاظ ضرب من الاضطراب ، والاتحاد أدل على الإتقان والورع ، وذو الزيادة على غيره ، لإمكانهما بذهول راوي الناقص ; أو نسيانه ، كما سبق . والمثبت على النافي إلا أن يستند النفي إلى علم بالعدم ، لا عدم العلم فيستويان ، وما اشتمل على حظر ، أو وعيد ، على غيره احتياطا عند القاضي .

والناقل عن حكم الأصل على غيره ، وفيهما خلاف ، ولا يرجح مسقط الحد وموجب الحرية على غيرهما ، إذ لا تأثير لذلك في صدق الراوي ، وقيل : بلى ; لموافقتهما الأصل ; وقوله - صلى الله عليه وسلم - على فعله ، إذ الفعل لا صيغة له .


قوله : " وأما الثاني " - يعني الترجيح اللفظي من جهة المتن - " فمبناه " ، أي : هو مبني على " تفاوت دلالات العبارات في أنفسها ، فيرجح الأدل منها فالأدل " ، أي : إن العبارات تتفاوت في الدلالة على المعاني بالقوة والضعف ، والبيان والإجمال ، والإيضاح والإشكال ، فما كان منها أقوى دلالة ، قدم على غيره . وهذه قاعدة هذا القسم ، " فالنص مقدم على الظاهر " ، لأن النص أدل ، لعدم احتماله غير المراد ، والظاهر محتمل غيره وإن كان احتمالا مرجوحا ، لكنه يصلح أن يكون مرادا بدليل ، كما سبق في تأويل الظواهر .

قوله : " وللظاهر مراتب باعتبار لفظه أو قرينته " ، أي : قد يكون لفظ [ ص: 699 ] أظهر في المراد من لفظ ، وقد تقترن به قرينة لفظية ، أو معنوية ، أو حالية توجب له زيادة الظهور ، فتختلف مراتبه بذلك ، " فيقدم الأقوى " فالأقوى " من تلك المراتب " بحسب قوة دلالته وضعفها " كما ترجح بعض العمومات على بعض بحسب قوتها في نفسها ، أو بحسب قرائنها ، وكما تقدم بعض الأقيسة على بعض .

قوله : " والمختلف " ، أي : ويقدم الخبر المختلف في اللفظ على ما اتحد لفظه ولم يختلف " لدلالة اختلاف ألفاظه على اشتهاره . وقد يعارض بأن اختلاف الألفاظ ضرب من الاضطراب والاتحاد " - يعني اتحاد لفظ الحديث - " أدل على الإتقان والورع " يعني إتقان الراوي وورعه .

حاصل هذا أن الحديثين إذا تعارضا ، وكان أحدهما مختلف الألفاظ ، والآخر متحد اللفظ لا اختلاف فيه ، ففي كل واحد منهما جهة رجحان ، فصار لذلك الترجيح بينهما محل اجتهاد .

أما جهة رجحان المختلف ، فلأن اختلاف ألفاظه تدل على شهرته حتى تلعبت به ألسنة الرواة باللفظ تارة ، وبالمعنى تارة ، فاختلفت ألفاظه لذلك .

وأما جهة رجحان المتحد اللفظ ، فلأن اتحاد لفظه يدل على الاعتناء بحفظه وضبطه ، وهو أدل على إتقان راويه وورعه حتى اجتهد في ضبطه ، فلم يدع للاختلاف عليه مدخلا ، واختلاف الألفاظ ضرب من الاضطراب .

قلت : وقد يتوسط بين القولين ، فيقال : إن كان اختلاف الألفاظ مما يختلف به المعنى ولو أدنى اختلاف ، أو تغير انتظام الرواية واتساقها ; قدم المتحد لفظا ، وإلا فالمختلف ، أو يتعارضان [ ص: 700 ] وقوله : " والمختلف لفظا فقط " : احتراز من المختلف معنى ، فإنه لا يعارض المتحد معنى قولا واحدا ، لأن اختلاف المعنى اضطراب ، والمضطرب لا يعارض المستقيم ، وهذا هو والمتوسط الذي ذكرته من واد واحد .

قوله : " وذو الزيادة " . أي : ويقدم ذو الزيادة " على غيره " ، أي : على ما لا زيادة فيه " لإمكانهما " ، أي : لإمكان رواية الزائد والناقص من روايتين بأن يذهل " راوي الناقص " عن الزيادة ، أو ينساها ، فيرويها غيره " كما سبق " في قبول الزيادة من الثقة .

قوله : " والمثبت " ، أي : ويقدم الخبر المثبت " على النافي " ، يعني الدال على ثبوت الحكم على الخبر الدال على نفيه ، كإثبات بلال - رضي الله عنه - صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة على رواية ابن عباس في نفيها ، لأن عند المثبت زيادة علم ممكنة وهو عدل جازم بها .

قوله : " إلا أن يستند النفي إلى علم بالعدم ، لا عدم العلم ، فيستويان " .

[ ص: 701 ] يعني أن نفي النافي إن استند إلى عدم العلم ، كقوله : لم أعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بالبيت ، ولم أعلم أن فلانا قتل فلانا ، لم يلتفت إليه ، وكان إثبات المثبت للصلاة ، وقتل فلان مقدما لما سبق . وإن استند نفي النافي إلى علم بالعدم ، كقول الراوي : اعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يصل بالبيت ، لأني كنت معه فيه ، ولم يغب عن نظري طرفة عين فيه ، ولم أره صلى فيه ، أو قال أخبرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يصل فيه ، أو قال : اعلم أن فلانا لم يقتل زيدا ، لأني رأيت زيدا حيا بعد موت فلان ، أو بعد الزمن الذي أخبر الجارح أنه قتله فيه . فهذا يقبل ، لاستناده إلى مدرك علمي ، ويستوي هو وإثبات المثبت ، فيتعارضان ، ويطلب المرجح من خارج . وقد سبق لنا في الجرح والتعديل مثل هذا . وكذلك كل شهادة نافية استندت إلى علم بالنفي ، لا إلى نفي العلم ، فإنها تعارض المثبتة، لأنها تساويها ، إذ هما في الحقيقة مثبتتان ، لأن إحداهما تثبت المشهود به ، والأخرى تثبت العلم بعدمه .

قوله : " وما اشتمل على حظر ، أو وعيد على غيره احتياطا عند القاضي " .

أي : ويرجح ما تضمن تحريما ، أو وعيدا على ما لم يتضمن ذلك أخذا بالاحتياط عند القاضي أبي يعلى . وقيل : لا يرجح بذلك .

قلت : الوعيد والحظر متلازمان ، إذ كل محظور متوعد عليه ، وكل متوعد عليه محظور ، لأن الوعيد من آثار الحظر ، والحظر من أحكام الوعيد ، فحصل التلازم بينهما لذلك .

وأصل الخلاف في هذا أن وعد الشرع ووعيده متكافئان في الغالب ، كقوله تعالى : إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم [ الأنعام : 165 ] ، [ ص: 702 ] إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم [ فصلت : 43 ] ، اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم [ المائدة : 98 ] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا وهو كثير . فإذا تعارض الحاظر والمبيح ، أو ما تضمن وعيدا أو غيره ، احتمل الخلاف لما ذكرنا . وهو أيضا يشبه ما سبق فيما إذا تعارضت فتيا المجتهدين عند المقلد هل يأخذ بالأخف ، أو بالأثقل نظرا إلى الدليل المتعارض هناك ، أو إلى الاحتياط تارة ، وإلى عموم التخفيف في الشريعة أخرى .

قوله : " والناقل عن حكم الأصل على غيره " ، أي : ويرجح النص أو الدليل الناقل عن حكم الأصل على المقرر عليه . " وفيهما خلاف " : هل يقدم الناقل ، أو المقرر ؟

مثاله : أن الأصل في المطعومات الحل ، فلو ورد بإباحة الثعلب حديث ; وحديث بتحريمه ; فهل يرجح دليل الإباحة لموافقته أصل الحل واعتضاده به ، فهما دليلان ، فيرجحان على دليل واحد ، وهو دليل الحظر ، أو يرجح الحاظر ، لأنه ناقل عن أصل الحل ، فهو مفيد فائدة زيادة ، وهي التحريم ؟ فيه هذا الخلاف . وكذلك ورد في الضبع أنها صيد تجب فيه الفدية في الإحرام ، وهو يفيد إباحتها ، وثبت النهي عن كل ذي ناب من السباع ، وهي ذات ناب ، وهو يفيد تحريمها ، فالأول مقرر لإباحتها الأصلية ، والثاني ناقل عن أصل الإباحة ، فأيهما يقدم ؟ والأشبه تقديم المقرر لاعتضاده بدليل الأصل .

