الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مخاطر تهدد المجتمعات الإسلامية

مخاطر تهدد المجتمعات الإسلامية
6734 0 714

تتناول الدكتورة عبلة الكحلاوي عميدة كلية الدراسات الإنسانية ببورسعيد في هذا الحوار العديد من التحديات التي تواجه شبابنا وأطفالنا وسبل التربية الصحيحة المطلوبة لدعمهم ومساعدتهم على مواجهة الأخطار المحدقة بهم من فضائيات عربية واجنبية وإنترنت ومواقع إباحية كما تتناول أيضا محتويات قنوات التلفاز العادية.
وما تحتويه من كرتون يشكل هوية الناشئ الصغير ووضعت ملامح استراتيجية المواجهة حيث ان لها العديد من الدراسات في مجال حماية النشء والأجيال القادمة من خطر التحديات الأخلاقية والثقافية الوافدة، كما لمست مشكلة العنوسة وحذرت من خطورتها ودعت الى مواجهتها قبل ان تستفحل وتهدد كيان مجتمعاتنا العربية والإسلامية.. وغير ذلك من قضايا في هذا الحوار.

ـ في ظل الهجمة الأميركية الشرسة التي تزحف على المنطقة كلها ثقافيا وفكريا كيف السبيل لحماية أبنائنا من هذا الغزو الثقافي الجارف؟
ـ التربية الإيمانية وغرس الوازع الديني في نفوس الأطفال وهم في عمر الزهور وهم عجينة غضة طرية هو الأساس الذي يعتمد عليه الشاب في الصمود أمام تحديات الغزو الثقافي والفكري الوافد علينا من الغرب، وهي بمثابة الحصن المنيع لهم؛.. فشباب اليوم هم شباب الانترنت والكمبيوتر ولا يقتنع ابدا بالاساليب القديمة التي تعتمد على القسوة والضرب والعنف او بأساليب التلقين فهي لا تناسبهم..
بل أن المثل القائل (إن كبر ابنك خاويه ) فنحن نطبق هذا المثل منذ الصغر وليس الكبر ولذلك يجب على الآباء محاورة أبنائهم وكذلك مساعدتهم في اختيار أصدقائهم والتعايش معهم في هذه المرحلة بالرفق لان الرسول صلي الله عليه وسلم قد جعل الرفق ضرورياً في كل شيء.
وعليهم الابتعاد عن أسلوب اللوم والقسوة والتوبيخ لان مثل هذه الأساليب تؤدي إلى التمرد والانحراف وترك البيوت فعلينا أن نجلس معهم ونحدد معهم أسبوعا أو يوما للقائهم للمناقشة في مستجدات العصر ونستمع إليهم ونشعرهم بثقلهم ومكانتهم ومدى تحملهم المسئولية، وإدراك أهمية أن أسلوب التربية التي آمر بها الإسلام بالنسبة للأبناء حتى تقوم علي أركان أهمها تنوع هذه التربية من تربية روحية وبدنية وعقلية.
فضلا عن أن الله سبحانه وتعالى يوجه نداء إلى الآباء بقوله (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة)، كما أن واجب التربية موزع بين الأب والأم فلا ينبغي أبدا أن يهمل احدهما في واجبه نحو أبنائه ويعتمد علي الطرف الآخر كما يحدث الآن في أسرنا المسلمة حيث يغيب الأب عن دوره في كثير من الأحيان نحو رعاية أبنائه بحثا وراء الرزق وتحسين مستوى معيشته وأحيانا الأم نتيجة الظروف المادية والاضطرارية فإنها تترك أبناءها بدون رعاية وتوجيه.


