الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أولمرت على خطى شارون

أولمرت على خطى شارون
1775 0 609

ليس ثمة أمر استثنائي في الجريمة التي أقدمت عليها الدولة الصهيونية يوم 14 مارس باقتحام سجن أريحا وتدميره واختطاف مجموعة من المقاومين الفلسطينيين، وفي مقدمتهم أحمد سعدات، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

فهذه الجريمة هي نسخة تكاد تكون مطابقة في تفاصيلها وملابساتها لجرائم أخرى لا حصر لها تمتد من المذابح الجماعية في دير ياسين واللد وحيفا وسعسع وغيرها من القرى العربية في عام 1948، وهي المذابح التي وضعت حجر الأساس لهذه الدولة العنصرية، ثم المذابح الأخرى التالية في قلقيلية وقبية وكفر قاسم وجنين في فلسطين، وأبي زعبل وبحر البقر في مصر، وصيدا وصبرا وشاتيلا وقانا في لبنان، على سبيل المثال لا الحصر. ثم اغتيال قيادات المقاومة الفلسطينية ورموزها من أمثال غسان كنفاني وكمال عدوان وكمال ناصر ومحمد يوسف النجار وخليل الوزير (أبو جهاد) وصلاح خلف (أبو إياد) ويحيى عياش وأبو علي مصطفى والشيخ أحمد ياسين وعبدالعزيز الرنتيسي وغيرهم من الشهداء الأبرار.

وتشترك الجريمة الأخيرة مع سابقاتها في عدد من الخصائص الأساسية، ومن أبرزها:

* الاعتماد على عنصر المباغتة: فقد نُفذت عملية اقتحام سجن أريحا في وقت بدا فيه أن الاستعداد لانتخابات "الكنيست" هو الشغل الشاغل على الساحة السياسية في الكيان الصهيوني، مما أعطى الانطباع بأن ثمة حالة من الاسترخاء العسكري يُستبعد معها الإقدام على عمليات عسكرية بهذا الحجم.

* تعمد استعراض القوة العسكرية: فقد شارك في تنفيذ العملية عدد كبير من القوات الخاصة والآليات العسكرية والجرافات بشكل يفوق بكثير المقاومة المتوقعة من الطرف الآخر، الذي لا يملك تقريباً أية قوة تُذكر. ولم يقف الأمر عند اقتحام السجن واعتقال المقاومين الفلسطينيين، بل امتد إلى تدمير المبنى وتسويته بالأرض، دون أن تكون هناك ضرورة عملية لذلك.

* الاستناد إلى غطاء من الدعم السياسي من القوى الاستعمارية الكبرى الراعية للمشروع الصهيوني: فلم يكن من قبيل الصدفة بطبيعة الحال أن يأتي دخول القوات العسكرية الصهيونية إلى مدينة أريحا بهذه الكثافة بعد خمس دقائق فحسب من انسحاب المراقبين الأميركيين والبريطانيين الذين كانوا متواجدين في الموقع بموجب الاتفاق الذي أُبرم مع السلطة الفلسطينية في مايو 2002 بخصوص ترتيبات احتجاز أحمد سعدات ورفاقه. ولم يكن هذا التوافق بين الانسحاب الأميركي البريطاني والهجوم الصهيوني هو الشكل الوحيد للدعم، الذي يتجاوز حدود التواطؤ ليصل إلى المشاركة الكاملة في الجريمة. ففي أعقاب العملية، بادرت الحكومتان الأميركية والبريطانية إلى الدفاع عن الدولة الصهيونية وتبرير ما اقترفته والتماس الأعذار لها، بالإضافة إلى الهجوم على السلطة الفلسطينية وفصائل المقاومة وتحميلها المسؤولية عما آل إليه الوضع. ويقترن هذا الهجوم بإطلاق مجموعة من الأكاذيب، من قبيل الادعاء بأن السلطة الفلسطينية كانت على علم مسبق بانسحاب المراقبين، أو أنها لم تنفذ الالتزامات الملقاة على عاتقها، والتي لا يُفصح عنها بشكل محدد بحيث تظل أمراً مبهماً وتظل معها التهمة قائمة.

وكما هو الحال مع الجرائم المماثلة، فقد سعت الدولة الصهيونية بوجه عام، وسعى القائم بأعمال رئيس الوزراء إيهود أولمرت بشكل خاص، إلى تنفيذ عدد من الأهداف من وراء هذه العملية الأخيرة، وهي أهداف لا تقتصر على الحسابات الانتخابية والتوازنات الحزبية في الكيان الصهيوني فحسب بل تتجاوز ذلك إلى أهداف أبعد في سياق التصور الصهيوني الشامل للوضع في فلسطين المحتلة وفي المنطقة بأسرها. ويأتي في مقدمة هذه الأهداف:

* إحياء مقولة القوة العسكرية الصهيونية التي لا تُقهر، والقادرة على تنفيذ أي عمل عسكري في أي مكان أو زمان، حيث تعرضت هذه المقولة لكثير من التحديات التي أثارت الشكوك حول صحتها وجدوى التمسك بها. وتمثل التحدي الأكبر في الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وما رافقها من تطور عمليات المقاومة الفلسطينية كماً ونوعاً بحيث أصبحت قادرة على توجيه ضربات موجعة في العمق الصهيوني تتحدى كل الإجراءات الأمنية المشددة التي تتخذها الدولة الصهيونية. ويرتبط بهذا أيضاً تراجع الإجماع الصهيوني وبروز ظواهر مقلقة مثل فرار مئات الجنود من الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي ورفض آخرين الخدمة في الأراضي المحتلة في غزة والضفة الغربية، وتعالي الأصوات المنتقدة لأداء الأجهزة العسكرية والأمنية الصهيونية ولقدرتها على توفير الحماية لسكان المستوطنات الصهيونية.

* التأكيد على عدم جدارة السلطة الفلسطينية بتولي أبسط أمور إدارة الحكم في الأراضي الفلسطينية، ومن ثم عدم قدرتها على إقامة دولة فلسطينية مستقبلاً أو حتى على إجراء مفاوضات جدية تؤدي إلى تسوية ما، وهو الأمر الذي يعفي الكيان الصهيوني من الالتزام بأية اتفاقيات سابقة، ويطلق له العنان لتنفيذ أية إجراءات أحادية، استناداً إلى مقولة: "عدم وجود شريك فلسطيني"، والتي لا تعدو أن تكون صيغة معدلة للشعار الصهيوني الأساسي بأن فلسطين هي "أرض بلا شعب"، وإذا وُجد هناك شعب فمن الممكن القضاء عليه أو إخضاعه.

* دفع فصائل المقاومة الفلسطينية إلى الدخول في صدام مع السلطة الفلسطينية بما يؤدي إلى استنزاف الطرفين معاً، وذلك من خلال الإيحاء بأن السلطة لم تتخذ ما يكفي من الإجراءات لحماية المقاومين الفلسطينيين المحتجزين. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة مع فشل التوقعات الصهيونية بانهيار الوحدة الوطنية الفلسطينية أو اندلاع صدامات عنيفة بين الفصائل الفلسطينية.

* معاقبة الشعب الفلسطيني على اختياره الديمقراطي في انتخابات المجلس التشريعي، والتي أسفرت عن فوز "حركة المقاومة الإسلامية" (حماس) بالأغلبية التي تؤهلها لتشكيل الحكومة الفلسطينية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الموقع الجديد لحركة "حماس" في قلب السلطة الفلسطينية يضع الكيان الصهيوني في مأزق حقيقي، فإما القبول بالأمر الواقع والتعامل معه بشكل أو بآخر، مما يعني الاعتراف بحركة "حماس" والتراجع ولو ضمناً عن المواقف السابقة منها، وإما إعادة النظر في العلاقات مع السلطة الفلسطينية بأسرها، بما ينطوي عليه ذلك من تراجع عن الاتفاقيات المبرمة في هذا الشأن.

* إثبات أن إيهود أولمرت جدير بخلافة شارون كزعيم قادر على اتخاذ إجراءات سياسية مصيرية وعلى تنفيذ عمليات عسكرية واسعة ومؤثرة. ويحتاج أولمرت إلى إثبات جدارته تلك على المستوى الشخصي، بحكم انحداره من صفوف النخبة السياسية المدنية ومن ثم افتقاره إلى الخبرات العسكرية التي كان يتمتع بها سلفه وغيره من القادة القادمين من صفوف المؤسسة العسكرية، كما يحتاج إليها على المستوى الحزبي، كزعيم لحزب "كاديما" الجديد الذي سيواجه الاختبار الأول لثقله في الانتخابات القادمة.

وبالإضافة إلى هذا كله، فربما أراد أولمرت من وراء عمليته هذه إعادة شارون بقوة إلى الحياة السياسية في الكيان الصهيوني، من خلال التأكيد على أن مشروعه المتمثل في القضاء على الشعب الفلسطيني سياسياً ومعنوياً لا يزال حياً وقادراً على الاستمرار، وإن كان صاحبه يرقد على حافة الموت.

والله أعلم.

مواد ذات صلة



تصويت

قالوا: إذا أردت أن تسقط حضارة أمة فعليك بهدم الأسرة والتعليم وإسقاط القدوات وتشويهها، فما هي بنظرك أكثر تلك الوسائل أثرا ؟

  • إهمال التعليم
  • التفكك الأسري
  • تشويه الرموز والقدوات
  • لا أدري