الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأسرة المسلمة .."المحضن" الأول للتربية

الأسرة المسلمة .."المحضن" الأول للتربية
2110 0 545

حوار مع د0 أحمد العسال " نائب رئيس الجامعة الإسلامية بإسلام آباد

   .. في ظل طغيان وسائل الإعلام والتعليم يؤكد الكثيرون من الخبراء على أن دور الأسرة قد تراجع بالفعل - في مواجهة هذه الوسائل – في تربية الأبناء وتعليمهم إلى مرتبة متأخرة بعد أن كانت تتبوأ المكانة الأولى في هذا الإطار ..فكيف تعود الأسرة المسلمة محضناً أول للتربية كما كانت دائماً ؟ وكيف تتلافى الآثار السلبية لغالبية ما تبثه وسائل الإعلام وبعض مناهج التعليم في نفوس الناشئة ؟ هذا ما يجيب عليه الدكتور " أحمد العسال" الخبير التربوي ونائب رئيس الجامعة الإسلامية بإسلام آباد في هذا الحوار الذي بدأناه بسؤال تمهيدي كالتالي :

1- ما الخطوات التي ينبغي إتباعها لتقديم العلم المرتبط بكرامة الإنسان التي يهدرها الجهل والأمية والإعلام الفاسد والتعليم العاجز؟

-   العلم أساس حياة الإنسان وأساس استقامته..خاصة العلم المتصل بالهداية والعلم المتصل بينابيع الإيمان ورحيق الخير في الإنسان .. ثم إن الله تبارك وتعالى لم يترك الإنسان هملاً أو عبثاً بل أرسل له الأنبياء والمرسلين ليأخذوا بيده إلى طريق الحق ..ليجنبوه الغواية والهوى والوقوع في حبائل الشهوة ..قال تعالى " وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا" وقال " ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً"..وهكذا والإمام البخاري بوب لهذا فقال { العلم قبل القول والعمل} بل قبل النية فإنه يصحح النية واستشهد على ذلك بقوله تعالى :{ فاعلم أنه لا إله إلا الله}..

-   وأول كلمة نزلت في القرآن "اقرأ" ثم كان من معجزات الحق سبحانه وتعالى أن يقسم بالقلم وأول ما خلق الله القلم .. لأن القلم هو أداة تقييد العلم ومن فضل الله سبحانه أن جاءت قصة آدم في القرآن حتى يعلم الإنسان شيئين هما:

   الجانب التعليمي العام : ويتمثل في تعليم الله لآدم الأسماء كلها التي سيحتاجها ..وكان هذا تكريماً لآدم وفي ذلك أيضاً إظهار لحكمة الله عز وجل من خلق آدم ولذلك قالت الملائكة { سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم }..