ـ ما هي خطورة الكرتون الأجنبي على المنظومة القيمية للأطفال؟
ـ إن وسائل الإعلام الجديدة (New media) تقدم معلومات غزيرة وتفتح للطفل آفاقاً جديدة حول العالم وحول الثقافات المختلفة ، وكذلك تمده بأساليب حياتية مغايرة ومتميزة ومختارة وفي بعض الأحيان تقدم لنا اقتراحات مساعدة عن كيفية إتمام وإنجاز أشياء لم تقم بها من قبل. وكذلك يتعلم الطفل طرقا جديدة للعب وكذلك قواعد التنظيم والتخطيط وغيره.
ولكن احتمالية تعرض المشاهد الصغير (young audience) للمضامين غير الآمنة هي احتمالية واسعة النطاق ولا نستطيع إغفالها، فلقد أصيب هذا الجيل بأزمة قيمَّية ينعكس صداها على سلوكهم اليومي في مناحي حياتهم ونستطيع أن نرسم ملامح هذا التأثير على النحو التالي.
أن مادة الرسوم المتحركة تعد بمثابة الوجبة الإعلامية الشهية للصغار وأنها تأتي في طليعة مشاهدات الصغار فقد وجدت إحدى الدراسات أن متابعة الأطفال للرسوم المتحركة تقدر بحوالي عشرة آلاف ساعة بنهاية المرحلة الدراسية المتوسطة وقد تهدف هذه الأفلام الكرتونية أحياناً إلى زعزعة عقيدة الطفل في خالقه والعياذ بالله.
وكذلك تعليم الأطفال أساليب الانتقام وكيفية السرقة وكل ما يفتح لهم الآفاق للجريمة.
فمثلاً الطفل الذي يغرس حبة فتنمو شجرة تكبر وتكبر حتى تبلغ السماء فيصعد الصغير عليها وفي السماء يرى قصراً كبيراً ، ثم يشاهد رجلاً قبيح الصورة كثيف اللحية توقظه الجلبة التي يحدثها الصغير عند مروره بالقصر فيستشيط غضباً ويظل يلاحق الصغير وينزل وراءه على الشجرة، فبتناول الصغير كوباً من العصير يحتوي على منشطات حيوية مصنعة فيشعر بالقوة.
ويتعقب صاحب القصر حتى يجبره على الفرار منه والصعود إلى السماء مرة أخرى عن طريق الشجرة وهنا يترك المسلسل تساؤلات عديده وعلامات استفهام فيسأل الطفل من هو الله؟ ولماذا يصور المسلسل هذا الشخص الذي يعيش فوق السماء بهذه الصورة المنفَّرة، في الوقت الذي يصور فيه ميكي ماوس على أن له قدرات خارقة ينزل المطر، ويصنع الخير ويدبر المكائد ويقطن السماء والسحاب؟!


ـ ما هي الآثار السلبية لما تبثه الفضائيات الغربية والمواقع الإباحية التي تقتحم علينا بيوتنا على المنظومة الأخلاقية لشبابنا المسلم وسبل مواجهتها؟
ـ نحن لا نعجب أن رأينا أفانين العقول الأخرى تزحم الأسواق العربية الإسلامية بصناعات رديئة وربما لها أثرها المدمر على الشباب والأطفال، كذلك مشاهدة القنوات الإباحية أو الإيحاءات الجنسية تؤدى حتماً إلى مخاطر وخاصة بين الشباب الصغار والأطفال حيث تنمي فيه الرغبة قبل أوانها فلا تعجب عندما نسمع عن صبي واقع أخته مقلداً ما يشاهده.
وناهيك عن انتشار الشذوذ واللواط بين بعض هؤلاء الصغار، وكل هذه العوامل تؤدي إلى تدمير البراءة في نفس الطفل العربي فهو يعيش ويمتزج بواقع غير واقعه وحياة غير حياته، بينما تقوم الأسرة والمدرسة بتعليمه وتثقيفه بمادة ثقيلة متناقضة لا تتناسب مع تطَّلعاته التي نمت من جراء هذه المشاهدات.
وخير وسيلة لمواجهة ذلك إنما يأتي من خلال محاولة جادة لوضع الوجبة الإعلامية الدينية تحت دائرة الضوء، حيث نجد أن الطفل العربي المسلم يتعرض في عالمنا المعاصر لبعض البرامج ذات التوجه الديني التربوي لتفعيل المادة الدينية وإعطائها البعد الواقعي المعاش والتي قد تتميز بالابتكار.
ولكنها تحتاج للمزيد من الجهد الفني والابتكاري لتواكب الوجبة الإعلامية الإلكترونية التي تعود عليها الطفل عبر الفضائيات والأنترنت، الأمر الذي يقتضي أن يأتي الخطاب الديني الإعلامي الموجه للشاب والطفل المسلم على النحو المقبول والجذاب.
وذلك يتطلب إما أن يقدم في صورة دراما يشارك في إعدادها الأطفال تبرز معنى قيميا وتحث على الإتيان بسلوك محمود ومثال ذلك ما تعرضه قناة اقرأ من حين لأخر، وكذلك بعض القنوات المحلية والفضائية، أو يقدم بصورة معروض كرتوني تقليدي يهدف إلى إيصال المعنى التربوي الديني للصغير بأسلوب يفهمه وتترجمه خريطته الإدراكية بصورة حسية فنية رشيقة حيث يلتحم هذا العرض الكرتوني مع خبرة الطفل الاتصالية السابقة.
ومثال ذلك ما تعرضه قناة اقرأ وقناة المجد وكذلك بعض الفضائيات، أو ربما يقدم في صورة عرض متحرك مبتكر، وهو عرض جذاب ومميز ويقدم هذا المنتج الإعلامي القصص الدينية بصورة مشوقة مع عرض لأهم الأحداث ذات الأثر التربوي للموضوع ومثال على ذلك قصص الأنبياء التي تناولتها الفضائيات وكذلك القنوات المحلية ثم قدمتها الأشرطة الممغنطة. وبذلك تزداد فرص المشاهدة المنفردة والمتكررة وبالتالي يزداد ارتباط الطفل بالقصة والعبرة من القصة. وعلى الرغم من هذه المحاولات الجاّدة والمتنوعة والتي لها أثرها على المتلقي الصغير، إلا أنها لم تحظ بالذيوع الواجب ،هذا فضلاً عن أن هذه المحاولات لا تواكب الكم المذهل الغزير الوافد، فضلا عن ان المعروض المقدم يفتقر إلى نواحي الإبداع التقني.. فإن سلم الهدف ووضحت الفكرة لم تسلم الطريقة الفنية للعرض.


ـ هل ترى الدكتورة عبلة خطورة لوسائل التكنولوجيا الحديثة من تلفاز وفضائيات وكمبيوتر وغيرها على أطفالنا وكيف يمكن تفادي ذلك؟
ـ في دراسة أخرى أجريت في إحدى الدول الأوروبية أثير فيها مدى تأثر الأطفال الجسماني والنفسي بالمشاهدات المتلفزة وبالألعاب الإلكترونية، واتبعت الدارسة أسلوبا لطيفا وذلك من خلال المرور على البيوت وعرض المخاطر على الآباء وحثهم على تقليل وقت المشاهدة، وكذلك عرضت عليهم تدريبهم على المهارات اليدوية بتقديم أدواتها وطريقة تشغيلها وقدمت جوائز عينية ونقدية لكل أسرة تنجح في تنمية مهارات أبنائها.
وذلك بلا شك يؤكد أننا على حق.. فللكتاب دوره في منح المعلومة المستقرة وأيضاً في تنمية الملكيات الأدبية والشعرية تلك التي لا تترك آثارها إلا بالقراءات المتنوعة.. فالعلم تراكمي، من هنا يمكن أن نفسر لماذا تفوق ابن القرية أو ابن العامل البسيط على نظيره من أبناء الوفرة وخاصة في المراحل الدراسية الحاسمة..
الإعدادية والثانوية، بل نجد هؤلاء الذين لم يجعلوا للوسائل الإلكترونية سلطانا عليهم إلا بقدر، فضلا عن أنهم أيضاً الذين حرصوا على أعمال العقل والتفكير.. إذ لم تعرف الوجبات الدسمة الشهية الجاهزة طريقها إليهم ، عبر الأسلاك أقول نجدهم قد برعوا في ابتعاث الحياة والروح في العالم الذي كادت أن تصعقه الوسائل المكهربة، إنهم يعبرون المستحيل على ظهور وريقات صفراء وبيضاء لكنهم يصلون وقد طيبهم ملح الأرض وشمس الحقيقة وفجر الصباح.


