الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سياسة آرييل شارون المتصلبة

سياسة آرييل شارون المتصلبة

سياسة آرييل شارون المتصلبة

على مدى ما يزيد على نصف قرن، نجحت سياسة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في تحقيق أمرين أساسيين أولهما: أنها الدولة المهددة والتي تحيط بها المخاطر من كل جانب، وأنها لذلك مضطرة وفي حاجة ماسة إلى ضمان أمنها، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال قوة عسكرية متنامية ومتطورة وقادرة على المواجهة مع دول المحيط العربي حولها، بل إن القوة العسكرية التقليدية لا تحقق هذا الأمان فلا بد أن تكون لديها قوة ردع لا تتوافر لدول المنطقة... وبالتالي حققت منذ الستينيات التوصل إلى السلاح النووي.

كل ذلك لم يكفها للضمان الأمني، بل كان من الضروري أن تدخل في تحالفات سياسية وعسكرية مع القوى الدولية، وهو ما نجحت فيه من خلال التحالف مع كل من بريطانيا وفرنسا حتى العدوان الثلاثي في 1956، ثم قررت بعد أن عارضت الولايات المتحدة العدوان وفرض عليها الانسحاب، أنه لا بديل من التركيز على أميركا لتكون حصن الأمان لها.

يتضح الآن بعد مرور 18 شهراً على الانتفاضة الفلسطينية أن ما حققته إسرائيل من قوة عسكرية وادعاء بأنها تسعى إلى السلام لم يؤديا إلى أي نتائج، وأن محصلتهما هي القتل الكامل الذي أصبح بادياً للشعب الإسرائيلي ولكل القوى الدولية. فإسرائيل لم تحقق بالقوة العسكرية الهائلة إخضاع شعب فلسطين، وأصبح ادعاء السلام مدعاة للسخرية في كل مكان، بل إن ما تكشف من تضليل متعمد للرأي العام الإسرائيلي والرأي العام الدولي حول محادثات كامب دافيد الثانية ثم محادثات طابا أدى إلى ثورة متصاعدة من جانب الرأي العام الإسرائيلي، الذي سبق أن نجح باراك في خداعه، واستغل شارون هذا الخداع ليكتسب تأييداً من الشعب الإسرائيلي الذي اقتنع حينذاك بأن الرئيس عرفات رفض عرضاً للسلام يتضمن الدولة والقدس وإزالة المستوطنات وعودة اللاجئين، ثم تبين بعد ذلك أن كل ما قيل لم يكن سوى تزييف للحقائق، بل إنه عندما كانت المحادثات في طابا على وشك أن تحقق نجاحاً تاريخياً، أصدر باراك تعليماته بانسحاب الوفد الإسرائيلي!
وهناك عدد من الحقائق المهمة نلمسه الآن:

أولاً: إفلاس سياسة شارون في كل الميادين، فقد وعد الشعب الإسرائيلي بالقضاء على الانتفاضة خلال مئة يوم ولم يحقق ذلك، ووعد بتحقيق الآمن والنتيجة هي انعدام الشعور بالأمن لدى المواطن، وأصبح الوضع الاقتصادي في حال ركود، وازداد معدل البطالة إلى ما يقرب من 10 في المئة.

ثانياً: تحقق بما لا يدع مجالاً للشك لدى شارون وحكومته أن الشعب الفلسطيني وطد نفسه على تقبل التضحيات والمعاناة، وأنه كلما ازدادت الضغوط العسكرية والاقتصادية عليه، كلما ازداد إصراراً على مقاومة الاحتلال.

ثالثاً: أن الرئيس ياسر عرفات أكد مرة أخرى زعامته وقدرته على أن يكون مثالاً أمام شعبه في الصمود، ولم تفلح سياسة حصاره وتقييد حركته في رام الله في أن تضعف من زعامته، بل حدث العكس تماماً. فالانقسامات السياسية في الشارع الفلسطيني والتي تصوّر شارون أنها ستزداد ومن خلالها تخرج زعامة جديدة، تحولت إلى موقف موحد لدعم رئيس السلطة الفلسطينية. وطبقاً لآخر إحصاء في منتصف شهر شباط (فبراير) الماضي وصل التأييد للرئيس ياسر عرفات إلى 82 في المئة (52 في المئة تأييد مطلق و30 في المئة يرون أن سياسته مقبولة) في حين أنه قبل حصاره كانت نسبة تأييده في الشارع الفلسطيني 38 في المئة.

رابعاً: في وقت تزداد المقاومة الفلسطينية صلابة، فإن 79 في المئة من الشعب الفلسطيني يؤيد السلام بين فلسطين وإسرائيل، و72 في المئة يرون أن كلا الشعبين له الحق في العيش في سلام وأمن، و73 في المئة يرون أنه من الضروري أن يعمل كل من الشعبين لتحقيق التعايش السلمي بين الدولتين.

خامساً: فقد شارون التأييد الذي حظي به عند انتخابه، وتظهر استطلاعات الرأي العام في إسرائيل أن ما يزيد على 50 في المئة يرون أن شارون فشل في سياسة توفير الأمن للمواطن الإسرائيلي وأن 70 في المئة يؤيدون السلام وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية. يزداد هذا الموقف الجديد قوة يوماً بعد يوم، خصوصا أن معسكر السلام الإسرائيلي الذي يضم اليوم ما يزيد على 30 منظمة متحدة في تحالف السلام عاد مرة أخرى كحركة سياسية مؤثرة في الرأي العام وضاغطة على شارون وحكومته. أهم معالم هذا التحرك هي المطالبة بإنهاء احتلال إسرائيل للأرض ووقف الحرب ضد الشعب الفلسطيني، ونلاحظ أنه مما يدعم تحالف السلام ما قام به خلال الشهور الماضية من فضح ما تعرض له الشعب الإسرائيلي من تضليل سياسي من جانب باراك ثم شارون حول موقف الرئيس عرفات من السلام. كما نلاحظ أيضاً أنه عندما يصل الأمر إلى رفض ضباط وجنود الاحتياط الخدمة في الأرض المحتلة، ويتحول هذا الرفض إلى حركة سلام جديدة تضم حتى كتابة هذه السطور ما يزيد على 450 من أفراد القوات المسلحة الإسرائيلية، هم بدورهم يشاركون في تظاهرات السلام والمطالبة بإنهاء الاحتلال التي يزداد عدد المشاركين فيها في كل مرة، حتى بلغ في المظاهرة الأخيرة ما يزيد على عشرين ألفاً.

سادساً: إزاء هذه المواقف الضاغطة على الحكومة الإسرائيلية، حاول شارون من خلال توجيه بيان سياسي إلى الشعب الإسرائيلي أن يحثه على الوحدة في مواجهة الأخطار والإرهاب، لكن هذا الخطاب كشف عن ضعف وقلق وجاء خاوياً من أي موقف سياسي إيجابي، بل كما وصفه تحالف السلام فإنه تعبير واضح عن الإفلاس السياسي، وأنه لم يعد أمام شارون سوى تصعيد العمل العسكري على رغم أن الأمل الوحيد للخروج من المأزق الحالي هو إنهاء الاحتلال ووقف الحرب.

سابعاً: على رغم ما يتسم به الموقف الأميركي من انحياز واضح لإسرائيل إلى حد إدانة المقاومة داخل الأرض المحتلة ووصفها بأنها إرهاب، إلا أنه يجب ملاحظة أن هذا الموقف ما زال في أساسياته يلتزم إقامة الدولة الفلسطينية القابلة للحياة وما زال ملتزماً توصيات لجنة ميتشل والتفاهمات الأمنية لجورج تينيت وما زال ملتزماً برؤية السلام التي عبر عنها وزير الخارجية الأميركي في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. ولكن، مع استمرار الحرب الإسرائيلية ضد السلطة والشعب الفلسطيني. لاحت أخيراً بعض البوادر التي تشير إلى انتقاد سياسات شارون، خصوصاً موقفه من الرئيس عرفات أو مواصلة العمليات العسكرية ضد المدنيين. ثم تحركت الولايات المتحدة أخيراً لدفع استئناف المحادثات الأمنية بين الجانبين بحضور ممثلي الاستخبارات المركزية الأميركية، كما عاد الجنرال زيني إلى أرض الصراع. ومثل هذه المؤشرات من جانب الولايات المتحدة لا بد من أن تدخل في حسابات معاكسة لشارون.

ثامناً: إذا كان الموقف الأوروبي ما زال بعيداً من التأثير المباشر علي شارون إلا أن ما حدث من تحرك في الشهر الماضي والتقدم باقتراحات محددة من جانب فرنسا وألمانيا أو ترتيب لقاءات بين بيريز وأحمد قريع وعرض نتائج هذه الاتصالات والمقترحات على الجانب الأميركي، وما قام به الممثل الأوروبي موراتينوس من نشر خلاصة ما دار في اجتماعات طابا في صحيفة هآرتس الإسرائيلية والتأكيد علي رفض أي مساس بالرئيس عرفات.

مجمل ما تقدم عرضه يفند مجموعة متكاملة من الحقائق التي تفرض نفسها على الموقف داخل إسرائيل وداخل الأرض المحتلة مع القوى الدولية التي لا تستطيع تجاهل مخاطر استمرار هذه المواجهة بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية.

والسؤال عندئذ هو ما إذا كان هناك احتمال في أن يخضع شارون لهذه الحقائق المحيطة به أم أنه سيواصل سياسته من دون تغيير؟

إن دراسة شخصية هذا الرجل وأفكاره الصهيونية المتطرفة، وتاريخه العسكري والائتلاف الوزاري الذي يحكم إسرائيل الآن، لا يسمح على الإطلاق بالقول : إن من الممكن أن يحدث تغيير جذري في اتجاهات هذه الشخصية المركبة والمعقدة والحكومة التي يترأسها. وإذا كان حزب العمل برئاسة وزير الدفاع ومعه وزير الخارجية بيريز أعضاء في هذا الائتلاف، فإن من الواضح أن هذا الحزب يقتل نفسه سياسياً، خصوصاً أنه يمثل أقلية فيه وخروجه لن يسقط حكومة تتمتع بغالبية يمينية ودينية، كما أن القرار السياسي والعسكري بيد شارون الذي لا يعبأ بما يبرمه بيريز من اتفاقات، بل يعلن عقب أي إعلان عن مثل هذه الاتفاقات عدم التزامه بها. أما ما قام به من اجتماعات مع أحمد قريع رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني فمن الواضح أنها لا تعدو محاولة من جانبه للادعاء بأن هناك من القيادات الفلسطينية من يحل محل الرئيس عرفات، وهي محاولة فاشلة في نهاية الأمر لم تثمر في التوصل إلى أي اتفاق أمني أو سياسي حتى الآن، خصوصاً أن تشكيل الائتلاف الحكومي لا يسمح لشارون بتخطي الخطوط الحمر التي حددتها الأحزاب اليمينية والدينية والتي بيدها فعلاً بقاء هذه الحكومة أو إسقاطها.

من هنا نجد أن أي تصور حول تعديل سياسة هذه الحكومة يجب استبعاده تماماً، لذلك يجب توقع مواصلة السياسة الحالية سواء تصعيد الحرب في الأرض المحتلة وهو ما يحدث حالياً، أو توسيع المستعمرات واعتماد 240 مليون دولار لهذا الغرض، أو القرار الأخير بتوسيع حدود بلدية مدينة القدس حيث تمتد إلى مشارف مدينة رام الله ومدينة بيت لحم وبذلك تشكل القدس الكبرى نسبة 10 في المئة من مساحة الضفة الغربية، ومعنى ذلك أن القرى العربية المحيطة بالقدس الشرقية والتي تدخل في المنطقة ب طبقاً لاتفاق أوسلو والمفروض أن تنتقل إلى السيادة الكاملة الفلسطينية تصبح خاضعة لإسرائيل. ولا شك أن هذه الخطوات تكشف بذاتها عن خطورة ما يقترحه شارون من هدنة طويلة المدى مع السلطة الفلسطينية وبعدها يتفاوض حول المرحلة النهائية، لأنه يكفي أن نتصور ما الذي يمكن أن يحدث خلال سنوات هذه الهدنة من مواصلة الاستيلاء على الأرض وتوسيع المستعمرات والإمعان في تقطيع أوصال الضفة الغربية حيث تنتهي هذه الهدنة إلى فرض أمر واقع يضيع معه الحق والأرض.

بعد ذلك يثور التساؤل عما إذا كان هناك أمل في السلام؟

قد يكون ظاهر الأمور التي نشهدها في كل يوم مؤدياً بنا إلى فقدان الأمل، على الأقل في الوقت الحاضر، في الوصول إلى تسوية سلمية تحقق المطالب العربية المشروعة. ولكن، في الوقت نفسه، فإن النظرة المتعمقة لكل مقومات الموقف الحالي، والتي سبق أن عرضنا لها تؤدي بنا إلى القول إن هذه الحكومة الإسرائيلية برئاسة شارون تقدم أفضل فرصة لكي تحقق الثورة الفلسطينية أهدافها في إقامة الدولة طبقاً لمطالبها الوطنية المشروعة وطبقاً للقرارات الدولية.

وفي ضوء حقائق الموقف فإن الفشل الذي يلحق بسياسة شارون لا ينتظر أن يتحول إلى نجاح في المستقبل القريب أو البعيد، طالما أن الشعب الفلسطيني وصل إلى المرحلة التي تشكل فيها المعاناة والتضحية نوعية الحياة التي ارتضاها من أجل الاستقلال الوطني ورفض العودة إلى ما قبل 28 أيلول (سبتمبر) 2000 على أية صورة ومن خلال أية اتفاقات لا تحقق له مطالبه المشروعة.

وعندما يصل شعب تحت الاحتلال إلى هذه المرحلة، فمن المؤكد أنه مهما ازداد طغيان المستعمر فإنه في النهاية سيحقق أهدافه في الاستقلال الوطني مثلما تحقق ذلك بالنسبة إلى كل حركات التحرير الوطني في أنحاء العالم في النصف الثاني من القرن العشرين المنصرم. وكما سبق القول فإن شارون قد يمعن في استخدام القوة العسكرية وقد ينقذ ما أعلنه من مناطق هادئة وقد يعيد احتلال الضفة الغربية وغزة، لكن ذلك لن يؤدي إلا إلى تراكم الفشل والإفلاس لهذه السياسات.

وليس من باب المبالغة أو الإفراط في الأمل القول إن شارون هو الفرصة التاريخية للشعب الفلسطيني في تحقيق الانتصار لأن العناصر المختلفة للمعادلة القائمة بين حكومة شارون ومقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال تؤكد ذلك.

ولكن، إذا كنا نصل إلى هذه النتيجة الحتمية، فإن ذلك لا يجب أن يثني الموقف العربي عن تحمل مسؤولياته، واستثمار الموقف الحالي بكل مقوماته في دعم الشعب الفلسطيني وقيادته ومواصلة العمل علي تكثيف عوامل الفشل لسياسة شارون. ومن الواضح أن التحرك العربي الآن وقبل عقد القمة العربية في نهاية هذا الشهر يفيد أن هناك تقديراً سياسياً عربياً يعي أبعاد المواجهة الحالية، وأنه على رغم كل ما يقوم به شارون فإن كفة انتصار المقاومة هي الأرجح. لذلك فإن الوقت الحالي هو الأنسب لما يمكن أن يوصف بالضربات القاتلة. وأتصور أنه، في إطار هذا التقدير، جاءت مبادرة الأمير عبد الله ولي العهد السعودي التي تقوم على إقامة علاقات كاملة بين الدول العربية وإسرائيل مقابل الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة. وكان لا بد من أن تؤدي هذه المبادرة السلمية إلى هزة عنيفة داخل حكومة شارون التي تواجه فعلاً في الوقت الحاضر أخطر مأزق منذ قيام دولة إسرائيل.

هذه المبادرة تسحب البساط من تحت قدمي شارون وتزيد من الضغوط السياسية عليه. ثم إنها لا بد من أن يكون لها تأثير مباشر على الموقف الأميركي الذي لا يستطيع تجاهل أهميتها خصوصاً إذا تبلورت في قرار من القمة العربية في بيروت.

إذا كان للمبادرة السعودية والمواقف العربية المؤيدة لها تأثير ايجابي مباشر في مساندة القضية الفلسطينية وقضية السلام الشامل عموماً، فإنه مطلوب ايضاً ان يتحرك المجتمع المدني بمؤسساته المختلفة في العالم العربي لمساندته وفي الوقت نفسه الانتباه الي الاوضاع الداخلية في إسرائيل وازمة شارون وتقلص التأييد لسياساته والازدياد المطرد في تأييد السلام، لذلك فإن مساندة مبادرات السلام العربية تدعم تحالف السلام في إسرائيل في مواجهة شارون.

آن الأوان لكي تكون لنا نظرة موضوعية وإيجابية تتعامل مع الحقائق والمتغيرات ولا تقف عاجزة عن التحرك الفاعل من أجل السلام العادل والشامل.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة