الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حوار حول الوجود الإسلامي في بلد الكنيسة والفاتيكان

حوار حول الوجود الإسلامي في بلد الكنيسة والفاتيكان
2731 0 641

 الوجود الإسلامي في إيطاليا له خصوصية عبر التاريخ، فإيطاليا قريبة نسبيا من منطقتنا العربية الإسلامية، ولهذا يكون التأثير والتأثر بالنسبة لها أكبر من غيرها. كما أن إيطاليا هي بلد الفاتيكان راعي الكاثوليكية في العالم، حيث مؤسسات التنصير الرهيبة.

وفي هذه السطور نعيش مع الشيخ عبد الواحد يحيى رئيس الجمعية الإيطالية العالمية للتعريف بالإسلام ورئيس مركز الدراسات الميتافيزيقية في ميلانو وعضو مجلس الحكماء في مسجد باريس، لنتعرف منه عن واقع العمل الإسلامي والدعوة الإسلامية في إيطاليا وآمال وآلام المسلمين في هذه البقة من أوروبا.

* كيف بدأ الوجود الإسلامي في إيطاليا؟ وهل لإيطاليا خصوصية في هذا المجال؟

وصل الإسلام إلى إيطاليا مبكراً جداً وتحديدا في القرن الثامن للميلاد في عام 728على يد حاكم القيروان زياد الله الأول في عهد الأغالبة، الذي استطاع أن يفتح جزيرة صقلية عام 731.. ومن هذه الجزيرة شع نور الحضارة الإسلامية على أوروبا بأسرها. وفي أوائل القرن العاشر خضعت صقلية إلى حكم الدولة الفاطمية التي ورثت ملك الأغالبة. في هذه الأثناء أسلم معظم سكان صقلية، لكن التنازع بين حكامها بدأ يحتدم حتى انقض عليها النورمانديون الكاثوليك المتعصبون وطردوا العرب منها عام 1061، ولم يبق إلا بعض الجيوب. وهكذا عاش الوجود الإسلامي في هذه المنطقة نحو 350 سنة ترك فيها بصماته الحضارية شاهدة حتى اليوم.

*  لكن كيف بدأت الهجرات الإسلامية الحديثة على إيطاليا؟ وما عدد المسلمين حالياً في إيطاليا؟

تضررت أوروبا الغربية تضررا كاملا من الحرب العالمية الثانية حتى أن بنيتها الأساسية تكاد تكون دمرت تدميرا كاملا مما حمل هذه الدول على فتح حدودها على مصراعيها في وجه اليد العاملة الوافدة من باكستان وتركيا وشمال إفريقيا التي كانت ترزح شعوبها تحت وطأة الاستعمار. وقد وصل المسلمون إلى إيطاليا في هذه الفترة بحثاً عن الرزق وهرباً من شظف العيش في بلادهم الأصلية تاركين أسرهم في بلادهم. فكانت ثقافة معظم أبناء الجالية الإسلامية المهاجرة إلى إيطاليا محدودة جدا ولذلك لم تتبوأ هذه الجالية مكانة مرموقة في إيطاليا ومعظم أبناء الجالية إما مزارعون أو صناع مبتدئون أوحرفيون أو باعة متجولون أو طباخون أو غسالون للصحون أو تجار صغار. لكن توجد طبقة صغيرة من المهاجرين المثقفين كالطلبة الذين جاءوا لمتابعة تعليمهم في إيطاليا ومن هؤلاء الطلبة من عاد إلى بلده بعد انتهاء دراسته ومنهم من استقر في إيطاليا وتزوج من إيطالية وحصل على الجنسية الإيطالية واندمج في المجتمع الإيطالي. بالإضافة إلى قليل من المثقفين الذين تركوا أوطانهم لسبب أو لآخر وحملوا معهم ثقافتهم وتقاليدهم وشهاداتهم العالية واندمجوا في المجتمع الإيطالي، ومنهم الأطباء والمهندسون وأساتذة الجامعة.. الخ.

ويقدر عدد المهاجرين المسلمين إلى أوروبا بقسميها الشرقي والغربي بما يقارب [15] مليون مسلم من بينهم مليون مسلم يعيشون في إيطاليا وحدها، من بينهم سبعون ألفا يعيشون في العاصمة روما وضواحيها. والجالية المغربية هي الأكثر عدداً فهي تزيد عن ثلاثمائة ألف تأتي بعدها الجالية التونسية ثم السنغالية ثم المصرية بالإضافة إلى الجاليات الإسلامية الأصغر حجما من الصومال وباكستان وبنجلاديش والجزائر والأردن وتركيا وليبيا وفلسطين ولبنان.