   الجانب التعليمي الآخر ( علم الهداية) : حينما أخطأ آدم وأكل من الشجرة تاب إلى الله عز وجل .. قال سبحانه ( قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون).. فكان العلم الآخر هو علم الكتاب .. وعلم الرسالة ..علماً يضبط خطوات الإنسان في هذه الحياة؛ لذلك فالخطوات التي ينبغي إتباعها لتقديم العلم المرتبط بكرامة الإنسان هي: أن يعرف الإنسان ربه..فيجب أن تشتمل مناهج التعليم في المراحل الأولى على تدريس قصص الأنبياء والصالحين للأطفال منذ سن الروضة ذلك أن معرفة الإنسان بربه سوف تضعه في دائرة أداء الواجبات التي عليه كما ستجمع إرادته ..لأن الإيمان يجمع الإرادة ويجعل الخشية ملازمة للإنسان ومن ثم يتولد لدى الفرد الضمير الحي والإخلاص في أعماله جميعاً فيغدو عنصر بناء في المجتمع لا عنصر هدم ..ولقد وضع الرسول صلى الله عليه وسلم أسس المنهج التعليمي للإنسان في مرحلة الطفولة من خلال حديثه للغلام " يا غلام احفظ الله يحفظك ..احفظ الله تجده تجاهك .. الحديث ".. ففي هذا الحديث نلمس كيفية غرس مراقبة الله في نفس الفرد منذ طفولته وكذلك غرس اليقين وعدم الاتكال أو اللجوء لغيره سبحانه وتعالى وذلك من خلال قوله "لو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك.. لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك "، أيضاً تعلم الشجاعة.. وألا يخشى في الله لومة لائم من خلال قوله صلى الله عليه وسلم " لو اجتمعت الأمة على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك " .. وهذا يعد أعظم المناهج للإنسان في مرحلة الطفولة ..حيث يترجم عملياً في باقي حياة الإنسان ..أيضاً حفلت السيرة النبوية بمواقف تعليمية عظيمة للأطفال من الرسول صلى الله
عليه وسلم والمتمثلة في قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس
" سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك " .. فهذا أيضاً داخل في نطاق المنهج التعليمي للأطفال في المراحل الأولى من خلال تعليمهم آداب الإسلام .. وهو ما يسمونه اليوم "الإتيكيت" الذي سبق الإسلام إليه جميع العلوم الأخرى .
والخطوة الثانية هي : الاهتمام بالمهارات لدى الطفل..ومن المؤسف أن مناهج تعليمنا تهتم بالكمية ولا تهتم بالمهارات لذلك فعلى الأم والأب والمدرس الجيد أن يكتشفوا المهارات في الأطفال لينموها..

                                          معرفة الآخر

2- وماذا عن تعرض الطفل لوسائل التوجيه الأخرى؟

- لابد من التزود بالثقافة والفكر الإسلاميين.. حسب النمو العقلي ثم الفكر العام .. فمن المآخذ الشديدة أن تحصر الطفل في قناة تربوية واحدة ..فهو يريد أن يكتشف ما حوله فلابد أن يقرأ القصة والشعر والأدب ولابد كذلك من أن يقرأها من الآخرين بعد أن يتأسس إيمانه وفهمه ولابد من أن يعرف المجتمع الذي يعيش فيه .. وكما يقول الشاعر:

         عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ... ومن لا يعرف الشر من الخير يقع فيه.

ولابد أن يعرف شيئاً عن الفنون وما هو لهو الحديث المقصود؟.. ومن عظمة القرآن أنه تكلم عن الجاهلية في شتى شؤونها وعن المكذبين ..وعن بني إسرائيل قال تعالى:{ أوكلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم } وهذا ما نلمسه على أرض الواقع اليوم ونبذهم للاتفاقيات ..فمعرفة الآخرين تحصن الإنسان ومن الخطورة بمكان العزلة عن المجتمع .. العزلة عن الأفكار فالإنسان إذا لم يعرف غيره سيجهل نفسه .. ومعرفة الغير تعطيك رصيداً من اليقين بالحق الذي تؤمن به وبالخير الذي هداك الله إليه وبالنور الذي منحك الله إياه .

  3- هل معنى ذلك أن نترك الأبناء أمام التلفاز يتجرعون من برامجه الغثة ما يشاءون؟

- هذا مما عمت به البلوى فلا نستطيع في عصر الفضائيات أن نحجب الأبناء عن رؤية ما في التلفاز كلية ولكن يجب أن يكون هناك ترشيد ..والآن ولله الحمد أصبح هناك فضائيات إسلامية ..ويجب أيضاً أن يكون هناك تذكرة مستمرة والطفل بطبعه خير .. وهذا عن تجربة ..ودوماً لتقل الأم لطفلها : هل ترضى لأمك أو أختك أن تكون متبرجة هكذا أمام الرجال ؟ أو أن تقول له: إذا أنت أكلت أكلاً طيباً انتفع به جسمك و إذا أكلت أكلاً فاسداً جر عليك المرض .. وهل تحب أن تأكل أكلاً حامضاً ؟..وهكذا ..فعندما تشحنين الابن بمثل هذه العبارات وتغرسين فيه كره أفعال هؤلاء الأشخاص وأن المرء يحشر مع من أحب .. فأنت تعملين وقاية له ومناعة ضد هذا الشيء وبالموالاة والمتابعة تأتي النتائج المرجوة .. أما أن تمنعه الأسرة من مشاهدة التلفاز كلية فكل ممنوع مرغوب ويمكن أن يتحايل على ذلك من أجل مشاهدته ..


                                      التعليم ..والتربية

4- هل تستطيع الأسرة أن تتكفل بالعملية التربوية وحدها ؟

نعم تستطيع ذلك من خلال:

- أن تبحث في المجتمع عن العلماء الصالحين والأدباء   الصالحين وترسل أبناءها لهم ويجب أن يكون هناك تواصل بين الأسرة وهؤلاء الصالحين .. وأذكر أنه من الأشياء التي أثرت فينا ونحن طلاب أننا كنا نسعى للعلماء الصالحين في بيوتهم لنتزود منهم وننهل من علومهم من أمثال الشيخ الشنتوت - رحمه الله – فالتواصل مع هؤلاء يكمل النقص الموجود في المناهج التعليمية في بعض الدول العربية .
- أيضاً الوسط الاجتماعي : فعلى الأسرة أن تهتم باختيار الوسط الاجتماعي الذي به من الخير ما يكمل .. فلماذا لا يزور الابن صديقاً طيباً من أسرة صالحة ؟
 ولماذا لا يجتمع الأصدقاء بعضهم عند بعض ليقرءوا أو ليكملوا ما لا يجدونه في المناهج التعليمية ؟

- وجود المكتبة الرشيدة ..فلابد من أن يكون للأبناء مكتبة في البيت وأن يكون فيها من صغار العلم قبل كباره ..فيها قصص الصحابة والصالحين والأبطال ..حتى إذا حذفت قصص الصحابة وقصص البطولات الإسلامية من مناهج التعليم وجدوها في البيت ..ثم إن على الأم الصالحة عبئاً كبيراً ولكنه عظيم في أهدافه .. فهي إذا قامت بسرد قصة من قصص القرآن أو غيرها من قصص الصحابة ( مثلاً ) قصة أبرهة ثم حفّظت الأبناء سورة الفيل أصبح الطفل يعرف السورة وتفسيرها مع القصة أيضاً ..وبفضل الله فإن الإعلام الإسلامي بدأ خطوات ناجحة في إخراج أشرطة مرئية للأبناء تصب في هذا الجانب .. فالأسرة عليها عبء كبير جداً ونحن الآن في عصر من أخطر العصور وهو عصر تتحكم فيه الآلة الإعلامية الرهيبة .. فإذا نحن لم نحبب القراءة إلى الأبناء .. وما لم نناقش معهم مختلف القضايا وما لم نفتح معهم باب الأخذ والعطاء الفكري فسوف يأكلهم الفساد أكلاً ..
                                    المؤسسات والاستقلال

5- أين دور مؤسسات التعليم في هذا الصدد وهل أصبح شغلها الشاغل فقط "تجفيف المنابع الدينية" ؟

