الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المثقفون اليساريون والحرية

المثقفون اليساريون والحرية
2998 0 558

محنة الماركسيين واليساريين المصريين العرب أنهم يتصورون المبدع (ملَكًا) مقدسًا، وليس بشرًا يخطئ ويصيب، ويحاولون استغلال (مطية) وقيمة الحرية لمجرد ابتزاز الواقع الثقافي، والبحث عن الشهرة الحرام، والحصول على مكاسب ومصالح طائلة من وراء هذه الادعاءات البعيدة عن جوهر الأدب والفكر والثقافة.

هذه هي آفة اليسار في بلادنا من وجهة نظر الكاتب الإسلامي جمال سلطان، رئيس تحرير مجلة "المنار الجديد" القاهرية، الذي يرى أن هذه الفئة هم "دواجن ثقافية" حسبما وصفهم بذلك وزير الثقافة المصري فاروق حسني، عندما قال: إنه يفخر بأنه أدخل المثقفين إلى  الحظيرة، والمعنى مفهوم ومحسوس ماديًا ومعنويًا! مؤكدًا أن المثقف اليساري يتخذ الآن موقفًا أشبه بالمرتزقة الذين تستأجرهم السلطة للهجوم على المعارضة، خاصة إذا كانت إسلامية.

· يتخذ اليسار المصري والعربي من مقولة حرية الرأي والتعبير وسيلة لتمرير مصطلحات وأفكار تصادم الشرع الحنيف وتعادي الإسلام والكتاب الخالد، فكيف ترى هذه القضية بأبعادها المتشعبة

بالنسبة لحرية المبدع، لا يوجد ما يقيد حريته، سواء في الفكر أم الأدب أم الثقافة بمعناها الواسع المتضمن للفنون، فهناك مساحة واسعة من الحرية أمام المثقف والمبدع والفنان والأديب، ولا يمكن لأي واحد مما سبق أن يبدأ نشاطه وهو مكبَّل بالمحاذير وعقله وخاطره وخياله لا يمكن أن يقتحم الآفاق والمساحات الجديدة في الرؤية والتأمل، بما يتيح له أن يُخرج لنا رحيقًا عذابًا، بطعم جديد وروح جديدة.

وهذه حقيقة أساسية، لكن المشكلة أن المبدع (الماركسي) و(اليساري) يظن بل يعتقد ويجزم أنه ليس بشرًا، بل ملكًا، والحق أن المبدع ما هو إلا بشر وليس مقدسًا ولا معصومًا. وبالتالي تتنازع هذا المثقف المبدع – الذي يتشدق بذلك الطرح – الأهواء. وكثير منهم يحاولون استغلال قيمة الحرية وجعلها (مطية) لابتزاز الواقع الثقافي، والبحث عن ذيوع الصيت والشهرة الحرام، والحصول على مكاسب شخصية، لا تتصل جوهريًا بقضية الأدب أو الثقافة أو الإبداع. وهذا الكلام لا أقوله أنا اتهامًا مجردًا؛ فهو شائع بين هؤلاء الأدباء أنفسهم.

إذن، لابد أن تكون هناك معايير وضوابط تمنع من هذا الاستغلال الفاحش والخاطئ لمساحة الحرية والتعبير، وهذه المنطقة أو المساحة أو الضوابط ليست هي التي يدور حولها الجدل والخلاف. ولا يوجد أحد على وجه الأرض يقول بأن حرية الإبداع مطلقة، وليس لها أي ضوابط أو موانع، وإنما الخلاف يأتي حول نوعية هذه الضوابط ومرجعياتها في بيئتنا العربية والإسلامية.

· إذن، أنت ترى أن حديث هؤلاء المثقفين اليساريين عن الحرية والإبداع مجرد كلام، وأنهم يفرضون رقابة أيديولوجية على الإبداع الذي يخالف أفكارهم؟

نلاحظ أن بعض الأدباء والمثقفين يجدون في أنفسهم الجرأة على المقدسات الدينية، وإيذاء الضمير العام في المجتمع بتجريح وإهانة ما يحترمه الناس ويوقره المسلمون، في حين أن نفس هذا المبدع (اليساري) لا يجرؤ على انتقاد أي حاكم عربي في السلطة، بمعنى أنه يدرك أن اقتحامه أو اعتداءه على ضمير المجتمع والناس هو أمر لا عقاب عليه ولا حساب، عندما يخوض فيما هو متماس مع السياسة؛ لأنه يعرف ويدرك أن على ذلك ضريبة غالبًا ما تكون باهظة التكاليف. من هنا نقول: إن حديث المبدعين عن الحرية في العالم العربي هو حديث مُترع بالنفاق والأكاذيب.

· ولماذا يُعادي اليساريون رقابة الأزهر على الإبداع المنفلت الذي يهاجم المعتقدات الدينية بينما هم يمارسون نفس الرقابة والقيود على  حرية التعبير؟

من يقول بعدم وجود رقابة على الإبداع، خاصة من الأزهر الشريف، يمارس رقابة ذاتية متطرفة ضد كل ما هو إسلامي، ويمنع نشر المقالات والأفكار والكتب الدينية، والغريب أن هناك أنواعًا كثيرة من الرقابة يتم فرضها من جهات مختلفة؛ سياسية وقضائية...إلخ.

ولا يمكن أن تكون هناك حرية مطلقة يتعاطاها الأدباء والمثقفون، ومن ثم تتعرض للأديان وتسيء إلى الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وفي الشأن الديني، والذي يمثل أقدس مقدسات الإنسان في العالم العربي لابد أن تكون هناك ضوابط تمنع فوضى الخوض في قضايا الدين والتلاعب بها؛ لأن معظم اليساريين لا دراية لهم بعلوم الشرع والدين ولا آليات وأدوات الاستنباط والاستدلال، وإلا كان الأمر هُراءَ. فنحن لا يمكن أن نسمح لغير الطبيب المرخص له  علميًا بوصف الدواء والتشخيص لمريض، تحت ستار أنها مسألة وجهة نظر، فإذا حدث ومات المريض يتم تقديم من أشار إليه بذلك إلى المحاكم، ولذلك استقر قضاء مجلس الدولة في لجنة الفتوى والتشريع بمصر إلى فتوى شهيرة مؤخرًا تعتبر أن الأزهر هو  المختص بما يتعلق بالشأن الديني في الحياة الثقافية. وهذه مسألة بدهية؛ لأن الجهة الوحيدة المتخصصة والمؤهلة في العلوم الشرعية، وإلا فمن إذن الذي ينظّر ويحكم؟

· هل اليسار متطرف في أحكامه ورقابته المفروضة ضد الإسلام ورموزه وقضاياه، أم أنه متطور ومتفاعل مع البيئة والواقع؟

اليسار المصري والعربي مع الأسف الشديد تيار يغلب عليه التطرف، كما أنه مُثقل بتراث ماركسي معادٍ للدين. وفي أنحاء كثيرة من العالم الآن، اتجه اليسار هناك إلى إعادة صياغة علاقته بالدين وبالمجتمع، لكن في مصر والعالم العربي، مازال جهابذة اليسار في بلادنا مشغولين بالصراع مع طواحين الهواء، وتصفية الحسابات مع الدين، وفي النهاية هم الخاسرون، ولكن المشكلة في مضيعة الوقت والجهد، واستنزاف الأوقات في عراك لا طائل من ورائه.

كما أن هذا التطرف، وتلك التركة المثقلة بالصراع مع الدين، جعل اليسار المصري والعربي عاجزًا عن طرح أية رؤى مبدعة في الفكر السياسي والاجتماعي الجديد (الحالي) يمكن أن تتحرك عليها جموع الأمة أو قطاع  مهم منها. والنتيجة أن اليسار العربي تحول إلى نُخب منزوية تُعشش في بعض الصحف الحكومية والمؤسسات الرسمية وبعض المقاهي، و لا صلة لها بالمرة بالواقع الجماهيري والحياتي والشعبي.

· يسعى اليساريون والعلمانيون حاليًا إلى الضغط على الأزهر الشريف متذرعين بحرية التعبير، لإعادة رواية (أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ بعدما أثارت أقاويل تمس الدين والإسلام، فكيف ترى ذلك؟

إن موقف الدكتور أحمد كمال أبو المجد – المفكر الإسلامي المعروف – فيه استهانة كبيرة بالعقل، وعدم احترام لأبجديات أدبية وفنية، عندما كتب مقدمة لهذه الرواية، ونادى بإعادة طبعها؛ لأن نجيب محفوظ رفض أن يطبعها طوال أكثر من أربعين عامًا؛ لأنه يعرف أنها كُتبت في أجواء مسيئة للدين، إلى أن يأتي الدكتور أبو المجد لكي يتكلم بكلام خارج حدود العقل والمنطق ليقول: إن الرواية لا شيء فيها، وإنها رواية دعوية تدعو إلى الإسلام والقيم الرفيعة، فهذا كلام لا يليق. وعندما يريد أي إنسان أن يُجامل أحدًا أو هيئة أو مؤسسة فلا ينبغي أن تكون هذه المجاملات على حساب العقل والمنطق والدين.

