الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

التضامن العربي والإسلامي

التضامن العربي والإسلامي

التضامن العربي والإسلامي

الأمة مرت بمراحل تاريخية مختلفة، ففي بداية الدعوة الإسلامية، شكل المسلمون أول دولة إسلامية موحدة في الجزيرة العربية، كانت هي الطليعة لحمل الرسالة الإسلامية إلى الشعوب الأخرى. وخلال عشرات من السنين انضم تحت لواء تلك الدولة الناشئة كل الشعوب الأخرى التي بلغتها الرسالة الإسلامية، فآمنت بها عن طواعية واختيار، وأصبحت الدولة الإسلامية تضم مجموعة كبيرة من الشعوب الممتدة أقاليمها من قلب آسيا على تخوم الصين إلى المحيط الأطلنطي. ورغم ما كان بين تلك الشعوب من تباين في اللغات والثقافات والألوان والعادات، إلا أنها أصبحت متحدة في رباط من الأخوة الإنسانية المرتكزة على العقيدة الإسلامية، تلك العقيدة المتحررة من التعصب والإكراه والإرهاب، والداعية إلى العدالة والمساواة بين الأفراد والجماعات، دون تفريق بسبب الدين أو اللون أو العنصر، والحريصة على تحرير الإنسانية أفرادًا وجماعات من عبودية الإنسان للإنسان، ومن استغلال الإنسان للإنسان في أي شكل كان، وذلك على أساس الإيمان بوحدانية رب العالمين.

وقد قدر لهذه الدولة الإسلامية العريقة، أن تظل حامية للدعوة الإسلامية وداعية لها لفترة طويلة من الزمن، وذلك بفضل تضامن وتماسك شعوب الأمة الإسلامية المكونة لها.. وبفضل التطبيق الإسلامي الصحيح المنزه عن الأطماع والأهواء والفساد.

غير أنه منذ النصف الثاني من العهد العباسي، بدأت ظاهرة الانحراف عن الأهداف الأساسية للدولة الإسلامية تبدو في الأفق.. وتجسدت تلك الظاهرة في شكل الاستبداد بالحكم، وتعطيل المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحكم الإسلامي، والسماح بتسرب النظم الفاسدة الدخيلة إلى المجتمع الإسلامي، والزج بكثير من أئمة الفقهاء وقادة الفكر الإسلامي في السجون، وضربهم بالسياط، رغم شيخوختهم، ورغم مكانتهم العلمية الفذة، التي بلغت مكانة عالمية لدى بعضهم.. وقد ساعد على انتشار هذه الظاهرة المؤسفة ضعف وعي الأمة الإسلامية بالمبادئ والقيم الأساسية لعقيدتها، حتى أصبحت وكأنها قد فقدت ذاكرتها، فلم تعد تعي الأحداث الجسام التي أخذت تترى عليها، وتتهاوى أمامها.

وبقدر ما أدى ذلك إلى إضعاف روح التضامن والتماسك بين شعوب الأمة الإسلامية بقدر ما تحركت في نفوس حكام الأقاليم المطامع والشهوات للتواثب على رياسة الدولة الإسلامية أو التحكم فيها، مستغلين في ذلك ما تحت أيديهم من قوات وأموال، وأفضى ذلك إلى تنازع هؤلاء الحكام من أجل السلطة العليا، فتفرقت الأمة الإسلامية إلى جماعات، تتشيع كل منها لحاكمها، وتقاتل من ورائه لتحقيق مطامعه وشهواته..

وهكذا بدأت معاول الهدم والانقسام تحطم هيكل التضامن والتماسك الذي قامت عليه الأمة الإسلامية، وبدأ البناء الشامخ لوحدة الدولة الإسلامية الكبرى في التحلل والانهيار، وكانت النتيجة لذلك أشد خطرًا وأبعد أثرًا على مصير الأجيال المتعاقبة؛ حيث انقضت جحافل الأعداء على الأمة الإسلامية، وتلاقت أهداف الغزو المغولي مع أهداف الغزو الصليبي في تحطيم وتدمير كل المعالم التي قامت عليها الأمة الإسلامية، خاصة مراكز الثقافة الإسلامية، وذلك كمحاولة للقضاء على الدعوة الإسلامية ذاتها.

ثم شهدت الدولة الإسلامية الاستعمار الغربي الذي تحالف مع الصهيونية العالمية لتأسيس دولة إسرائيل على أرض فلسطين، للإبقاء على تمزيق وحدة الأمة الإسلامية، وإعاقتها عن أداء رسالتها العالمية.

ولما بدأت تتحرر من الاستعمار شيئًا فشيئًا – في العصر الحالي – بدأت أقاليمها المقطعة الأوصال تظهر في شكل دول مستقلة، لا يجمع بينها تلك الرابطة الإسلامية القديمة القائمة على وحدة الدولة الإسلامية، فكل إقليم أصبح يستقل بأرضه وشعبه ونظام حكمه وسيادته وجنسيته ولغته وغير ذلك من خصائص الدول المستقلة. وبذلك فقدت الأمة الإسلامية عنصر التضامن والتماسك والوحدة، الذي كان من أخص خصائصها، بل وتعمقت بين أفراد هذه الأمة أسباب الفرقة والانقسام والخلاف، ولم يعد هناك من سبيل لاسترداد ثقتهم بأنفسهم إلا بالرجوع إلى ميثاق الله، والاعتصام بحبل الله، والتعاون على البر والتقوى فيما بينهم، وكل ذلك يمكن أن يتحقق بالالتحام مرة ثانية في شكل وحدة أو تضامن للنهوض بالرسالة العالمية التي أخرجوا من أجلها، فالوحدة الإسلامية أو التضامن الإسلامي هما القاعدتان الأساسيتان لانطلاق الأمة الإسلامية – في عالمنا المعاصر – نحو مستقبل يعادل ماضيها المجيد.

ومن الواجب أن لا يستبد بنا التشاؤم، ونغرق أنفسنا في دوامة من الفكر الكثيب بسبب الوضع الذي آل إليه حال الأمة الإسلامية، فهناك دلائل مشجعة على وجود تقارب بين الدول الإسلامية في أشكال مختلفة، وقد يبدو هذا التقارب في شكل ضعيف أو غير فعّال.. ولكن علينا أن نرصد ونشجع كل شكل من التضامن، يمكن أن تتلوها خطوات أخرى قد تؤدي - إن عاجلاً أو آجلاً – إلى التضامن الكامل، وأشكال التضامن البادية الآن على الساحة الإسلامية تتمثل في أربعة مظاهر هي:

1) جامعة الدول العربية، وقد أنشئت عام 1945م.

2) رابطة العالم الإسلامي وقد أنشئت عام 1962م.

3) منظمة المؤتمر الإسلامي، أنشئت عام 1971م.

4) مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي أنشئ عام 1981م.

__________________

الثقافة الإسلامية/د.عبدالواحد محمد الفار، بتصرف.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة