الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حائط البراق وليس حائط المبكي

  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:07/03/2007
  • التصنيف:الأقصى في خطر
  •  
3909 0 326

أولا: الأساس الديني والتاريخي:

ترجع أهمية بيت المقدس للمسلمين إلى عدة أسباب منها أن الله خصه بإسراء ومعراج النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وإلى أن بها أولى القبلتين وثالث المسجدين الشريفين. فقد صلى إليها الرسول والمسلمون بمكة، ثم ستة عشر شهرا بالمدينة، ثم أمره الله أن يتحول إلى الكعبة.

والمسجد الأقصى هو ثاني مسجد على الأرض بعد المسجد الحرام، وهناك عدة روايات حول من بناه، منها أن آدم هو الذي بناه، ومنها أن الذي بناه يعقوب ثم جدده داود وأتمه سليمان عليهم السلام.

وأما حائط البراق فهو حائط يحد حرم المسجد الأقصى من الغرب، وترجع هذه التسمية إلى أن الرسول محمدا عندما أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.. طبقا لما أشارت إليه مصادر إسلامية عديدة، ركب البراق حتى باب المسجد الأقصى، حيث ربط الدابة قرب الباب في مكان بالحائط الغربي للحرم في الحلقة التي كان يربط فيها الأنبياء من قبل، ودخل المسجد حيث صلى بالأنبياء، ثم عرج به إلى السماوات العلى.

وأما بالنسبة لهيكل سليمان فقد بناه في أورشليم سليمان عليه السلام ليكون مركزا لعبادة الله سبحانه وتعالى، حيث كان الهيكل مسجدا للموحدين.

وليس هناك دليل على المكان الذي بني فيه الهيكل، فبينما تذكر بعض المصادر أنه بني خارج حرم المسجد الأقصى، تذكر أخرى أن مكانه تحت قبة الصخرة، بينما تذكر المصادر اليهودية أنه بني تحت المسجد الأقصى.

وقد تم بناء الهيكل وهدمه ثلاث مرات كان آخرها على يد الرومان الذين فتحوا القدس عام70م ودمروها تماما.

ويروي لنا الكتاب المقدس حالة الهيكل قبل الهدم الثالث له، ونبوءة المسيح عليه السلام بخرابه وعدم بقاء حجر على حجر، حيث لم يحافظ اليهود على كون الهيكل مكانا للموحدين.

وبينما تشير بعض المصادر إلى أن الهيكل لم يبق منه شيء على الإطلاق تشير أخرى إلى أن الهيكل بقي جزء من حائطه الغربي، لكن أغلب علماء الآثار يرون أنه ليس هناك في الحائط الغربي للحرم أي أثر أو حجارة من بقايا هيكل سليمان.

فعندما حدثت حادثة الإسراء لم يكن بهذا المكان بناء معروف بالمسجد الأقصى، وإنما كان المكان الموجود بين أسوار الحرم الشريف بالقدس مكانا مخصصا لعبادة الله سبحانه وتعالى، ولم يكن مسجدا بالمعنى المفهوم حاليا، وإنما سمي بالمسجد لأنه مكان العبادة طبقا لما ذكره الشيخان عبد الحليم محمود ومحمد متولي الشعراوي.

أما بالنسبة للمسجدين المعروفين الآن باسم المسجد الأقصى ومسجد الصخرة فقد تم بناؤهما خلال الحكم الأموي، حيث شرع عبد الملك بن مروان في بنائهما عام65 هـ. وتابع الخلفاء والسلاطين والملوك فيما بعد الاهتمام بهذين المسجدين والإنفاق على صيانتهما.

فقد شهدت بيت المقدس بعد العهد الأموي فترتين من العمران المتميز، الأولى خلال العهد المملوكي والثانية خلال الحكم العثماني، وبشكل خاص خلال القرن السادس عشر الميلادي.

ومن يتابع التاريخ العثماني فسوف يجد عددا من السلاطين العثمانيين أحسنوا معاملة اليهود قبل ظهور أهدافهم الصهيونية مثل محمد الفاتح وبايزيد الثاني.

وخلال حكم سليمان القانوني(1520 ـ1566م) شهدت الدولة العثمانية نهضة حضارية، واستفاد بيت المقدس بصفة خاصة من تلك النهضة، فقد أمر سليمان بإعادة بناء أسوار المدينة، ودعا رعاياه إلى الإقامة في بيت المقدس خاصة اللاجئين اليهود الذين استقروا في الدولة العثمانية بعد طردهم من أسبانيا.

والذي يهمنا هنا ما حدث من سليمان القانوني بالنسبة للحائط الغربي للحرم الشريف. فقد صدر منذ ثلاث سنوات كتاب مهم عن القدس لمؤلفة أمريكية هي كارين أرمسترونج ـ ترجمه إلى العربية الدكتوران محمد العناني وفاطمة نصر ـ تذكر فيه المؤلفة أن اليهود لم يظهروا في الماضي أي اهتمام قط بذلك الجزء من الحائط الغربي، وأنهم عندما منعوا من دخول المدينة أثناء الفترة الصليبية كانوا يصلون عند الحائط الشرقي للحرم، وأن سليمان القانوني هو الذي أصدر فرمانا يسمح لهم بالصلاة عند الحائط الغربي، وسرعان ما اجتذب الحائط أساطير كثيرة، وتم ربط الحائط بأقاويل من التلمود، وهكذا أصبح الحائط رمزا لليهود، وأصبحوا يشعرون بتواصلهم مع الأجيال الماضية.

ويدعم هذه الحقيقة نصان: الأول ورد في الموسوعة اليهودية الصادرة في القدس عام1971 ونصه كما يلي: إن الحائط الغربي أصبح جزءا من التقاليد الدينية اليهودية حوالي سنة 1520م نتيجة للهجرة اليهودية من أسبانيا وبعد الفتح العثماني سنة 1517م. أما النص الثاني فقد أشار إليه تقرير اللجنة الدولية لتحديد الحقوق والادعاءات بشأن الحائط، حيث يذكر أنه وردت إشارة لأحد الباحثين في سنة1625 م تتحدث عن إقامة صلوات منظمة عند الحائط لأول مرة.

وخلال الحكم المصري للشام(1831 ـ1840م) كان يسمح لليهود بالاقتراب من الحائط والبكاء عنده مقابل ثلاثمائة جنيه إنجليزي كانوا يسددونها سنويا.

واضح إذن أن عادة الصلاة عند الحائط تم تقنينها خلال الحكم العثماني على يد سليمان القانوني، وأن عادة البكاء عند الحائط تم تقنينها خلال الحكم المصري للشام في ثلاثينيات القرن التاسع عشر.

ثانيا: الأساس القانوني

بعد انتهاء انتفاضة البراق التي حدثت في فلسطين في 15 أغسطس 1929م اقترحت الحكومة البريطانية على مجلس عصبة الأمم تشكيل لجنة دولية لتحديد الحقوق والادعاءات بشأن الحائط الغربي للحرم القدسي، حيث وافق مجلس العصبة في 15 مايو1930م على تشكيلها برئاسة وزير الشئون الخارجية السابق لحكومة السويد وعضوية نائب رئيس محكمة العدل في جنيف، ومن حاكم الساحل الشرقي لجزيرة سومطرة السابق، وهي لجنة دولية محايدة، وعلي أعلي مستوي تحكيمي.

وبعد أن أقامت اللجنة في القدس شهرا عقدت خلالها جلسات عديدة استمعت فيها إلى شهادة ممثلين عن المسلمين واليهود، وتلقت من الطرفين واحدا وستين وثيقة، وزارت كل الأماكن المقدسة في فلسطين، انتهت اللجنة بالإجماع إلى القرار التالى:

 للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي، ولهم وحدهم الحق العيني فيه لكونه يؤلف جزءا لا يتجزأ من ساحة الحرم الشريف... وقد تم تنفيذ هذا القرار اعتبارا من 8 يونيو 1931م. وقامت بنشره كاملا مؤسسة الدراسات الفلسطينية ببيروت عام 1968م.

 الغرض أن إطلاق عبارة حائط المبكي على حائط البراق لا تستند إلى أي أساس ديني أو تاريخي أو قانوني. فإذا كان الأمر كذلك فمن أين جاء إذن ترديد الإعلام العربي لعبارة حائط المبكي؟

إن عبارة حائط المبكي لم أجد استخداما لها إلا في عام 1929 قبيل انتفاضة البراق وخلالها بواسطة البيانات التي كانت تذيعها لجنة الدفاع اليهودية عن المبكي، ثم توقف استخدام العبارة بعد انتهاء انتفاضة البراق، وصدور قرار اللجنة الدولية بملكية المسلمين للحائط، ولم أجد استخداما لهذه العبارة حتى الهزيمة العربية عام 1967، حيث تردد استخدام العبارة على لسان العرب أنفسهم، فما مصدر هذا الاستخدام؟

يعتقد أن مخططي الإعلام الصهيوني والغربي قد نجحوا في إدخال مثل هذه العبارات إلى قاموسنا عن طريق ما ترسله وكالات الأنباء من أخبار وصور، كما أن استخدام هذه العبارة على لسان بعض الكتاب المصريين قد ساعد على إشاعة استخدامها بين الرأي العام العربي.

وإذا كان الإعلام الصهيوني والغربي قد نجح في نقل بعض مصطلحاتهم إلى عقل المواطن العربي، ألا يجعلنا ذلك نزداد تنبها ووعيا وإدراكا لما يحيط بنا من تحديات؟!

وإذا كان من حق اليهود أن يطلقوا على الحائط ما يشاءون من تسميات، أليس من حق العرب والمسلمين أن يطلقوا على الحائط عبارة حائط البراق؟ وهي التسمية التي يؤيدها التاريخ والتراث والقانون الدولي.

إن القضية ليست مجرد شكليات أو ألفاظ عابرة، لكنها أعمق من ذلك بكثير. إن اهتمام اليهود بهذا الحائط ليس سوي ذريعة لتدعيم مزاعمهم، وغطاء لاغتصاب فلسطين، ومبرر لاستثارة مشاعر اليهود وعواطفهم.

وفي النهاية أعتقد أنه يمكن القول في اطمئنان: إن الحائط الغربي للحرم القدسي الشريف هو حائط البراق وليس حائط المبكى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر

بجامعة عين شمس

مواد ذات صلة



تصويت

تربية الأبناء على أسس سليمة تكفل لهم حياة متزنة نفسيا وجسديا من أهم واجبات الآباء و الأمهات. بحسب ما تراه ماهي أبرز الأخطاء الشائعة التي تقع في تربية الأبناء؟

  • القسوة المفرطة.
  • التدليل الزائد.
  • الانشغال الدائم و عدم التواصل الكافي.
  • النزاع الدائم أمام الأطفال.
  • غير ذلك.