· هناك بعض (الثائرين والثائرات) على الإسلام، ويعتبرون الضوابط الدينية للحرية قمعًا وقيودًا، فما ردّك على ذلك؟

هؤلاء عبارة عن نوع من الملاغاة مع مؤسسات أجنبية مانحة توفر الدعم المالي والمعنوي والإعلامي على نطاق واسع لكل من يتحدث في هذا الإطار عن تشويه الإسلام للمرأة، ولقيم الدين الإسلامي. ولذلك فمن أراد أو أرادت أن تحظى بحضور قوي إعلاميًا في منتديات ومؤتمرات دولية وجامعات غربية وبجوائز كبرى، فهذا هو الطريق. والمسألة لا صلة لها بنضال من أجل قضية المرأة، بل هو نضال من أجل المصالح والماديات فقط.

· بماذا تفسر ظاهرة سيطرة اليساريين على المنابر الإعلامية والثقافية من المحيط إلى  الخليج؟

طبعًا يسيطر اليساريون على المؤسسة الثقافية بالكامل، لدرجة أن شيوخ الماركسيين المصريين يديرون وزارة الثقافة الآن، والذين قال عنهم فاروق حسني – وزير الثقافة المصري – إنه يفخر بأنه أدخل المثقفين المصريين إلى الحظيرة. وهي مجرد مناصب في المؤسسة الثقافية الرسمية أو رئاسة تحرير بعض المطبوعات وإعطائهم بعض منح بدل التفرغ أو ما شابه. وهذه من المآلات المحزنة التي ينتهي إليها أي مثقف يساري أو غير يساري. ولذلك أصبح المثقف اليساري الآن يتخذ موقفًا أشبه ما يكون بالمرتزقة الذين تستأجرهم السلطة، لكي يهاجموا المعارضة الإسلامية.

· وكيف نبني الثقافة والمناعة الذاتية لدى الأجيال الجديدة؟

يحتاج الأمر إلى تفعيل الجهود الأهلية في مجال الثقافة والأدب والفكر، عن طريق تشكيل الروابط الثقافية والأدبية، وإصدار العديد من المجلات الفكرية، وتأسيس جوائز أدبية لتنشيط وتحفيز الناشئة، وتشجيعهم على الإبداع المتميز. كل هذا تحتاجه حياتنا الفكرية اليوم.

· وبرأيك هل في استطاعة أي تيار إسلامي أن يقوى، ويشكل فصيلاً ثقافيًا فاعلاً؟

طبعًا هذا ممكن، لكن المشكلة أن الإسلاميين لا يهتمون بقدر مناسب بقضايا الأدب والثقافة، ولأن الحياة الإسلامية يغلب عليها قطاعات تنظيمية وحركية تعنى بالسياسة، لذلك كان الأديب والمبدع والمفكر يحتاج إلى الانفلات من أسر ذلك، بالتحليق ورسم عالمه الخيالي. من هنا يجب على الحركات الإسلامية أن تعيد الاعتبار إلى المبدعين، وأن تحترم طبيعتهم النفسية والوجدانية، وأن تحترم طبيعتهم النفسية والوجدانية، وأن تسمح لهم بحرية الحركة، وألا يشغلوا تفكيرهم بأمور يستطيع أن يؤديها غيرهم.

ـــــــــــــــــــــ

المصدر: مجلة: فلسطين المسلمة 8/السنة 24

مواد ذات صلة



تصويت

من أعظم المقاصد التي أكد عليها الإسلام تقوية أسباب التراحم و التلاحم بين المسلمين وترسيخ معاني التصافي والتآخي بين أبناء المجتمع "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا". ترى لماذا هذه الفرقة الحاصلة الآن بين الدول العربية والإسلامية؟

  • اختلافات سياسية
  • مطامع مادية وتوسعية
  • من صنع أعدائهم
  • اختلافات أيدلوجية
  • كل ما سبق