* ما هو التحدي الرئيسي الذي يواجه المسلمون في إيطاليا حالياً؟

الوجود الإسلامي في إيطاليا يمر بمرحلة دقيقة تنبع من أن المسلمين المهاجرين لهذا البلد الأوروبي محدودو الثقافة ولا يعرفون الإسلام معرفة جيدة ولا يلتزمون به، وهم بذلك عرضة للتأثر بمن يدخلون مجال الدعوة عن جهل ويبثون أفكارهم الخاطئة. وللأسف فإن الجيل الثاني عندنا شب على الجهل بقواعد الإسلام وأصوله.

وهكذا فإن معظم المشكلات التي تعاني منها الجالية الإسلامية في إيطاليا مردها إلى افتقارها للوسائل التي تساعدها على تربية أبنائها تربية إسلامية أصيلة وتؤصل فيهم هويتهم حتى يواجهوا هذا المجتمع الغربي وهم مسلحون بسلاح العقيدة والثوابت والأصول الإسلامية. فلا يذوبون في المجتمع الإيطالي ولا ينسلخون من الإسلام أو ينسونه تدريجياً. وهناك مشكلة هامة في هذا الخصوص وهي أن كثيرا من أبناء الجالية يتزوجون بإيطاليات فينشأ الابن في أسرة الأب فيها عادة لديه ثقافة إسلامية ضعيفة والتزام ضئيل بالإسلام، والأم لا تعرف عن الإسلام شيئا بل أغلب الظن أنها على دين آخر، والشعائر الإسلامية من الصلاة والزكاة وصوم رمضان وحتى الحج لا تؤدى وقراءة القرآن والأوراد لا تحدث وقراءة الكتب الثقافية الإسلامية غير موجودة. وهكذا فإن لم يحدث تدارك لهذه المشكلات الخطيرة فمعنى ذلك أن الجيل الثاني والثالث والأجيال التالية سوف تكون غريبة عن الإسلام فاقدة للجذور والهوية.

و5% فقط من المليون مسلم الذين يعيشون في إيطاليا، من أصل إيطالي.

ولا يوجد في إيطاليا بأكملها سوى مسجدين فقط: الأول في روما والآخر في ميلانو، بالإضافة إلى المراكز الإسلامية غير الرسمية التي ينشؤها المسلمون في إيطاليا، إلا أن الحكومة لا تعترف إلا بمسجدي روما وميلانو.

* إذا كانت التحديات التي تواجهكم على هذه الدرجة من الأهمية والخطورة فهل تقفون مكتوفي الأيدي أم أن هناك سبلاً للمواجهة؟

هذه المشكلة يحلها تنظيم أو رابطة قوية تجمع المنظمات الإسلامية المتناثرة في إطار قوي يهتم بالمسلمين ويربطهم اجتماعيا وثقافيا ودينيا وتعليميا ومهنياً ويدافع عنهم على المستوى السياسي والواقعي. صحيح أن هناك منظمات كثيرة لكنها متفرقة والكل يعمل في واد بعيد عن الآخر. إن أمامنا الجالية اليهودية في إيطاليا التي استطاعت أن تجمع منظماتها في إطار 'اتحاد الجاليات اليهودية' وأبرموا اتفاقا مع الحكومة الإيطالية يضمن لهم الحفاظ على حقوقهم السياسية والثقافية والدينية والتعليمية. ونحن نأمل أن تجتمع كلمة المنظمات الإسلامية لتبرم اتفاقية مع الحكومة على غرار ما فعل اليهود الذين دائما يسبقوننا ويكونون أفضل منا في التنظيم والتخطيط فليتنا نتعلم من أعدائنا.

* هل يكره الأوروبيون الإسلام؟

الإسلام يواجه بعداء في الغرب بلا شك، فأهل الأديان دائماً لا يحب بعضهم بعضاً ثم إن هناك عداء تاريخي بين المسلمين والغرب المسيحي منذ صدر الإسلام، ومروراً بالدول الإسلامية المتلاحقة، ثم مروراً بالحملات الصليبية على البلاد الإسلامية، ثم الاستعمار الغربي الحديث، ودور أوروبا في قيام إسرائيل في قلب العالم العربي الإسلامي مساعدتها في المحافل الدولية والوقوف معها ضد العرب. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الإنسان الأوروبي يكره الروحانية التي يدعو إليها الإسلام. فهو قد تعود ويحب أن يعيش بلا روحانية أي يعيش ماديا يلجأ إلى المادة في كل شيء، وبالتالي فهو يعيش متخاصما مع الطبيعة ومع البشر من حوله. لكن الإسلام على عكس ذلك يصالح الإنسان على نفسه وعلى الآخرين. إن الإسلام في أوربا ككل، ونتيجة للصور السيئة الملصقة به، والجهل بحقيقته، يعتبر غير مقبول لدى الفكر الأوربي الغالب، الذي ترسخ لديه أن الإرهاب والإسلام جزء واحد، ولذلك أصبح من الضروري أن نكثف جهودنا كمسلمين في الغرب من أجل إصلاح صورة الإسلام من خلال محاربة الجهل به، وهو ما نسعى إليه من خلال اتصالاتنا المستمرة بالمراكز الثقافية في إيطاليا، خاصة أن الجمعية معترف بها من قبل الحكومة الإيطالية.

