الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خطة العمل للتقارب بين الجماعات

خطة العمل للتقارب بين الجماعات
1863 0 577

يوجد تصوران عن القواسم المشتركة؛ أحدهما: أنها القضايا التي تتفق عليها معظم الحركات سواء في التصور النظري أو في التصور العملي. والثاني: أنها القضايا المهمة التي ينبغي أن يحدث بشأنها اتفاق بين الحركات. فالأولى تمثل الواقع الكائن؛ بينما الثانية تمثل الواقع المأمول، وأيا ما كان الأمر؛ فإنه لا يوجد مسوَّغ شرعي لأحد في التباعد والتجافي وعدم الائتلاف مع إخوانه الباقين، ورغم العواطف المشحونة بأمل النجاح، فإن العواطف وحدها لا تغني عن وجود خطة واضحة يُسار عليها لتحقيق المراد؛ إذ التقارب والحوار عمل، والعمل لكي ينجح ويحقق المراد منه لا بد له من خطة واضحة قابلة للتحقيق، وفق الإمكانات المتاحة؛ فما الخطة أو المنهج المناسب للسير عليه؟

يقول الشيخ محمد حسان: هذا سؤال عملي في غاية الأهمية، والمنهج له ثلاثة جوانب لا تتجزأ ولا ينفصل منها جانب عن الآخر: جانب إيماني، وجانب علمي، وجانب عملي. ففي الجانب الإيماني تكون الخطوة الأولى تصحيح العقيدة والمنهج حتى لا ننحرف عن الإسلام وسيلةً ونحن نتجه إليه غاية. وفي الجانب العملي ينبغي التأصيل العلمي لقضية الخلاف وذلك بمراعاة عدة أصول: الأصل الأول: معرفة أنواع الخلاف. والأصل الثاني: معرفة أسباب الخلاف. والأصل الثالث: تحقيق أدب الخلاف. وأما الجانب العملي فيكون من خلال عدة أمور: منها التقاء القادة والموجهين والعلماء المسؤولين في الحركات للتدارس والنقاش، التعاون في بعض الأنشطة التربوية والدعوية، تكوين مجلس للشورى لفض النزاعات والخصومات والتقريب بين الإخوة المتنازعين، منع كل جماعة لأبنائها من تناول مسائل الخلاف إلا لمن كان أهلاً لذلك حتى لا تتسع هوة التفرق والتنازع.

وأما الأستاذ جمال سلطان: فيرى أنه لا يوجد شيء نهائي في الأمر، ولكن يوجد تأملات واجتهادات من واقع الخبرة ومن واقع ما تم من خلافات وجدل بين فصائل العمل الإسلامي، ولكن هناك مفاتيح للحوار وأهمها إحسان الظن بين المسلمين.

ويقول الدكتور صلاح الخالدي: بعض القواعد التي تعين على التقارب والتي منها: وجوب شعور قادة الحركات الإسلامية بأهمية الحوار والتقارب وضرورته، جعله خطة استراتيجية للحركات الإسلامية تلتقي عليه كل فصائلها وأساليبها وأدبياتها، وليس هبَّة عاجلة أو حماسة فاترة، تداعي مفكري الحركات الإسلامية إليه وتفكيرهم في استمراره وإنجاحه وتربية أفراد الحركات عليه، استمرار الحديث عن التقارب والتعاون والحوار في مختلف وسائل الإعلام لدى الحركات وعقد المنتديات وإعداد الأبحاث حوله، والوقوف أمام دعوات تعميق الفرقة بين الحركات الإسلامية والرد على أصحابها وتحذير الأتباع من الاستجابة لهم.

ويقول الدكتور منير محمد الغضبان: منهج السعي للتقارب بين العاملين للإسلام والدعاة إليه له عدة نقاط: الأولى القناعة بأنه لا يجوز شرعًا تفرق العاملين للإسلام، وإن كان هذا لا ينفي مراعاة خصوصية العمل لاختلاف البيئة والقطر الذي تعمل فيه الحركات الإسلامية، بل إن التوازن في تفهم خصوصية إقليمية كل عمل إسلامي وتفهم وجوب العمل على التنسيق هو أهم عناصر منهج حوار التقارب. النقطة الثانية: عدم احتكار العمل والحق والهدى عند فريق واحد؛ بحيث ينظر إلى ما سواه على أنه ضلال أو انحراف. والنقطة الثالثة: فصل المبادئ عن الأشخاص.

ويقول الدكتور عثمان جمعة ضميرية: نعم هذا حق لا مرية فيه؛ فإن التخطيط للأمر في غاية الأهمية. ثم يضيف: إن هذه الخطة لا يستقل برسمها فرد واحد أو مجموعة أفراد عاديين، بل ينبغي أن تتجه لها جهود العلماء والدعاة والمفكرون؛ وذلك كي تكون الخطة ناجحة قويمة.

ويقول الشيخ أحمد فريد: تحديد خطة كاملة وشاملة للوصول لهذا الهدف يحتاج إلى حوار ومشاورة، ثم يذكر بعض العصبية المقيتة، وعدم تغليب المصالح الشخصية، كما يشير إلى أن ولاء هذه الحركات ينبغي أن يكون لإمام واحد متبع على كل حال وهو الرسول الأعظم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وجماعة واحدة هي جماعة الصحابة رضي الله عنهم. كما يشير أيضًا إلى عدم الغلو في مشايخ الدعوة كما يفعل متعصبة المقلدة الذين يقدمون كلام علمائهم على النصوص الشرعية، ثم يذكر بعض الخطوات العملية في ذلك، ومنها: حث الدعاة على التواصل والتناصح في المناسبات، عمل ندوات يشترك فيها أكثر من داعية من عدة حركات على أن يكون موضوعها في الموضوعات التي لا تختلف فيها هذه الحركات؛ وذلك بقصد الإيناس وكسر الحواجز، عمل دورات مكثفة للتقارب وتوحيد الفكر، عمل مؤتمر سنوي يدعى إليه وجهاء من الجماعات، عمل لجنة للتقارب بين أهل السنة وأهل السنة؛ فهذا أولى من البحث عن التقارب في خارج هذه الدائرة، إصدار نشرات أو مجلات متخصصة لهذا الغرض يكتب فيها كتاب من سائر الجماعات بقصد ترسيخ التقارب، الاتفاق على ميثاق العمل الدعوي الذي يشمل أدب الخلاف والإنصاف في التعامل مع الأفراد والجماعات.

ويقول الأستاذ خالد حسن: مشاريعنا لا يمكنها أن تحقق أثرها المرجو ما لم نرسخ مفهوم القيادة الجماعية والذي يعني أن القيادة مؤسسة وتخصصات وتقاسم أدوار عن طريق المنهجية في الأداء القيادي الجماعي والذي يظهره دليل القيادة العملي؛ وعلى ذلك فإن الخطوة الأولى في خطة العمل هي فك الحصار عن العقل الذي فرضه الافتتان بالمشيخة ووصاية التنظيم، والخطة أو المخرج إنما يصطنع بعد ذلك اصطناعًا وينضج بالمعاناة وإعمال العقل وإخصاب الرأي والمشاركة في الصواب، أما الانتظار حتى تصل إلينا الخطط الجاهزة المفصلة التي تأتي من القائد أو القائد الملهم أو رجل الملحمة فإن هذا قد ولى عهده وانقضى.

ويقول الدكتور عمر الأشقر: مجالات عمل الجماعات غير متداخلة؛ فكثير من الأعمال غير متضاربة أو متعارضة، وإنما هي متنوعة، لكن الجهد الأكبر في الحوار ينبغي أن يُبذل من أجل بلورة الأهداف المشتركة التي ينبغي التعاون فيها. ويقول: حبذا لو تشكل مجلس إسلامي أعلى تجتمع فيه قيادة الجماعات الإسلامية للتحاور والتشاور والتقارب فيما بينها، لتجاوز سوء الفهم القائم هنا وهناك، وللتخلص من الخلاف المفتعل والمتوهم، ولبلورة الأصول الجامعة للعمل الإسلامي، ولتخفيف غلو المتشددين في النزاع؛ فإن لم نستطع بلوغ القمة في التوحد فلا أقل من أن نكون أقرب إلى القمة بخطوة.

ويقول الدكتور خالد الخالدي: الخطة يمكن أن تكون من تشكيل لجنة أو هيئة مختصة مقتنعة بأهمية التقارب بهدف العمل على تحقيقه بين الإسلاميين، تتكون من العلماء والعاملين والدعاة الجادين الذين يحظون باحترام الجميع، ويراعى في هؤلاء الأعضاء أن تتنوع انتماءاتهم حسب تنوع الحركات الإسلامية، تنظيم مؤتمر سنوي يدعى إليه مندوب أو أكثر عن كل حركة، كما ينبغي لهذه اللجنة أن تبتعد عن تلقي الدعم من جهات رسمية، وأن تكون نفقاتها من المتبرعين الذين يحرصون على التقارب، وأن تقوم بإقناع الإسلاميين بضرورة التقارب من خلال طرق متعددة كالمؤتمرات واستكتاب كُتَّاب معروفين في مجال التقريب بين الحركات ونشر مقالاتهم وكتاباتهم.

ويقول الدكتور همام سعيد: الخطة ينبغي أن تكون من مرحلتين: الأولى الحوار والاتفاق بين الحركات ذات الأصل الواحد لحسم الجدل بينهما والاتفاق على قواسم تصلح لحوار الآخرين. والثانية: الحوار بين الأطراف التي تحسن الظن ببعضها حتى يؤدي الحوار إلى نتائج سليمة. وأما الأطراف التي تسيء الظن ببعضها فهذه تحتاج أولاً إلى التعارف عن قرب في بعض المشاريع العلمية أو الاجتماعية لإزالة الشكوك وتحسين المناخ.

ويقول الدكتور كسال عبد السلام: الهدف إذا لم يوجد له من يفكر فيه ثم يسعى له لن يجد له إلى النور طريقاً، وينبغي على الدعاة أن يعوا هذه الحقيقة ويسعوا إلى تحقيقها؛ وذلك بإتباع جملة من الوسائل. ثم يذكر من هذه الوسائل المبادرة، معرفة طبيعة الأطراف حتى يكون البناء بدل الهدم والجمع بدل التشتيت، التحرك باتجاه الأطراف المختلفة بطرح الفكرة والاستماع بغية الإثراء، جمع الأطراف المختلفة حول طاولة للحوار الثنائي أو المتعدد الأطراف، الانتهاء إلى جمع الأطراف جميعًا في ندوة تؤسس للعمل المشترك توضع له أسس وأهداف ومراحل ووسائل.

وأما الدكتور عبد الرزاق مقري: فيضع شروطًا على الخطة بأن تأخذ بعين الاعتبار دراسة معطيات البيئة الداخلية من حيث القوة أو الضعف، سواء بالنسبة للأمة أو الحركات الإسلامية، وكذلك معطيات البيئة الخارجية وما يميزها من تهديدات، على أن تتضمن هذه الرؤية أهدافًا كبرى يسعى الجميع لتحقيقها، والتي يمكن تحديدها في ستة أمور: الفكرة الإسلامية من حيث خدمتها بالتعليم والدراسات والبحوث، القيادات والرموز من حيث الإعداد والتأهيل، التنظيم من حيث الابتعاد عن الارتجال والفوضى والاهتمام بالعمل المنظم مع ضرورة تطوير الأنماط التنظيمية القديمة، الجمهور من حيث الارتباط به وحل مشاكله وتربيته بواسطة العلم المنهجي، المؤسسات الحكومية من حيث إنهاء القطيعة الموجودة بين الحركات الإسلامية والمؤسسات الحكومية التي هي ملك الشعوب وليس الأنظمة.

ـــــــــــ

المصدر: مجلة البيان في عددها 216(بتصرف).

مواد ذات صلة



تصويت

فيروس كورونا أربك العالم كله، وفي الابتلاء به كثير من الدروس والعبر، فأي درس تراه أهم:

  • الأمر كله لله فعلينا أن نعلق القلوب به، ونعود إليه.
  • تقوية المنظومة الصحية في كل بلد.
  • أهمية النظافة والوقاية والأخذ بالأسباب.
  • أهمية التكاتف والتعاضد بين العالم كله للقضاء على مثل هذا الوباء
  • كل ما سبق