[ ص: 703 ] وعلى هذا تنبني بينة الداخل والخارج ، وهو ما إذا ادعيا عينا في يد أحدهما ، وأقام كل واحد منهما بينة أنها له ، فالداخل من في يده العين ، والخارج من ليست في يده ، فمذهب الشافعي تقديم بينة الداخل ، لأن بينته اعتضدت بيده على العين فهما دليلان ، والخارج إنما معه البينة فقط .

ومذهب أحمد تقديم بينة الخارج ، لأنها ناقلة عن دلالة اليد التي هي كالأصل ، والأشبه الأول لما ذكرنا ، وهو أحد الأقوال لأحمد - رضي الله عنه - ، والأشبه بقواعده وقواعد غيره في اعتبار الترجيح بما يصلح له ، واليد صالحة للترجيح ، ويحمل قوله - عليه السلام - : البينة على المدعي على ما إذا لم يكن خارجا بأن تكون العين في يده ، أو في يد غيرهما .

قوله : " ولا يرجح مسقط الحد وموجب الحرية على غيرهما " . أي : إذا تعارض دليلان أحدهما يسقط حدا ، والآخر يوجبه ; أو أحدهما يوجب الحرية ، والآخر يمنعها ; لم يرجح مسقط الحد وموجب الحرية على مقابلها ، " إذ لا تأثير لذلك في صدق الراوي " .

" وقيل " : بل يرجح مسقط الحد وموجب الحرية " لموافقتهما الأصل " ، إذ الأصل عدم وجوب الحد ، والأصل ثبوت الحرية .

قلت : فهو من باب تعارض الناقل والمقرر .

قلت : وقولنا في الوجه الأول : " لا تأثير لذلك في صدق الراوي " وهم تابعت [ ص: 704 ] فيه الأصل ولم أتأمله ، لأن هذا التعليل إنما يصح في الترجيح من جهة المتن ، فإذا ترجحت جهة المتن بموافقة الأصل ، وجب تقديمها .

قلت : وقد يستشكل هذا بقوله - عليه السلام - : لا قطع إلا في عشرة دراهم وكونه قطع في ربع دينار ، فإن الأول يقتضي إسقاط حد القطع عمن سرق ربع دينار إلى تسعة دراهم ، والثاني يقتضي وجوب حد القطع عليه ، فمقتضى ما ذكرتم من ترجيحه أن يكون في قطع سارق ربع دينار خلاف ، بناء على الخلاف في ترجيحه . وكذلك اختلفت الرواية الصحيحة في استسعاء العبد في قيمة باقيه إذا كان المعتق لبعضه الآخر معسرا ، فرواية الاستسعاء موجبة لحرية الباقي ، فيجب تقديمها على مقابلها .

والجواب أنه لا إشكال في ذلك :

أما الأول ، فلأن حديث لا قطع في عشرة دراهم فيه مقال ، فلا [ ص: 705 ] يعارض الأحاديث الصحيحة في القطع في ربع دينار . ولو صح ، لرجحناه ، أو خرجنا الخلاف .

وأما الثاني فقد قلنا به ، فإن عندنا في الاستسعاء الموجب لحرية باقي العبد قولين ، وبعض أصحابنا يرجحه . وقد صح من رواية البخاري وغيره ، والمانع للاستسعاء لا يمنعه إعراضا عن الترجيح المذكور ، بل قد جاء في ذكر الاستسعاء في الحديث بأنه مدرج من كلام نافع مولى ابن عمر - رضي الله عنهما - والأولى خلافه ، وثبوت الاستسعاء على ما قررته في " القواعد الكبرى " .

قوله : " وقوله " ، أي : ويرجح قوله " - عليه السلام - على فعله ، إذ الفعل لا صيغة له " .

أي : إذا تعارض قول النبي - صلى الله عليه وسلم - على فعله ، رجح القول ، لأن له صيغة دالة ، بخلاف الفعل ، فإنه لا صيغة له تدل بنفسها ، وإنما دلالة الفعل لأمر خارج ، وهو كونه - عليه السلام - واجب الاتباع ، فكان القول أقوى ، فيرجح لذلك ، وأيضا فإن القول متفق على كونه حجة ، والفعل مختلف فيه ، والمتفق عليه راجح ، ولأن ذلك الفعل يحتمل أن يكون تشريعا عاما ، ويحتمل أن يكون من خصائصه ، وإذا احتمل واحتمل ، سقط الاحتجاج به ، وتعين القول .

التالي السابق


الخدمات العلمية