ـ العنوسة... مشكلة كبيرة تهدد الامة العربية والإسلامية من خلال تأخر الشباب في الزواج... كيف ترون حل هذه المعضلة في عالمنا الإسلامي؟
ـ هذه المشكلة يختلف أسبابها من بلد إلى أخرى وهي مشكلة خطيرة يمكن أن تأكل المجتمعات العربية والعنوسة فيروس يهدد بانقراض الأمة الإسلامية... ففي دول الخليج مثلا الظاهرة ترجع إلى العصبية القبلية وإلى عدم الاعتداد بالمرأة في إبداء رأيها فيمن ستتزوجه.
وعدم تحقق شرط الكفاءة في السن والمستوى العلمي، فضلا عن أن البعض منهم ينظرون للمرأة على أنها مخلوق يجب أن يطيع لا أن يُطاع ولذلك لا ينظرون إلى إنسانيتها، أما عندنا في مصر وبعض الدول العربية الأخرى فالمشكلة ترجع إلى أسباب إقتصادية قاهرة تمنع الشباب من أن يكون له وظيفة أو مسكن تفقده القدرة على «الباءة» التي وضحها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:  ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنها أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) فالباءة هي أساس الزواج. كما أن وجود الخلافات الزوجية داخل محيط الأسرة التي تنشأ فيها الفتاة تجعلها تفكر ألف مرة وتحجم عن الزواج والارتباط خشية تعرضها لما تعانيه والدتها وقريباتها وزميلاتها.
أضف إلى ذلك أن تسهيل بعض الأباء في تزويج أبنائهم الذكور مبكرا وعلى نفقتهم الخاصة يجعل الابن غير مقدر لمسئولية تكوين أسرة، فالأب يسافر ويغترب ليؤمن حياة كريمة وزواج لأبنائه ويأتي بالشقة والمهر ويسلم ابنه الشقة جاهزة دون أن يتعب الأخير فيها ولم يقدر المسئولية فكما نعرف كلنا أنه هناك تأخير في الزواج فهناك أيضا تبكير في الطلاق ولذلك وجدنا أيضا في أيامنا ظاهرة الطلاق المبكر التي تستشري في المجتمعات العربية وترجع لسوء الاختيار - عدم تحمل الشباب للمسئولية مما زاد في مشكلة العنوسة.


ـ ما هي طرق حل مشكلة العنوسة خاصة مع وجود حالات زواج المسيار ـ المتعة ـ العرفي ـ الانترنت؟
ـ مواجهة هذه المشكلة والقضاء على هذه الظاهرة يكمن في القدرة على تخفيف الأعباء الاقتصادية التي يعاني منها الشباب حديث التخرج والعامل معا، وتوفير فرص العمل للشباب بقدر الإمكان إضافة إلى أهم بند في هذه المسألة وهو تسهيل أمور الزواج لدى الآباء والأبناء بعدم المغالاة في المهور، وعدم المغالاة في تكاليف الزواج، وعدم الجري وراء العادات والتقاليد البالية والقائمة على النفاق الاجتماعي في أساسها؛.
وإدراك خطورة غلق أبواب الحلال أمام شبابنا وفتياتنا بالتمسك بهذه الأمور السيئة التي ذكرناها من مغالاة في المهور وخلافه،.. والعلم بان عدم القدرة على تيسير سبل الزواج الصحيح يجر الشباب إلى نهج سلوك خاطئ والانحراف بالوقوع ضحايا من خلال زيادة حالات الزواج العرفي او زواج الدم، أو الهبة أو زواج الشفايف والكاسيت.. وغيرها من الممارسات المنحرفة.
وكل ما نسمعه الآن هو نتاج ما حدث لنا كمسلمين بعد أن بعدنا عن الدين الحنيف وغالينا في مهور بناتنا وأبنائنا مما جعل ظاهرة العنوسة تستشري في عظم الأمة الإسلامية.
ــــــــ

المصدر: موقع حوارات hwarat.osrty.com

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة



تصويت

تربية الأبناء على أسس سليمة تكفل لهم حياة متزنة نفسيا وجسديا من أهم واجبات الآباء و الأمهات. بحسب ما تراه ماهي أبرز الأخطاء الشائعة التي تقع في تربية الأبناء؟

  • القسوة المفرطة.
  • التدليل الزائد.
  • الانشغال الدائم و عدم التواصل الكافي.
  • النزاع الدائم أمام الأطفال.
  • غير ذلك.

الأكثر مشاهدة اليوم

حوارات اجتماعية وأسرية

حوار مع أخصائي نفسي

الإرشاد والتوجيه أمر مهم يحتاجه الأفراد كما تحتاجه المؤسسات وفي كل المجالات، وذلك من أجل علاج بعض الأمور...المزيد