- نحن في محنة .. إرادة الأمة غير مجتمعة في مؤسسات بينما العالم الذي نعيشه – خارج العالم الإسلامي- عالم " مؤسسات منظمة" .. كنت في إنجلترا فكان منهج التعليم لا يتغير إلا كل 25سنة ولابد من أن يصدر لذلك كتاب "أبيض" يناقشه مجلس العموم وخبراء التعليم .. وفي أمريكا وصل الروس قبلهم إلى القمر فأصدروا تقرير "أمريكا في خطر" .. أما أمتنا للأسف فهي غائبة عن الوعي .. وعلى الرغم من
أننا مٌكنا بوسائل عظيمة لكن ليس لدينا أناس عندهم ضمائر أو إيمان برسالة أو إيمان بأمة ..أناس كما يقال مهزومون داخلياً واستلبوا – استلاباً فكرياً – وأٌخرجوا من عباءة أمتهم ..ولبسوا لباس غيرهم فهم يريدون أن يقلدوا بينما المقلد لا يقدم شيئاً
. فأخطر مشكلة نواجهها هي قضية التعليم لأنه يخرج الآن شباباً يحمل ورقة ولا يحمل قلباً أو عقلاً أو مهارة وبالتالي نحن نضيف للمشكلة الاقتصادية مشكلة أخرى فالتعليم هو أساس تكوين الإنسان ..فإذا كنا نريد أن يكون هناك قطاع تعليم ناجح فلابد من أن تكون هناك مؤسسة ..هذه المؤسسة تشتمل على الخبراء وفيها أولياء الأمور ونواب الأمة حتى إذا صدر القرار يكون قراراً صحيحاً ..كما أن الإعلام الآن جزء من التعليم ..ولابد من أن يدخل تحت توجيه هذه المؤسسة ..وبدون ذلك سنكون فريسة لتوجيه الذين لا يخشون الله ولا يكرمون هذه الأمة .


6- هل ترون ضرورة لاستقلال مناهج تعليم البنات عن البنين؟

الله عز وجل خاطب المرأة والرجل خطاباً واحداً ..فلا أرى الاستقلال من حيث الاستقلال التام ولكن أرى ضرورة أن تكتمل المناهج التعليمية العامة بمنهج موازٍ يعطي للطالبة صورة عن رسالتها المستقبلية ويعطيها ملحة من فنون : التربية والإدارة والجمال ..لأن هذه أمور متعلقة برسالتها في بيتها ثم إعطائها دور الرسالة كما قامت به السيدة خديجة ومريم وعائشة ..لابد من أن تأخذ مصادر للمعرفة ومصادر للإلهام من الصالحات اللائي يسبقنها في مجال التربية والتعليم .. رضي الله عنهن جميعاً ..وحقيقة : المرأة ظلمت حينما أرادوا أن يعزلوها ويغلقوا عليها الباب ..فالإسلام دين مفتوح ولم يعرف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في عصر الرسالة والصحابة ما يسمى "بعصر الحريم " فقد كانت النساء على عهد رسول الله يخرجن في الغزوات ..وفي البخاري " باب مشاركة النساء في الغزوة" .. والكليات مقدمة على الفرعيات لأن الشرع له مقصد ومقاصد الشرع لا تتحقق إلا إذا تعلمت المرأة وذلك لا يتأتى لها إذا أغلق عليها الباب فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ..كما أننا نعيش في عصر تنفجر فيه المعلومات .. فإذا نحن حجزنا المرأة المسلمة فقد ظلمنا أنفسنا وعطلنا طاقة في المجتمع ولم نؤد حق الله فيه وذلك ما دامت المرأة لا تتبرج ولا تختلى برجل .. حيث أن الجهل بمقاصد الشرع في الحياة شيء خطير ..فإذا أحل الله عز وجل شيئاَ فلا ينبغي لأحد أن يحرمه تحت أي ذريعة .

---------------
حوار/ أحلام علي ( المدينة المنورة)

مواد ذات الصله



تصويت

من أعظم المقاصد التي أكد عليها الإسلام تقوية أسباب التراحم و التلاحم بين المسلمين وترسيخ معاني التصافي والتآخي بين أبناء المجتمع "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا". ترى لماذا هذه الفرقة الحاصلة الآن بين الدول العربية والإسلامية؟

  • اختلافات سياسية
  • مطامع مادية وتوسعية
  • من صنع أعدائهم
  • اختلافات أيدلوجية
  • كل ما سبق