* البعض لدينا يقول إن الغرب هو سبب تخلفنا وسبب أزماتنا ومشكلاتنا، والبعض الآخر يقول لا تعلقوا مشاكلكم على شماعة الغرب وابتعدوا على فكرة المؤامرة.. كيف ترى هذه القضية؟

بالتأكيد الغرب مسئول عن جزء غير قليل من مشكلات الدول العربية والعالم الإسلامي، ولكن إرادة التحدي والتسلح بالعلم وإقامة المجتمعات الحديثة مازالت غائبة عنكم. إن الكثيرين يقارنون بين الإسلام والغرب وأنا لا أفعل ذلك لأن الإسلام مفهوم منزل من عند الله والغرب مفهوم حضاري فقط.

* هل لنا أن نتعرف على الدور الدعوي الذي تقوم به جمعيتكم؟

نحن نعمل في إطار أوروبي كبير ولنا صلات بالعديد من الجمعيات الإسلامية في كثير من الدول الأوروبية، ونقوم بعقد الندوات الدينية للتعريف بالإسلام كما نتعاون مع وزارات التعليم لتوفير المعلمين اللازمين لتدريس الإسلام واللغة العربية.

وقد استطعنا توفير عدد غير قليل من المعلمين للقيام برسالة التعليم الإسلامي. إن هدف الجمعية الأساسي هو الحفاظ على هوية الأقليات المسلمة في أوروبا وتمكين المسلمين من إقامة شعائر دينهم بحرية وعلنية.

* إيطاليا هي بلد الكاثوليكية والفاتيكان.. ألا يثير ذلك حساسية من نوع خاص للوجود الإسلامي فيها؟

هذا صحيح.. فالكنيسة لم تكن تتوقع أن يعود الإسلام إلى إيطاليا بهذه السرعة وبهذه الكثافة خلال فترة زمنية ليست طويلة، وهذا جعل الكنيسة تعيد حساباتها بالنسبة للوجود الإسلامي، وتمثل ذلك في عدم تجاهل الوجود الإسلامي وبدء عهد جديد في التعامل معه عن طريق إنشاء روابط صداقة للحوار مع الإسلام.. والقيام بدراسة عميقة لمعرفة حقيقة الإسلام، وتشجيع الإيطاليين للتعرف عليه عن قرب. وبالرغم من ذلك إلا أن الكنيسة تعتقد أن الحوار بين الكاثوليك والمسلمين صعب جداً لأن الكاثوليك – على حد تعبيرها – لديهم استعداد للحوار، بينما المسلمون ليس لديهم استعداد له، ويتصورون أن الحوار إنما هو فخ نصب لهم وأنهم يعتقدون أن الإسلام هو النموذج الاجتماعي الأصلح وليس في حاجة لأن يتعلم شيئاً من الآخرين.

* ألم يشكل الوجود الإسلامي التاريخي في إيطاليا عنصراً لفهم أكبر للإسلام؟

لا تعتبر البلاد الإيطالية غريبةً عن الإسلام، فقد خضع بعضٌ منها ذات مرة للسيادة الإسلامية، حيث كانت جزيرة 'صقلية' تابعةً للدولة الإسلامية في فترة من فترات التاريخ الإسلامي الباهر، ومنها خرج الشاعر والمفكِّر 'ابن حمديس الصقلي'، كما أنَّ عادات المجتمع الإيطالي- على الرغم من الطابع الغربي لها- تقترب من عادات المدن الساحلية العربية، مثل مدينة 'الإسكندرية' المصرية ومدينة 'سوسة' التونسية، بالإضافة إلى وجود العديد من الجنسيات العربية والإسلامية التي تعيش على الأراضي الإيطالية.

وعلى الرغم من أنَّ إيطاليا تحتضن دولة الفاتيكان التي تمثل الكنيسة الكاثوليكية إلا أن الإسلام دخل هذه البلاد بسهولة، سواءٌ عن طريق الفتح كما في الجنوب الصقلي أو عن طريق الدعوة واختلاط المسلمين المهاجرين مع أهل البلاد الأصليين، ويعمل في إيطاليا 'المركز الإسلامي الثقافي الإيطالي' الذي يؤدي دورًا كبيرًا في تعريفِ المجتمع الإيطالي بالإسلام، عن طريق إقامة لقاءاتٍ دورية مع غير المسلمين الذين يودون التعرف على الإسلام جرَّاء الحملة المضادة عليه، كما تمكن من جعل المسئولين الإيطاليين يسمحون بالتعريف بالإسلام في المدارس الإيطالية.

ومن أبرز المشكلات التي تواجه المسلمين في المجتمع الإيطالي عدم اعتراف الدولة به.. الأمر الذي يجعلها تمنع عرض المواد الدينية الإسلامية على القنوات التليفزيونية الخاصة، لكن المركز الإسلامي استطاع أن يحصل على فترةٍ إعلامية في إحدى القنوات الفضائية الخاصة، مع أجل بثِّ البرامج الإسلامية، كذلك تمنع الدولة دفن المسلمين على الطريقة الإسلامية، لكن العاصمة 'روما' تُعتبر استثناءً من ذلك، وهناك أيضًا مشكلة عدم توافر المواد الإسلامية باللغة الإيطالية.. الأمر الذي يشكِّل حجر عثرةٍ أمام تقدم الإسلام في هذا المجتمع الأوروبي.

* ما أهم المشكلات التي تواجه الدعوة الإسلامية في إيطاليا؟

للأسف ما زالت هناك مشكلة عدم توفر المصادر الموثوقة للتعريف بالإسلام، فعلى الرغم من أن الإسلام يهاجَم في الغرب، فإن التعرف عليه حتى لمسلمي المهجر وبالأخص في إيطاليا لا يأتي إلا من خلال كتب المستشرقين، وبالتالي يتم تعليم أبناء المسلمين هناك من تلك الكتب، وهو خطر حقيقي يهدد مستقبل الدعوة الإسلامية والتعريف بالإسلام في إيطاليا، ولذلك نحن نسعى كمؤسسة دينية إسلامية في إيطاليا إلى التعريف بالإسلام من خلال مصادره الأصلية.

* ماذا عن مشكلات المدارس الخاصة بأبناء المسلمين في إيطاليا؟

عدد الطلاب المسلمين في إيطاليا يبلغ 50 ألف طالب حسب إحصاءات وزارة التعليم معظمهم من التونسيين والمصريين والمغاربة والجزائريين، ويحتاج المدراء والمدرسون إلى توجيه اهتمام خاص لأبناء المسلمين في المدارس الإيطالية، حيث يدرس أبناء المسلمين في مدارس تعلق على جدرانها الصلبان رغم الراية العلمانية المعلنة للدولة الإيطالية.

وتعريف الأساتذة والطلبة الإيطاليين بالثقافة الإسلامية طريق لا تزال طويلة في إيطاليا. وما يجعلنا متخلفين عن ركب بعض الدول في هذا المجال هو عدم وجود تربية إسلامية لأبناء المسلمين في إيطاليا.

إن علينا ألا نسعى في هذه المرحلة إلى إنشاء مدرسة إسلامية وصفوف إسلامية منعزلة لأن وجودها لا يؤدي إلا لإقامة حواجز جديدة تمنع التقارب والتعارف، ونحن نطالب المدارس في أوروبا وخاصة في إيطاليا، أن تنفتح على الجميع وأن تخرج من حالة الجمود لتصبح ملتقى الأعراق والديانات المختلفة، ويجب التركيز بشكل أساسي على تعميق معرفة الأساتذة بتاريخ الأديان لأن الدروس الموجودة حالياً لا تزال منحصرة في الدين السائد حالياً، ومتأثرة به ودائرة في فلكه، وهذا ما قد يؤدي بنا إلى ارتكاب أخطاء جديدة بحق المسلمين في إيطاليا، وإلى تكرار الاضطهاد والتفرقة العنصرية التي تعرضوا لها سابقاً في الأندلس

----------------------------------

مفكرة الإسلام - بتصرف .

مواد ذات صلة



تصويت

قالوا: إذا أردت أن تسقط حضارة أمة فعليك بهدم الأسرة والتعليم وإسقاط القدوات وتشويهها، فما هي بنظرك أكثر تلك الوسائل أثرا ؟

  • إهمال التعليم
  • التفكك الأسري
  • تشويه الرموز والقدوات
  • لا أدري